منظمة التنمية والبيئة النسائية “وديو” البيئية والعدالة الجندرية وجذور النزع
حوار خاص مع مساجد النور مديرة البرامج والمشاريع حول تمكين النساء والعدالة البيئية في السودان وأوغندا
كمبالا: (ديسمبر)

في ظل تعقيدات المشهد السوداني وتداخل أزمات النزاع المسلح مع التدهور البيئي وتفاقم أوضاع النزوح، تبرز مبادرات شبابية تقودها نساء يسعين إلى إعادة تعريف العمل الإنساني من منظور تنموي مستدام. من بين هذه المبادرات تقف منظمة التنمية والبيئة النسائية “وديو” التي تأسست عام 2022، حاملة رؤية تربط بين السلام والبيئة والعدالة الجندرية. في هذا الحوار الصحفي تتحدث مساجد النور، مديرة البرامج والمشاريع بالمنظمة، عن فلسفة التأسيس، وطبيعة العمل مع اللاجئات في أوغندا، والتحديات الميدانية، وخطط التحول نحو ريادة خضراء تقودها النساء.
التأسيس والرؤية: لماذا وُلدت “وديو” في قلب الأزمة؟
سألنا مساجد النور بداية عن خلفية تأسيس المنظمة، فقالت إن منظمة التنمية والبيئة النسائية “وديو” تأسست في عام 2022 انطلاقاً من قناعة راسخة بأن النزاعات في السودان لا يمكن فصلها عن قضايا البيئة وعدم المساواة الجندرية. وأوضحت أن النساء هن الأكثر تأثراً بالحروب والتدهور البيئي، لكنهن في الوقت ذاته الأقل تمثيلاً في مواقع صنع القرار، وهو ما شكّل فجوة كبيرة في الاستجابة الإنسانية والتنموية.
وأضافت أن المنظمة نشأت كمبادرة شبابية تقودها شابات يعملن على حماية البيئة وتعزيز حقوق المرأة وربط العمل الإنساني بالتحول التنموي المستدام. وأكدت أن الرؤية تتمثل في بناء سودان عادل ومستدام تقود فيه النساء مسارات السلام والتنمية، وتحظى فيه الموارد الطبيعية بالحماية والإدارة الرشيدة، مشددة على أن السلام لا يمكن أن يتحقق دون عدالة بيئية ومشاركة نسوية حقيقية في صناعة القرار.
العمل في أوغندا: استجابة متعددة المستويات للاجئات
وعن طبيعة العمل الحالي مع اللاجئين في أوغندا، أوضحت مساجد النور أن وجود المنظمة هناك جاء استجابة لموجات النزوح القسري، حيث تعمل “وديو” في كمبالا ومستوطنة بيالي عبر تدخلات متعددة المستويات. وتشمل هذه التدخلات توزيع سلال غذائية للأسر الأشد ضعفاً، وتقديم دعم نفسي اجتماعي للنساء، وتنفيذ برامج توعية بالصحة الإنجابية وتوزيع حقائب النظافة، إلى جانب عقد جلسات حوار مجتمعي لتعزيز التعايش بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة.
وأكدت أن المنظمة تنفذ تقييمات احتياجات تشاركية لضمان أن تكون التدخلات مبنية على صوت النساء أنفسهن، مشيرة إلى أن “وديو” لا تفرض برامج جاهزة، بل تصمم تدخلاتها بناءً على احتياجات حقيقية تعبّر عنها النساء في الميدان، وهو ما يمنح العمل مصداقية وفاعلية أكبر.

التمكين الاجتماعي والاقتصادي: من استعادة الثقة إلى ريادة الأعمال الخضراء
وعن مساهمة البرامج في تمكين النساء اللاجئات اقتصادياً واجتماعياً، شددت مساجد النور على أن التمكين يبدأ من استعادة المرأة لثقتها بنفسها. وأوضحت أن المنظمة تعمل على مستويين متكاملين، أولهما التمكين الاجتماعي والنفسي من خلال جلسات الحوار والدعم النفسي التي تساعد النساء على تجاوز آثار الصدمة وبناء شبكات تضامن مجتمعي.
وكشفت عن أن مؤشرات جلسات الدعم النفسي أظهرت أن أكثر من 93% من المشاركات شعرن بأن الجلسات ساعدتهن في بناء الثقة ونشر ثقافة السلام، فيما أكدت 100% منهن أنهن أصبحن أكثر قدرة على التواصل مع المجتمع المضيف، وهو ما يعكس تحولاً حقيقياً في الإحساس بالأمان والانتماء.
أما المستوى الثاني فيتمثل في التمكين الاقتصادي، حيث تربط المنظمة بين قضايا السلام وسبل العيش، باعتبار أن الضغط الاقتصادي يعد من أبرز مسببات التوتر. وأشارت إلى أن “وديو” تعمل على تطوير برامج مستقبلية تركز على ريادة الأعمال الصغيرة والتدريب المهني والمشاريع البيئية المدرة للدخل، بما يسهم في تخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة ويعزز قدرة النساء على الاستقلال الاقتصادي.
تحديات مركبة: من ضغوط المعيشة إلى مخاطر العنف
وفي حديثها عن التحديات التي تواجه النساء اللاجئات، وصفتها مساجد النور بأنها متعددة ومتشابكة، بدءاً من ارتفاع تكاليف المعيشة وندرة فرص العمل، مروراً بضغط الموارد في المجتمعات المضيفة ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية، انتهاءً بمخاطر العنف القائم على النوع والشعور بالعزلة والوصم الاجتماعي.
وأوضحت أن كثيراً من النساء يتحملن عبء إعالة أسرهن في ظروف قاسية للغاية، مما يجعلهن عرضة للاستغلال والهشاشة. ولمواجهة هذه التحديات، تتبنى المنظمة مقاربة شاملة تقوم على توفير مساحات آمنة للنساء، وتقديم تدريب على إدارة النزاعات والوساطة المجتمعية، وإطلاق منصة إنذار مبكر لتحليل المخاطر المناخية والهجرة، إلى جانب توزيع المساعدات وتنفيذ برامج توعية بالصحة الإنجابية للفتيات.

البيئة والسلام: علاقة لا تنفصل
وعند سؤالها عن كيفية دمج البعد البيئي في المشاريع داخل السودان أو في أوغندا، أكدت مساجد النور أن البعد البيئي حاضر في مختلف مراحل العمل، من تحليل العلاقة بين شح الموارد والنزاعات، إلى التوعية بالممارسات الصحية المستدامة، واستخدام مواد صديقة للبيئة في التدخلات.
وأضافت أن المنظمة تدمج مفاهيم العدالة المناخية في جلسات بناء السلام، وتربط بين الضغط على الموارد المحلية والتوترات المجتمعية، مشيرة إلى أن السلام المستدام لا يتحقق دون إدارة عادلة ومستدامة للموارد، وأن قضايا المناخ أصبحت جزءاً أصيلاً من النقاش المجتمعي الذي تقوده النساء في برامج المنظمة.
صعوبات التنفيذ: التمويل والبيئة الأمنية المتقلبة
وعن أبرز الصعوبات التي تواجه تنفيذ الأنشطة، أشارت مديرة البرامج والمشاريع إلى محدودية التمويل مقارنة بحجم الاحتياج، إضافة إلى القيود الأمنية في بعض المناطق، والتنقل المستمر للنازحين، وصعوبة الحصول على تصاريح لبعض الأنشطة، فضلاً عن العمل في بيئة نزاع متقلبة.
وأكدت أن المنظمة تعتمد على المرونة والتكيف الميداني لضمان استمرار العمل، مع تطوير خطط بديلة تتيح الاستجابة السريعة للتغيرات على الأرض، دون التخلي عن الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى.
شراكات تشاركية: العمل الجماعي بدلاً من التدخل المنفرد
وفيما يتعلق بالتعاون مع الشركاء، أوضحت مساجد النور أن “وديو” تؤمن بالعمل التشاركي وليس التدخل المنفرد، حيث تنسق مع قيادات مجتمعية نسوية، وتتعاون مع مدارس ومراكز مجتمعية، وتشرك متطوعين محليين في تنفيذ الأنشطة، كما تنسق مع منظمات إنسانية في مجالات الصحة والحماية، وتعمل مع شبكات شبابية وتسويات إقليمية. وأشارت إلى أن هذا النهج التشاركي يعزز قبول البرامج محلياً ويضمن استدامتها، لأنه يبني على قدرات المجتمع بدلاً من استبدالها.
قصص أثر: من الخوف إلى القيادة المجتمعية
وعن أمثلة توضح الأثر المباشر للتدخلات، روت مساجد النور قصة امرأة نازحة شاركت في جلسات مشروع “ونسة سلام” الذي نُفذ في ولاية النيل الأبيض بنهاية عام 2025، حيث تحدثت عن خوفها الدائم من الاحتكاك بالمجتمع المضيف، لكنها بعد المشاركة أصبحت عضواً نشطاً في لجنة نسائية للحوار المجتمعي، وتساهم اليوم في حل الخلافات البسيطة داخل الحي.
كما أشارت إلى أن فتيات مشاركات في برنامج الصحة الإنجابية أفدن بأنهن تعلمن لأول مرة كيفية التعرف على مؤشرات الخطر الصحي، مما ساعد بعضهن على طلب الرعاية الطبية في الوقت المناسب. وأكدت أن هذا النوع من الأثر لا يقاس بالأرقام فقط، بل بالتحول في الثقة والوعي والقدرة على اتخاذ القرار.

أولويات المستقبل: نحو قيادة نسوية للسلام البيئي
وفي ختام الحوار، تحدثت مساجد النور عن أولويات وخطط المنظمة المستقبلية، والتي تشمل توسيع برامج سبل العيش المستدامة للنساء اللاجئات، وتطوير مشاريع ريادة أعمال خضراء، وتعزيز مشاركة النساء في أنظمة الإنذار المبكر المجتمعية، وبناء تحالفات إقليمية في مجال العدالة البيئية، إضافة إلى إدماج قضايا البيئة ضمن مسارات التحول الديمقراطي.
وأكدت أن الهدف هو تحويل النساء من متأثرات بالأزمات إلى قائدات في بناء السلام البيئي والاجتماعي، عبر دمج التوعية الصحية بالحماية، وربط التدخل الإنساني ببناء القدرات طويلة المدى، وتشجيع تشكيل لجان نسوية محلية تساهم في حل النزاعات، والتركيز على بناء قدرة النساء على اتخاذ القرار داخل مجتمعاتهن لا مجرد تلقي الدعم.
وختمت بقولها إن جوهر عمل “وديو” يتمثل في الربط بين العمل الإنساني في سياق اللجوء وقضايا التنمية المستدامة، من خلال دمج مفاهيم العدالة المناخية في برامج السلام، وتشجيع استخدام مواد قابلة لإعادة الاستخدام مثل الفوط الصحية القماشية، وتطوير منصات إنذار مبكر لتحليل المخاطر المناخية، وربط التمكين الاقتصادي بمشاريع صديقة للبيئة، مؤكدة أن الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى بناء مجتمعات قادرة على الصمود هو المسار الذي اختارته المنظمة، إيماناً بأن النساء قادرات على قيادة هذا التحول نحو مستقبل أكثر عدلاً واستدامة.