“الكنداكات يكتبن التاريخ” : شهادات نساء السودان من قلب الثورة إلى معركة الاعتراف

“الكنداكات يكتبن التاريخ”: شهادات نساء السودان من قلب الثورة إلى معركة الاعتراف

“لم نكن مجرد مشاركات”: نساء السودان يروين كيف قدن الثورة من الشارع إلى الواجهة

شهادات حية من ناشطات سودانيات تكشف الدور المحوري للنساء في ثورة ديسمبر، بين القيادة الميدانية والتهميش السياسي

كمبالا: ملاك جمال بلة

 

في شوارع الخرطوم ومدن السودان المختلفة، لم تكن النساء مجرد جزء من الحشود التي خرجت مطالبة بإسقاط النظام، بل كنّ في الصفوف الأمامية يهتفن، ينظِّمن، يعالجن الجرحى، ويواجهن القمع المباشر.

من داخل المواكب، والاعتقالات، والاعتصامات، تروي نساء شاركن في الثورة السودانية تفاصيل أدوارهن وتجاربهن، كاشفات عن دورٍ حاسم غيّر مسار الحراك، لكنه لم يُترجم بعد إلى تمثيل عادل في السلطة.

 

“خرجنا لأن الصمت لم يعد ممكنًا”

تتعدد دوافع المشاركة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: رفض واقع لم يعد يُحتمل. تقول “مقام” إن مشاركتها جاءت نتيجة تراكم طويل من القهر، بدءًا من التدهور الاقتصادي، مرورًا بالقمع السياسي، وصولًا إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي، مشيرة إلى أن سياسات النظام، مثل “قانون النظام العام”، شكّلت أحد أبرز أسباب خروج النساء.

أما نادين السر، فتؤكد أن دافعها كان سياسيًا وشخصيًا في آن واحد:

“كنت أرفض هذا النظام بكل تفاصيله.. القمع، التهميش، والتجهيل، كلها جعلتني أؤمن بضرورة إسقاطه”.

من جانبها، تربط ميسون عبد الله مشاركتها بتجربة شخصية داخل مؤسسة عسكرية، عززت لديها رفض سيطرة العسكر، وسعيها نحو دولة مدنية.

وتصف يسرا حسن الدافع بأنه شعور جمعي لجيل كامل عاش الظلم والحروب، مؤكدة أن التغيير لم يعد خيارًا بل ضرورة.

بينما تختصر فاطمة محمد الأمر بقولها:

“الحرية لا تُمنح.. بل تُنتزع”.

 

في قلب الميدان: نساء ينظِّمن ويقُدن

لم تقتصر مشاركة النساء على الحضور الرمزي، بل امتدت إلى مختلف مستويات العمل الثوري.

تروي “مقام” أنها شاركت في توجيه المواكب نحو الطرق الآمنة، والعمل داخل العيادات الميدانية، إلى جانب تجهيز أدوات الحماية من الغاز المسيل للدموع.

نادين السر كانت منخرطة في التنظيم منذ البداية، من كتابة الشعارات، إلى قيادة الهتاف، وصولًا إلى تأسيس “تجمع شابات السودان”، الذي شكّل منصة لتنظيم العمل النسوي داخل الحراك.

أما ميسون عبد الله، فقد لعبت دورًا محوريًا في التنسيق الطبي، وعملت في الصفوف الأمامية خلال المواكب والاعتصام، إلى جانب قيادتها لمهام تنظيمية داخل لجان المقاومة، وتنسيقها للعمل الصحي على مستوى محلي.

وتقدم يسرا حسن نموذجًا متقدمًا للمشاركة السياسية، حيث ساهمت في تأسيس لجان مقاومة نسوية، وتنظيم المواكب، ثم شاركت لاحقًا في المؤتمرات وصياغة معايير الترشح للمناصب، وتمثيل اللجان في محافل رسمية.

عائشة الطريفي ركزت على جانب التوعية، حيث نظّمت دورات تدريبية داخل اعتصام القيادة العامة حول الانتقال المدني والديمقراطية.

أما أفكار حسن، فترى أن المشاركة شملت أيضًا دعم الثوار لوجستيًا، من إعداد الاحتياجات إلى الحضور المستمر في الشارع.

 

لحظات لا تُنسى: من الأمل إلى الفقد

لكل مشاركة لحظات محفورة في الذاكرة، تختزل معنى الثورة.

تتذكر “مقام” روح التكافل بين الثوار، حيث تكاملت الأدوار بشكل عفوي.

تستعيد نادين السر لحظات المطاردة والهروب، لكنها تؤكد أن التحول في الشعارات بعد مجزرة بري شكّل نقطة وعي حاسمة.

ميسون عبد الله تصف اعتصام القيادة العامة بأنه لحظة فارقة، لكنها تحمل أيضًا ألم فقدان أربعة من أصدقائها خلال شهر واحد.

تصف يسرا حسن لحظة الوصول إلى ميدان الاعتصام بأنها تجربة إنسانية عميقة، أعادت تشكيل العلاقة بين الناس والوطن.

أما فاطمة محمد، فتتحدث عن لحظة انهيار حاجز الخوف، حين أصبح “الشعب جسدًا واحدًا”.

عائشة الطريفي تستحضر أول موكب بعد فض الاعتصام، كواحدة من أصعب وأقوى التجارب.

 

القمع والانتهاكات: ثمن المشاركة

لم تكن المشاركة دون كلفة.

تقول “مقام” إنها واجهت اعتقالات متكررة بعد المواكب.

وتكشف نادين السر عن اعتقالها لمدة شهرين، تعرضت خلالهما للتعذيب النفسي والجسدي.

ميسون عبد الله تتحدث عن تهديدات وصلت إلى داخل منزلها، إلى جانب استدعاءات أمنية ومحاولات ترهيب وتشويه سمعة.

وتسلط يسرا حسن الضوء على تحديات إضافية واجهتها النساء، مثل القيود الأسرية والوصم الاجتماعي، إلى جانب المخاطر الأمنية.

أفكار حسن تشير إلى التحرش اللفظي ومنع الوصول إلى المواكب، بينما تؤكد فاطمة محمد أن التقليل من دور النساء كان أحد أبرز أشكال التحدي.

 

“وجودنا غيّر كل شيء”

تجمع الشهادات على أن النساء لم يشاركن فقط، بل غيّرن شكل الحراك.

تقول “مقام” إن وجود النساء في الصفوف الأمامية منع انهيار الثورة، وساهم في تحويلها إلى “ثورة وعي”.

نادين السر تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن الثورة كانت في جوهرها “ثورة نساء”.

ميسون عبد الله ترى أن حضور النساء منح الثورة بُعدًا أخلاقيًا ومجتمعيًا أعمق، بينما تشير يسرا حسن إلى أن النساء أدخلن قضايا مثل العدالة الجندرية إلى صلب النقاش العام.

 

دور متكامل.. لكن غير متساوٍ

رغم الإقرار بتكامل الأدوار بين النساء والرجال، إلا أن التفاوت ظل قائمًا.

توضح “مقام” أن النساء قدن التنظيم والتعبئة، بينما كان الرجال غالبية الشهداء.

نادين السر تشير إلى أن مراكز القوة ظلت ذكورية، رغم الدور القيادي للنساء.

ميسون عبد الله تؤكد أن النساء قدمن مساهمات نوعية، خاصة في استمرارية الحراك، فيما ترى فاطمة محمد أن النساء واجهن تحديات مضاعفة—سياسية واجتماعية في آن واحد.

 

نظرة المجتمع: تغيّر جزئي وارتداد واضح

تُجمع المشاركات على أن الثورة أحدثت تغييرًا في صورة المرأة، لكنه لم يكن كاملًا.

تقول “مقام” إن المرأة أصبحت تُرى كـ”كنداكة”—رمز قوة وفخر—لكن العادات القديمة ما زالت قائمة.

نادين السر ترى أن التغيير ظل محدودًا داخل الأوساط الثورية.

ميسون عبد الله تشير إلى كسر الصور النمطية، بينما تحذِّر يسرا حسن من “ارتداد” بعد الانقلاب، أعاد بعض الخطابات الإقصائية.

 

تمثيل سياسي محدود: فجوة لم تُردم

رغم الدور الكبير في الشارع، لم تنعكس مشاركة النساء على مستوى السلطة.

تقول “مقام” إن النساء غُيّبن عن مفاوضات الانتقال.

نادين السر تؤكد أن التمثيل اقتصر على أدوار نمطية.

ميسون عبد الله ترى أن الحضور السياسي كان أقل من حجم التضحيات، بينما تشير يسرا حسن إلى ضعف الإرادة السياسية حتى داخل قوى الثورة.

 

1985 و2019: من الظل إلى الواجهة

تشير الشهادات إلى تطور واضح في مشاركة النساء بين ثورتي 1985 و2019.

فبينما كانت المشاركة في 1985 أقل ظهورًا ومحصورة في أطر نقابية، جاءت ثورة 2019 بمشاركة جماهيرية واسعة، وقيادة ميدانية واضحة، وخطاب أكثر وعيًا بقضايا النساء.

 

هل تحققت المكاسب؟

الإجابة الأقرب لدى المشاركات: جزئيًا.. أو لا.

بعض الإصلاحات القانونية تحققت، لكن معظم الشهادات تؤكد أن التغيير لم يكن بحجم التضحيات.

نادين السر تصف التعديلات بأنها “شكلية”، بينما ترى يسرا حسن أن التطورات السياسية اللاحقة أعادت الأوضاع إلى الوراء.

 

ما الذي يجب أن يتغير؟

المستقبل: من المشاركة إلى القيادة

ترى المشاركات أن المرحلة القادمة تتطلب تغييرات عميقة ومتشابكة، تبدأ بضمان تمثيل سياسي عادل للنساء يصل إلى نسب حقيقية تعكس حجم مشاركتهن، وتمر بإصلاح القوانين المرتبطة بحقوق النساء، خاصة تلك التي تنظم الأحوال الشخصية وتحمي من العنف، ولا تنتهي عند ضرورة تفكيك البنية الذكورية الراسخة في المجتمع ومؤسسات الدولة. كما تؤكد الشهادات على أهمية دعم التنظيمات النسوية القاعدية، وتوفير تمكين اقتصادي واجتماعي حقيقي للنساء، بما يسمح لهن بالانتقال من ساحات الاحتجاج إلى مواقع صنع القرار.

 

تتفق الشهادات على أن النساء لن يعدن إلى الهامش.

تقول “مقام”:

“ثورة لا تشارك فيها النساء لا يُعوَّل عليها”.

نادين السر تؤكد أن النساء سيفرضن موقعهن في القيادة، بينما ترى ميسون عبد الله أن أي تغيير حقيقي لن ينجح دونهن.

يسرا حسن تشير إلى أن التجربة منحت النساء وعيًا وتنظيمًا أكبر، سيظهر أثره في أي حراك قادم.

 

تكشف هذه الشهادات أن النساء لم يكنّ مجرد شاهدات على الثورة السودانية، بل كنّ من صانعاتها.

ورغم أن الطريق نحو الإنصاف السياسي لا يزال طويلًا، إلا أن ما تغيّر على مستوى الوعي والتجربة يصعب التراجع عنه.

في السودان، لم تعد المرأة مجرد “مشاركة” في التغيير.. بل أصبحت أحد شروطه الأساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *