أين ذهب “العاديون”؟
تآكل النسيج الاجتماعي مهدد لاستعادة الديمقراطية
إبراهيم حمودة، ناقد وكاتب صحفي
منذ قديم الزمان والناس يعيشون مع بعضهم، ينشئون شبكة علاقات ومنافع، ويشبعون رغبتهم في التلاقي والتواصل من خلال أنشطة مشتركة اقتصادية كانت أم اجتماعية أو طقوسية. وحينما يطرأ طارئ يفسد هذا الإيقاع ويهدد الشبكة بكاملها، يتحدون ويواجهون ما يفسد عليهم حياتهم ويعيدون الأمور إلى نصابها. فلماذا الاستسلام الجماعي الذي نشهده لديناميك الحرب الذي يفسد كل ما بنته وصانته هذه المجاميع؟.
بعد ما يزيد عن الأربعين عاماً أفلحت في التواصل مع أحد زملاء مهنة التدريس أثناء عملي كمعلم في مدرسة أبو زبد الأميرية.
زميلي فاخر، ابن مدير مدرسة أبو زبد الأميرية وقتها فاروق بشير بلة الذي صار عمدة مسقط رأسه “كتير بلة” بالنيل الأبيض بعد نزوله المعاش عليه رحمة الله. كان فاخر في نفس عمري لذا كنت أنظر لوالده كأب قبل أن يكون مدير مدرستنا.
في العام الماضي وبالعاصمة الكينية نيروبي التقيت دكتور عبدالله محمد عبدالله، القادم من أمريكا، والذي اكتشفت أنه تلميذي في تلك المدرسة، الأمر الذي عزّز من حماسي في البحث عن زملاء المهنة وعن تلاميذي الذين درَّستهم في الأعوام 1981-1982م.
أثمر هذا الحماس في بحثي وعثوري على أستاذ فاخر، بسبب فرادة اسمه وسهولة البحث عنه في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن اسمه ببساطة لا يختلط مع عدد كبير من نتائج البحث مثل محمد أحمد، أو محمد عبدالله..إلخ.
أسعدني التواصل معه هاتفياً وسماع الكثير من أخبار زملاء المهنة وقتها الذين تفرقت بهم السبل. وما أدهشني حقاً هو عودة فاخر من مهجره كل عام لزيارة الأهل، وكان لا يفوِّت في أيٍّ من المرات طقس السفر الطويل من النيل الأبيض إلى مدينة أبو زبد للمسالمة والمطايبة والسمر مع أصدقائه وزملائه القدامى، ولم توقف طقسه إلا هذه الحرب.
أبو زبد، لمن لا يعرفها الواقعة بين شمال كردفان وجنوب كردفان، يسكنها خليط من القبائل التي تمثل كل السودان تقريباً؛ المسيرية والحوازمة من جهة، وقبائل حمر والبديرية والنوبة والفلاتة والجبلاب من شمال السودان، وجزء من قبائل شمال درافور، والجوامعة من شمال كردفان، على سبيل المثال لا الحصر.
مثل هذا الاختلاط ينمي بالتأكيد الوجدان المشترك وأواصر القربى والمعرفة المبنية على التجارب المشتركة، في الطقوس والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية وحتى أنشطة اللهو وتزجية أوقات الفراغ. المحصلة النهائية تعرف كل فرد على ذاته في الآخر، وتربية نوع من الثقة العميقة المبنية على الذاكرة المشتركة.
هذا الأمر ينطبق على المجتمعات في كل البلدان. ممارسة الرياضة مثلاً تجمع ابن حارس البناية وعامل النظافة مع ابن مدير المؤسسة أو المسئول الحكومي الرفيع ورجل الأعمال هنا في الغرب. وهو أمر بدأ في الانحسار في العقود الماضية، بعد أن عمد الأثرياء إلى إرسال أبنائهم إلى مدارس عالمية خاصة، وأصبحوا يرتادون أنواعاً من الرياضات لا تستطيع الفئات ذات الدخل المحدود تحمل تكاليفها. وانتهى الأمر إلى ظاهرة تعرف في مجتمعات الأثرياء في أوروبا بالـ”Skyboxification”، وهي العزلة التي يضربها الأثرياء حول انفسهم لتجنب مخالطة العامة في أماكن مثل دور الرياضة والحفلات الموسيقية الكبيرة باستئجار مقصورة تعرف باسم (سكاي بوكس) توفر لك ميزة عدم الاختلاط بالآخرين أو ملامستهم أو سماع أصواتهم. دافع كل ذلك هو سيادة ثقافة تمجِّد النجاح بشكله المادي، وكل من لم يستطع تحقيق معايير النجاح المادي فهو فاشل.
حذر علماء الاجتماع والسياسة من هذا الفرز، وقالوا إنه مهدد حقيقي من مهددات النظام الديمقراطي المبني ليس على تنفيذ رغبة الأغلبية، ولكن على عدالة توزيع الفرص والاعتناء بالفئات الضعيفة والأقليات في وضع السياسات المختلفة. غياب الاختلاط يؤدي إلى غياب الإحساس بالآخر أو تفهم عالمه وظروفه.
ما حدث في العقود الماضية من حكم الإسلاميين هو تدمير ممنهج للأوعية والتنظيمات الاجتماعية غير الرسمية. تفكيك لمؤسسات المنفعة العامة والمؤسسات الإنتاجية والخدمية مثل السكة الحديد، النقل النهري ومشروع الجزيرة ومشاريع القطاع العام. من ناحية أخرى إهمال التعليم الحكومي من الابتدائي للجامعة، وبناء مؤسسات تعليمية تعتمد على القدرة المالية، الأمر الذي أدى لفرز اجتماعي حاد نتيجته انعدام الفرصة للتواصل والتعايش الطبيعي لأبناء الوطن بكافة خلفياتهم الاقتصادية والاجتماعية، ما أنتج التشرذم الاجتماعي الذي نشهده، ورجوع المواطنين لمربع القبيلة بحثاً عن الأمان والدعم الاقتصادي والاجتماعي.
أضف لذلك انتهاج سياسات توظيف تنبني على صلة القربى أو التنظيم، الأمر الذي فوَّت فرصة ربط المجاميع البشرية الكبيرة من جميع أنحاء السودان، وبناء وجدان مشترك على أرضية كسب العيش أزمالة المهنة. بالمقابل سادت ثقافة تقول بأن من لم يلتحق بالتنظيم مكتوب عليه الفشل والفقر والضياع.
هذا التشرذم الاجتماعي الذي نشهده، وغياب الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تميز مجتمعات الدولة الحديثة، أدى لاختلال البوصلة الاجتماعية وغياب معايير الحكم على الأشياء والأحداث، على أساس مبدئي يتعلق بقيم المساواة والنزاهة، العدالة والقانون، القيم التي لا ينجح مجتمع معافى من دونها.
في السنوات والعقود الماضية بدأت بعض الشرائح الاجتماعية سباقها من أجل التعليم والعمل والصعود الاجتماعي، على مسافة كبيرة خلف الفئات ذات الحظوة التي ظلت تستأثر بخيرات ومقدرات البلد الاقتصادية، الأمر الذي ضيَّع الفرصة على المواطن العادي الذي كان يجد حقه بدرجة من الدرجات في كل مناحي الحياة، التعليم، الصحة والعمل.
ما حدث ببساطة هو القضاء على الناس العاديين الذين يحبون بعضهم ويتفقدون بعضهم ويتعرفون على أنفسهم في أفراد المجتمع الآخرين، وهذا ما يخلق الوجدان المشترك والقيم المشتركة التي يَهُبُّ الجميع للدفاع عنها لحظة الخطر، الأمر الذي لم يحدث الآن، وربما فاتت فرصة حدوثه.