العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران لماذا غابت المبدئية في الدفاع عن القانون الدولي؟
إبراهيم حمودة – صحفي وناقد
في العام 2015 وبمناسبة مرور 70 عاماً على الحرب العالمية الثانية أجرت صحيفة هولندية سلسلة لقاءات صحفية مع المحاربين القدامى من الأمريكان الذين ما يزالون على قيد الحياة وقتها وقد تقدم بهم العمر، من أجل استخلاص العبر التي خرجوا بها من الحرب. أذكر أن أهم مقولتين علقتا بذهني من محارب قديم أبيض وآخر من أصول آفرو أمريكية، وكان لا يسمح لهم وقتها بالقتال جنباً إلى جنب في الجيش بسبب سياسات التفرقة الأمريكية في ذلك الوقت.
قال العسكري الأبيض إن الناس العاديين ينظرون للجنود كأبطال وإلى الحرب كميدان نبيل من أجل الدفاع عن الوطن ومصالحه، ويضيف: “لكن في الحقيقة الحرب عبارة عن وحل وطين وجثث مشوهة ورائحة دماء ودخان وعرق ودموع، لا شيء بطولي في الحرب ولا مجد لها إطلاقاً”.
أما العسكري الآفرو أمريكي فيقول: “علمتني الحرب ألا أتوقع أي خير من البشرية مهما بدت حضارتنا الحالية متمسكة بالقيم العليا التي تدعو لصيانة حقوق الإنسان الأساسية وإلى سيادة الدول وإلى ضرورة السلام”.
هؤلاء المقاتلون القدامى قدموا من أمريكا، تحملهم السفن وسيارات الجيب وزحفوا من بلجيكا وهولندا إلى أن دخلوا باريس التي خرج منها الألمان أذلة تطاردهم الشتائم واللعنات مجردين من الأسلحة، سمحوا لهم وقتها باستخدام الدراجات من باب التسامح. عندها أجمع العالم على أنها ستكون آخر الحروب، ليتم إنشاء هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، نادي القوى العسكرية النووية الكبرى.
ولكن سرعان ما انزلقت أمريكا في حرب فيتنام في الستينات، ثم تدخلت في العراق في التسعينات بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل ثبت لاحقاً عدم وجودها، ثم في ليبيا، وأخيراً في أفغانستان قبل أن تسلمها لطالبان مرة أخرى طواعية.. كل هذه التدخلات لم ينتج عنها تغيير ديمقراطي وفتح الباب أمام الفوضى والتفكك وهو تاريخ يعلمه الجميع.
حين وصل ترامب للبيت الأبيض أعلن أنه سيعتني بأمريكا تحت شعار “أمريكا أولاً”، وأبدى عدم رغبته في أي تدخل عسكري أو إرسال جنود أمريكان للخارج. ولكن الوعود شيء والواقع الجيوبوليتيكي ومصالح أمريكا الاقتصادية شيء آخر. سرعان ما أقدمت إدارة ترامب على مهاجمة فنزويلا وأخذت رئيسها أسيراً بزعم أنه ديكتاتور يمارس القمع على شعبه. والآن جاء الدور على إيران.. الأمر الذي يشكل نسقاً لا تخطئه العين من ليبيا والعراق وفنزويلا انتهاء بإيران، نسق يرتبط بالنفط واحتياطاته.
ترامب وإدارته الحالية البيضاء المسيحية المتعصبة ليست هي المأساة الماثلة أمامنا، ولكن المأساة تكمن في موقف المجتمع الدولي ككل ممثلاً في هيئاته وأجسامه المختلفة مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وبقية مفوضيات الأمم المتحدة المعنية بالحقوق وبالسلام العالمي. صمت العالم إعلان عن موت القانون الدولي.
في كامل القارة الأوروبية لم يفتح الله على أي رئيس دولة أو رئيس حكومة باستنكار الخرق الفضائحي للقانون الدولي والاعتداء على دولة ذات سيادة طبعاً باستثناء غير رئيس وزراء الإسباني سانشيز الذي استنكر الاعتداء ووصفه بأنه عمل متهور وليس لأحد مصلحة فيه.
الأمين العام لحلف الناتو مارك روتا، قال إن الحلف يقف خلف أمريكا حربها مع إيران. وهو موقف تعرض للكثير من الانتقادات ووصف بأنه مداهنة واضحة للرئيس ترامب. الدول الأوروبية لديها عقدة ولاء لأمريكا لمساهمتها مرتين في إنقاذ أوروبا من حربين عالميتين.
ثم بسبب الاقتصاد والتخوف من غضب أمريكا وعقوباتها، إذ لا تستطيع طائرة واحدة من المقاتلات الأمريكية التي تتسلح بعها معظم الدول الأوروبية من الطيران دون السوفت وير الأمريكي. إضافة للعقوبات الاقتصادية والتعرفات الجمركية التأديبية التي يشهرها ترامب في وجه الجميع.
أوروبا خائفة من أمريكا، ولكن محللون استراتيجيون وعلماء اقتصاد يقولون بأن هذا الخوف غير مبرر وأوروبا مجتمعة ستكون أقوى كثيراً من أمريكا أو على الأقل نداً لها.. وأن أمريكا هي الخاسرة في حرب اقتصادية مع أوروبا.
بالعودة لواقعنا وحربنا الدائرة الآن في السودان والدور الأمريكي لوضع حد لها، نرى أن ردود الفعل على العدوان الأمريكي على إيران ملتوية وضعيفة لدرجة مخجلة. وأي سياسي عاقل كان سيفضل الصمت بدلاً عن قول نصف الحقيقة أو ابتلاعه أمام الشهود.
لم يجرؤ فريق واحد أو جهة على إدانة العدوان من حيث المبدأ، وتنوعت ردود الفعل الانتقائية بإدانة العدوان الإيراني على دول الخليج، والسكوت عن الدور الإسرائيلي العنجهي في المنطقة طبعا. بل ويذهب بعض البراغماتيين الكارهين لحكومة بورتسودان وإيران الداعمة لهذه الحكومة في جرائمها، إلى تأييد إسرائيل والدعوة لتوثيق العلاقات معها، الأمر الذي يعبر عن مدى المتاهة التي نعيشها الآن.
مفهوم أن العديد من القوى السياسية والمدنية تعتمد بشكل أو بآخر على الدعم الأمريكي، وعلى التلويح الأمريكي بالتدخل لوضع حد لهيمنة العسكر والإسلاميين على مقاليد الأمور، ولكن أن تتم ترجمة هذه الوعود إلى واقع عملي أمر مشكوك فيه ونسبة تحقيقه ضعيفة جداً. كما أن التغاضي عن الانتهاكات الفظيعة للقانون الدولي التي ترتكبها أمريكا لا تجعل القوى التي تعتمد على هذا النظام وتداهنه تتمتع بأي مصداقية فيما يتعلق باحترامها لمبدأ سيادة القانون وجديتها تجاه بناء دولة الحريات والقانون والمؤسسات في السودان.
المشكلة الماثلة الآن كما يقول كثير من المحللين وأساتذة القانون لا تكمن في القانون الدولي بحد ذاته، ولكن في الدول وتعاملها مع هذا القانون. ففي الوقت الذي تدير فيه القوى العسكرية الكبرى ظهرها للقانون الدولي في الصراع من أجل تحقيق مصالحها، فعلى الدول الأخرى الأضعف مثل حالتنا محاولة تعزيز دور القانون الدولي في حل النزاعات وهي الكلفة الأرخص دائماً بدلاً عن الحرب والمواجهات العسكرية.