حين تُقصف الطفولة: السياسة في أدنى درجاتها

حين تُقصف الطفولة: السياسة في أدنى درجاتها

بقلم: صفاء الزين

ما حدث في الضعين ليس خبراً عابراً في سياق حرب طويلة، ولكنه كشف لطبيعة المرحلة التي وصل إليها الصراع. استهداف مستشفى الأطفال وسقوط ضحايا في يوم العيد يضعنا أمام مشهد لا يحتمل التبرير أو التأويل. مدنيون وأطفال ومرفق صحي يفترض أن يكون محميًا أصبح هدفًا مباشرًا.

هذه الجريمة تطرح سؤالًا سياسيًا قبل أن تكون مأساة إنسانية: ما الذي يدفع قوة مسلحة إلى استخدام هذا المستوى من العنف؟ الإجابة مرتبطة بطريقة إدارة الصراع، حيث يتم التعامل مع المجتمع نفسه كوسيلة ضغط. عندما تُضرب المستشفيات، الرسالة واضحة: لا مكان آمن، ولا حدود لما يمكن استهدافه. الخوف يتحول إلى أداة مقصودة، تؤثر في تصرفات الناس ووعيهم، وتخلق بيئة تسمح بتكريس العنف المستمر.

الهجوم المنسوب إلى الجيش الذي يُدار بأيدي الحركة الإسلامية لا يمكن فصله عن نمط واسع يعتمد على توسيع دائرة الألم. الاشتباك لم يقتصر على قوة عسكرية، بل انتقل إلى داخل حياة الناس اليومية. الأطفال الذين قُتلوا لم يكونوا جزءًا من أي مواجهة، ومع ذلك دفعوا الثمن. هذا الحدث أعاد تعريف طبيعة الصراع، وحوّله من صراع تقليدي إلى مواجهة تؤثر في النسيج الاجتماعي بأكمله.

في هذه اللحظات يتغير المجتمع من الداخل. الخوف يتحول إلى شعور بالاستهداف، ومع الوقت يتشكل وعي قائم على الانقسام. الهوية الوطنية تتراجع، وتظهر هويات أصغر تبحث عن الحماية أو الثأر. هذا التحول يتغذى على الحوادث المتكررة، ويصبح واقعًا يصعب تغييره.

سياسيًا، هذه الأفعال تقوّض أي حديث عن الشرعية. لا يمكن لأي قوة مطالبة الناس بالقبول وهي تضرب الأطفال في أماكن علاجهم. الشرعية تحتاج حدًا أدنى من الثقة، وهذه الثقة تتآكل مع كل جريمة. القوة وحدها لا تبني سلطة مستدامة، والخوف لا يخلق ولاء.

استخدام المسيّرات يضيف بُعدًا خطيرًا، لأنه يعكس تطورًا في أدوات القتل مع غياب الضوابط الأخلاقية. المسافة بين من يضغط الزر ومن يرى النتيجة على الأرض تجعل اتخاذ القرار أسهل، لكنها لا تقلل من حجم الكارثة. التكنولوجيا لا تخفف الألم، بل تجعل إنتاجه أكثر انتظامًا وأقل تكلفة لمن يستخدمها.

من زاوية قانونية، استهداف مستشفى يدخل ضمن أخطر الانتهاكات، لأنه يمس أحد أركان القانون الإنساني: حماية المدنيين وأماكن علاجهم. أي تساهل مع هذه الأفعال يعني انهيار قواعد الصراع وفتح الباب أمام مرحلة بلا ضوابط.

الأخطر بعد الجريمة نفسها هو تأثيرها على المجتمع. غياب تحقيق مستقل ومحاسبة حقيقية يحول الحادثة إلى وقود للغضب والتعبئة. كل طرف يعيد صياغتها بما يخدم روايته، وتتحول الحقيقة إلى ساحة صراع جديدة. ما يبقى ثابتًا هو أثر الحدث: ذاكرة جماعية مثقلة بالدم، وغضب يبحث عن منفذ.

القوى السياسية والمدنية تواجه اختبارًا صعبًا. الصمت لم يعد حيادًا، والتبرير لم يعد مقبولًا. أي موقف غير واضح يسمح بتكرار الجريمة. المسؤولية تقع على من نفذ، ومن يمتلك القدرة على الإدانة ويختار الصمت.

هذا الواقع يضع المثقفين وأصحاب الرأي أمام تحدٍ كبير. الخطاب الحالي إما أن يحافظ على ما تبقى من تماسك، أو يدفع نحو مزيد من الانقسام. الانجرار نحو خطاب تعبوي قد يبدو رد فعل طبيعي تحت الضغط، لكنه يغذي دائرة العنف نفسها التي أنتجت الكارثة.

ما يحدث اليوم ليس تصعيدًا عسكريًا فقط، إنه إعادة تشكيل العلاقة بين القوة والمجتمع. كسر الخطوط الحمراء يجعل إعادة رسمها صعبًا، وكل جريمة تمر دون حساب تجعل التالية أسهل وأقرب.

ما حدث في الضعين نقطة فاصلة. يجب وضع حد واضح لهذا المسار، وإلا سيستمر الانحدار نحو مستوى تصبح فيه حياة المدنيين بلا قيمة. حماية الأطفال معيار حقيقي لأي ادعاء أخلاقي أو سياسي.

هذه لحظة تتطلب وضوحًا كاملًا: استهداف الأطفال جريمة لا تقبل تبريرًا، واستهداف المستشفيات سقوط لا يمكن تغطيته بأي خطاب. من يختار هذا الطريق لا يوسع دائرة الحرب فقط، بل يغيّر طبيعتها إلى شكل أكثر قسوة وخطورة.

وكما قالت حنة أرندت: “العنف يمكن أن يدمر السلطة، لكنه لا يستطيع أن يخلقها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *