منصة المجتمع المدني الديمقراطي-DCSP
الحياة أولاً: الهدنة الانسانية و مسار السلام العادل و المستدام في السودان
متطلبات القوى المدنية من أجل هدنة ذات مصداقية في السودان
ورقة موقف
ابريل 2026

عن منصة المجتمع المدني الديمقراطي- (DCSP)
منصة المجتمع المدني الديمقراطي، إطار مدني وطني عريض، متجذر في التقاليد العريقة للمجتمع المدني السوداني، ومتجدد في رؤيته، يجمع قادة وناشطين وناشطات من مختلف مكونات المجتمع المدني السوداني. تسعى المنصة للمساهمة في الانتقال من الحرب الى السلام، ومن الانقسام الى الوحدة، ومن السلطوية الى الديمقراطية، ومن الاقصاء الى التعددية والتنوع، ومن العمل المدني غير المنظم والمُسيس الى المهنية والموضوعية والقيم الجوهرية للمجتمع المدني. تؤمن المنصة بأهمية التنسيق والتكامل مع القوى السياسية والمهنية والنقابية والكيانات الديمقراطية الاخرى، وتظل ملتزمة بروح واهداف ثورة ديسمبر المجيدة في الحرية، السلام، والعدالة. وتواصل العمل نحو استعادة زخم الثورة والمضي قدما في طريق بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على القيم الانسانية النبيلة، السلام، المواطنة، المساواة، والديمقراطية.
الملخص التنفيذي
يواجه السودان واحدة من اشد الازمات الانسانية في العالم، الى جانب ارتفاع نسب النزوح الجماعي وانعدام الامن الغذائي، فان الحرب تسببت ايضا بالانهيار الواسع للخدمات العامة الاساسية. اصبح البقاء على قيد الحياة للملايين من المدنيين يعتمد بشكل متزايد على الوصول الى انظمة فاعلة في الوصول والحصول على الرعاية الصحية، والمياه، والزراعة، والكهرباء، والتعليم، وليس فقط على المعونات الانسانية.
يمثل مؤتمر برلين (15 ابريل/نيسان 2026) فرصة هامة للانتقال نحو اطار انساني عملي وراسخ سياسيا. اظهرت التجربة منذ ابريل/نيسان 2023 ان إجراءات الهدن المؤقتة المجردة من الدعم السياسي، والواقعية العملياتية، و اجراءات و ضمانات والتنفيذ قد فشلت في تحسين الاوضاع على الارض، بل زادت في بعض الاحيان من المخاطر على المدنيين والقائمين باعمال المساعدات في الخطوط الامامية.
في الوقت نفسه، تتطلب الواقعية السياسية نهجا اكثر عملية وبراغماتية. لذا، يجب صياغة الهدنة الانسانية كاطار تعاون مرن ومتدرج، قادر على البدء بترتيبات محدودة وممكنة، مع البناء نحو نتائج اكثر هيكلية واستدامة، جنبا الى جنب مع الجهود الدولية المبذولة لتطوير حوافز وهياكل محاسبة تخلق بيئة اكثر ملاءمة للتسوية.
وبهذا، تدعو منصة المجتمع المدني الديمقراطي الى التدابير ذات الاولوية التالية:
- توطين “الهدنة الانسانية ” ضمن عملية سياسية ذات مصداقية قابلة للتنفيذ، وربط التدابير الانسانية بمسار يهدف الى وقف دائم لاطلاق النار.
- ادماج وتوثيق وجهات نظر النساء والمجموعات المدنية المتنوعة بشكل منظم في تطوير الهدنة وعملية مراقبتها، وضمان الحد الادنى من مستويات التمثيل، وبصورة خاصة مشاركة الممثلات عن النساء في جميع هياكل الهدنة.
- اعتماد نهج متدرج وعملي للتنفيذ، يسمح بترتيبات تدريجية تركز على الجغرافيا والخدمات (الصحة، التعليم، وما اليهما) وليعمل بمثابة منهج لتدابير تؤدي لبناء الثقة والتعاون، لتتوسع بمرور الوقت.
- وضع استعادة وصيانة الخدمات الاساسية في قلب الهدنة، مع اعطاء الاولوية لانظمة الرعاية الصحية، والمياه، والكهرباء، والزراعة، والتعليم.
- ضمان وصول العون الانساني الفعال وغير المشروط، الى جميع المناطق المتضررة، والتعامل مع الممرات الانسانية بوصفها وسائل تتيح التوزيع المستمر للخدمات ولتحسين الاوضاع المعيشية للمدنيين.
- انشاء آلية تنسيق فعالة، تتمحور حول “لجنة عليا لتنسيق العمل الانساني”، وتضم اطراف الصراع، والجهات الدولية، والمجتمع المدني السوداني، بما في ذلك النساء، على ان يكون تركيزها على الاتصالات، الحلول العملية للمشاكل، والتعاون العملياتي.
- اعطاء الاولوية لحماية المدنيين والعاملين في المجال الانساني والبنية التحتية المدنية، مع ضمان توثيق الانتهاكات ومعالجتها، وعدم اتخاذ الترتيبات الانسانية كمطية تطبع الافلات من العقاب.
- تقديم المساعدة المباشرة عبر الجهات المحلية، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والمبادرات المجتمعية القاعدية، خاصة فيما يتعلق بدعم الانشطة الاقتصادية والاجتماعية الحيوية مثل التجارة والزراعة ورواتب العاملين الاساسيين واستمرار العملية التعليمية.
ازمة السودان: المسببات، التاثير، والاستجابة المجتمعية
يمر السودان بازمة انسانية حادة مع نزوح الملايين داخليا وخارجيا. حيث انهارت خدمات الصحة والتعليم والخدمات الاساسية، وتعطلت سلاسل توريد الاغذية، وارتفع التضخم، وعجزت شبكات الدعم الاجتماعي، مما ادى الى زيادة الفقر والمعاناة.
ان ازمة السودان الحالية هي نتيجة للصراع المسلح المستمر، وفشل المؤسسات العامة، والضائقة الاقتصادية، والقيادة المنقسمة من قبل سلطات الامر الواقع، والذي ادى بدوره الى عدم الاستقرار وانعدام اليقين للحياة اليومية للمدنيين. ان هذا التشظي في ادارة الحكم يعني عدم وجود انظمة موحدة لتوفير الخدمات الاساسية، مثل الخدمات الصحية والاتصالات والنظام المصرفي والتعليم، والماء والغذاء والكهرباء.
وتعكس الاحصاءات المروعة حجم حالة الطوارئ التي يعيشها السودان اليوم؛ حيث تقدر الامم المتحدة ان اكثر من 24.6 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الامن الغذائي، مع تاكيد الوصول لمرحلة المجاعة في الفاشر (شمال دارفور) وكادوقلي (جنوب كردفان)، ودخول اكثر من عشرين منطقة في دارفور وكردفان الى مرحلة الخطورة. وبحلول ديسمبر/كانون الاول 2025، افادت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) بنزوح من 12 الى 13 مليون شخص قسريا منذ بداية الصراع، بما فيهم نحو 9.5 مليون من النازحين داخليا، و3.5 مليون من اللاجئين بدول الجوار، مما جعل المنظمة الدولية للهجرة توصف السودان بانه يواجه اكبر ازمة نزوح عالميا، خاصة في ظل تزايد تلك الاعداد كلما اشتد القتال لا سيما في مناطق دارفور وكردفان وفي النيل الازرق.
ادى انعدام الامن والتوظيف السياسي للمساعدات من قبل اطراف الصراع الى اعاقة العمل الانساني بشكل كبير. كما عطّلت الهجمات على قوافل الاغاثة ايصال المساعدات مما حرم الكثير من الاسر من الدعم الضروري. وصعّب استهداف العاملين في مجال المساعدات الانسانية من الوصول الى من هم اشد حاجة للمساعدات الانسانية. وفي ظل غياب دعم الدولة الرسمي، فقد استنفرت المجتمعات المحلية لمعالجة الاحتياجات العاجلة عبر انشاء العيادات المؤقتة والشبكات الاهلية لتوزيع الاغاثة الطارئة. ورغم التحديات الجسيمة التي تواجهها المنظمات القاعدية، فقد لعبت ادوارا حيوية في الغوث ومساعدة المدنيين في التعامل مع الكارثة الانسانية.
مؤتمر برلين: دفع الحلول الانسانية والسياسية للسودان
في ظل المشهد الانساني الذي يمر به السودان، يمثل مؤتمر برلين الدولي بشان السودان (15 ابريل /نيسان 2026) فرصة عظيمة لتقديم استراتيجية منسقة وقابلة للتنفيذ لهدنة انسانية تربط الاستجابة الانسانية بالعملية السياسية، والوصول العملياتي، وتعزيز ادوار النظم المحلية. فبينما تظل التدابير اللوجستية في سياق الهدنة الانسانية (مثل الممرات الانسانية) قضية مهمة، الا انه يجب اعطاء اولوية متساوية لاستعادة وصيانة الخدمات العامة الاساسية في مناطق السيطرة والنفوذ، لا سيما في مجالات الصحة والمياه والكهرباء والتعليم، والتي لا غنى عنها في حماية المدنيين وتماسكهم انقاذ وسائل عيشهم.
لقد ساعد مؤتمر واشنطن (3 فبراير/شباط 2026) في اعادة حشد الاهتمام الدولي، وتامين تعهدات تقترب من 1.5 مليار دولار امريكي، ودفع اطار سلام مقترح مدعوم من “الرباعية” (الولايات المتحدة الامريكية، المملكة العربية السعودية، جمهورية مصر العربية ودولة الامارات العربية المتحدة). ومع ذلك، فان زيادة التمويل وحدها لن تقود الى اثر ملموس. ان ما هو ممكن في اي مرحلة من مراحل العمل الانساني سيتشكل في نهاية المطاف من خلال وجود افق و مسار يؤدي لعملية سياسية ذات مصداقية . وفي ظل غياب تقدم سياسي موازٍ، فمن غير المرجح ان تؤمن الترتيبات الانسانية – حتى لو كانت سليمة فنيا – تعاونا مستداما من اطراف النزاع. لذلك، يجب على مؤتمر برلين اعطاء الاولوية لتامين هدنة انسانية شاملة وقابلة للتنفيذ تتيح الاتي:
- استعادة وصيانة الخدمات الاساسية، بما في ذلك دعم المرافق الصحية، وانظمة المياه، والانتاج الزراعي، وشبكات الكهرباء، وهياكل التعليم.
- ضمان وصول الغوث الانساني المستدام، بما في ذلك فتح الممرات وتنسيق الدعم عبر الحدود ومساعدة اللاجئين.
- تنفيذ اليات مراقبة ومساءلة مستقلة وقوية.
- حماية المدنيين والعاملين في المجال الانساني.
- الحفاظ على حياد المساعدات وعزلها عن اليات الصراع.
- دعم الفاعلين المحليين في الاستجابة بشكل مباشر.
أيضا من المهم ان يؤدي مؤتمر برلين للتعامل مع الهدنة الإنسانية باعتبارها منصة للانتقال التدريجي من عملية لادارة الازمة في وضعها الحالي، الى خارطة طريق واضحة تؤدي الى خفض التصعيد، ومن ثم في النهاية تؤدي الى معالجة الصراع الجاري بصورة نهائية. فينبغي ان تؤدي الهدنة الانسانية الى تسهل تقديم المساعدات و خلق مساحة تتيح التواصل والتعاون العملي بين مختلف الاطراف لاستدامة الخدمات الاساسية والحياة الاقتصادية، بما في ذلك الانتاج الزراعي، والتدفقات التجارية، ودفع رواتب العاملين في الصحة والمعلمين، واستمرار نظم الامتحانات والقبول للطلاب على المستوى القومي متجاوزة لخطوط النار بين الاطراف المتحاربة.
ونظرا للطبيعة الموسمية لعمليات الزراعة في السودان، فان توقيتات ومصداقية الهدنة الانسانية سيحددان بشكل مباشر ما اذا كانت المجتمعات قادرة على التحضير للزراعة واكمال الحصاد. ان الفشل في حماية الدورات الزراعية يهدد بتثبيت ظروف المجاعة بغض النظر عن مستويات التمويل الانساني التي سيحصل عليها المؤتمر، بينما قد يؤدي تامين الزراعة والحصاد في المواقيت المعلومة الى مكاسب فورية ومستقبلية وملموسة في الامن الغذائي وقدرة السكان على الصمود.
فمن المهم ربط الترتيبات الانسانية بمسار سياسي واضح. فبدون خارطة طريق ذات مصداقية لوقف دائم لاطلاق النار، ستظل اي ترتيبات الانسانية هشة وقابلة للانهيار. كما يجب، في هذا الاطار، ان يتضمن اي اطار للاتفاق الانساني جدولاً زمنياً ملزماً للهدنة الانسانية مع مراقبة فعالة ومشاركة حقيقة للفاعلين المدنيين من السودانيين في عمليات المراقبة.
وبالتوازي مع ذلك، فان تصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق اخرى من العالم، مثلما يحدث حاليا في الخليج وايران، يهدد بصرف الانتباه والموارد الدولية. فقد اثبتت ازمة السودان مرارا تعرضها للتهميش بسبب النزاعات العالمية الناشئة؛ لذا يجب على مؤتمر برلين اعادة التاكيد على السودان كاولوية دولية قائمة بذاتها وضمان عدم اضعاف الالتزام تجاه الشعب السوداني بسبب المستجدات الجيوسياسية.
لماذا تتطلب الهدنة نهجا مختلفا هذه المرة ؟
تعكس هذه الورقة وجهة نظر منصة المجتمع المدني الديمقراطي بشان الهدنة المقترحة للاغراض الانسانية، حيث تمثل المنصة شريحة عريضة من المجتمع المدني السوداني. حيث لا يمكن لهؤلاء الفاعلين المدنيين رؤية التطورات الحالية بمعزل عن التجربة القاسية التي مر بها المجتمع المدني السوداني، بما في ذلك العاملون في مجال العمل الانساني، منذ اندلاع الحرب في 15 ابريل/نيسان 2023.
فقد شهدت الاسابيع الاولى من النزاع (ابريل/نيسان – مايو/ايار 2023) سلسلة من اعلانات وقف اطلاق النار؛ بدات بـ 24 ساعة في 18 ابريل/نيسان، تلتها هدنة لمدة 72 ساعة في 21 ابريل/نيسان، ثم عدة اتفاقات اخرى قبل اعلان جدة في 11 مايو/ايار. فقد ادت كل تلك الهدن المؤقتة الى ترتيبات هشة استغلت الى حد كبير لتعزيز السيطرة العسكرية وتجديد القوات واعادة تموضعها. كما افتقرت تلك الهدن الى التزام سياسي حقيقي من اطراف الحرب، وحولت العمل الانساني في كثير من الاحيان الى اداة للمساومة واساسا لتبادل الاتهامات بين الاطراف المتحاربة.
لماذا فشلت محاولات الهدن السابقة؟
- غياب المراقبة الميدانية الفعالة.
- ضعف الارادة السياسية وعدم وضوح العواقب المترتبة على ارتكاب الانتهاكات.
- السعي المستمر باستغلال الهدن لتحقيق مكاسب عسكرية من كلا الجانبين.
بالنسبة للعاملين في المساعدات في الخطوط الامامية، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني وغرف الطوارئ والمتطوعين، فلم تمثل الهدن السابقة فترات امان لعملهم الطوعي، بل تحولت في مناسبات عديدة الى لحظات خطر متزايد. ان محاولات العاملين في المجال الانساني لتوسيع انشطتهم والعمل بشكل اكثر وضوحا – بناءً على افتراض ان تراجع الاعمال العدائية سيخلق بيئة امنة – قوبلت غالبا بالمضايقات، واتهامات بالتعاون والتبعية، والاعتقالات، وفي بعض الحالات الموثقة، عواقب قادت الى الموت (كما لوحظ في ام درمان وحي الشجرة بالخرطوم).
ومن منظور منصة المجتمع المدني الديمقراطي، فان تجارب الهدن الانسانية السابقة تؤكد ضرورة الربط المحكم لاي هدنة مستقبلية بـتدابير صريحة وقوية للحماية، وبضمانات قابلة للتنفيذ، وانظمة مراقبة قوية، واليات ادارة تضمن ترجمة تراجع العنف الى سلامة حقيقية لمن يقدمون المساعدات المنقذة للحياة.
نحو هدنة ذات مصداقية وقابلة للاستمرار
تظهر التجارب من النزاعات المسلحة بشكل عام، ومن حروب السودان السابقة والحرب الحالية المستمرة لثلاث سنوات حتي الان، ان الهدن المحلية المعزولة التي تهدف فقط لوقف العنف نادرا ما تنتج تغييرا حقيقيا ما لم تُصمم كجزء من عملية متكاملة لانهاء الحرب.
تقدم تجربتا سوريا في 2014 و2016 امثلة واضحة لمدى فشل الهدن المؤقتة التي خفضت العنف الى مستوى “مقبول” سياسيا بينما مكنت اعادة تموضع القوات دون تقديم تنازلات سياسية حقيقية. في كثير من الحالات، كانت ترتيبات سوريا بمثابة وقف اطلاق نار فُرض على قوى المعارضة والسكان المحليين بعد حصار طويل وتكتيكات تجويع، وكان اثرها الانساني محدودا ومؤقتا.
في المقابل، تضمنت مفاوضات السلام في كولومبيا عام 2016 هدنة انسانية علقت الاعمال العدائية في مناطق محددة للسماح للمدنيين بالوصول الى الرعاية الصحية والتعليم. تمت مراقبة الهدنة من قبل مراقبين دوليين ومجموعات المجتمع المدني المحلي، مما ادى لافتتاح العيادات والمدارس في مناطق كانت معزولة سابقا، ومهد الطريق لاتفاق السلام التاريخي. اظهر هذا النموذج ان الالتزامات السياسية الصريحة، المقترنة بمراقبة قوية ومشاركة المجتمع المدني، يمكن ان تحقق تحسنا ملموسا.
لهذا السبب، تامل منصة المجتمع المدني الديمقراطي ان تكون اي هدنة قادمة ذات مصداقية وقادرة على المساهمة في وقف اطلاق نار يؤدي في النهاية الى سلام مستدام. وفي هذا الصدد، يجب اعتبار ان مفهوم “الهدنة الانسانية” لا يمثل وقفا مؤقتا للقتال فحسب بل كاطار تعاون انساني اوسع يتضمن التزامات عملياتية ايجابية من الاطراف لحماية المدنيين، واستدامة الخدمات الاساسية، وتمكين التنسيق العملي في القضايا التي تمس حياة المدنيين.
وبناءً على تجارب متنوعة (بما في ذلك اتفاق جبال النوبة 2002، واتفاق كولومبيا 2016، وترتيبات غزة الاخيرة)، تشير الادلة الى ان الاتفاقات التي تتضمن اكبر عدد ممكن من العناصر التالية، وبادق التفاصيل العملياتية، هي الاكثر عرضة للنجاح:
- تعريفا واضحا عملياتيا وتنفيذيا للهدنة: يشمل النطاق الجغرافي، التوقيت، وصيغ دخولها حيز التنفيذ، وتعريفا دقيقا للانتهاكات، مدعوما باليات مراقبة وتحقق متفق عليها واستخدام خرائط وجداول زمنية واضحة.
- فض اشتباك القوات وانشاء مناطق عازلة: عبر فصل القوات على طول خطوط المواجهة النشطة لتقليل الاحتكاك التكتيكي المباشر والحد من مخاطر التصعيد.
- الممرات الانسانية والمناطق الامنه المحددة: انشاء ممرات اغاثة وطرق وصول محددة بوضوح لتسهيل تسليم المساعدات بشكل امن ومستدام، الى جانب تحديد مناطق مخصصة للنازحين .
- اشراك الفاعلين المدنيين وتوفير الخدمات العامة والحيوية: يجب ان تشارك في الهدنة وبفاعلية منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في التنفيذ والاشراف لتعزيز الشفافية وضمان تلبية احتياجات السكان المتاثرين بالازمة. كما سيقوم الفاعلون المدنيون بالمساهمة في تعزيز تدابير الثقة مما سيزيد من مصداقية ترتيبات الهدنة وشمولها واستمراريتها. كما يجب ان تعطي الهدنة الاولوية لاستعادة واستمرار الخدمات الاساسية (الصحة، التعليم، المياه، الكهرباء) وتشمل صراحة حماية الانشطة الزراعية (تحضير الارض، والبذور، والري، والرعي، والحصاد) المرتبطة بجداول زمنية وحساسة جدا لانعدام الامن.وذات اهمية قصوى للامن الغذائي وللاقتصاد المحلي لا سيما في الاماكن لم يكن الوصول اليها متاحا.
اطار التوصيات: اولويات المجتمع المدني لدعم هدنة ذات مصداقية
بناءً على رؤية منصة المجتمع المدني الديمقراطي، تقترح هذه ورقة الموقف والمناصرة هذه اطارا واسع من التوصيات المرتكزة على تجربة السودان وواقع العمل والتخطيط الانساني الحالي:
اولا: تحويل الهدنة من اعلان سياسي الى التزام رسمي
- اضفاء طابع قانوني اقليمي ودولي على الهدنة عبر قرارات من مجلس السلم والامن الافريقي (AUPSC) و/او مجلس الامن التابع للامم المتحدة (UNSC) لانشاء هيكل متابعة وتقييم ومحاسبة لا يمكن للاطراف تجاهله. كما يمكن اتخاذ تدابير دبلوماسية اخرى مثل انشاء مجموعة اتصال من دول وهيئات اممية لتعزيز اطار المحاسبة.
- توصي منصة المجتمع المدني الديمقراطي الفاعلين الخارجيين بربط اي دعم سياسي او انساني للاطراف المتحاربة بقبول هدنة انسانية متجددة ومحددة زمنيا.
ثانيا: ضمان وصول انساني غير مشروط
- فتح جميع الممرات الانسانية المتفق عليها (برا وجوا وبحرا ونهرا) للمناطق المتضررة بشدة مثل الفاشر وكادقلي، بغض النظر عن الطرف المسيطر على المنطقة. ويجب التعامل مع الممرات الانسانية كادوات تمكين لتعمل تدريجيا على الاستعادة الكاملة للخدمات الاساسية من رعاية صحية، ومياه، وشبكات كهرباء، وتعليم.
- استخلاص الدروس من تجارب حروب السودان السابقة، خاصة تجربة جبال النوبة 2002 و”ترتيبات دانفورث التجريبية الاربعة”؛ حيث ينجح التقدم في الهدنات دائما عندما: (1) تُجزا الاتفاقات لخطوات تدريجية قابلة للاختبار، وليس اتفاقات فضفاضة غير قابلة للتنفيذ (2) تُنفذ ترتيبات تجريبية في مناطق ذات احتياج عالٍ لبناء الثقة وتظهر النجاح، (3) وجود اليات مراقبة دولية للتحقق، (4) تكون العمليات شاملة للفاعلين المدنيين والمكونات المحلية، وتجنب المشاركة الصفوية المحدودة. المحليين. وبالرغم من اهمية شمول الهدنة الانسانية على كافة المناطق المتضررة او المؤهلة للتاثر بالحرب، من المهم اعتماد منهج متمرحل يبدا بالمناطق الحرجة او ذات المخاطر العالية- كدارفور وكردفان- وذلك قبل توسع الهدنة تدريجيا وفقا لمحطات اداء واضحة ومعرفة.
ثالثا: هيكل الادارة والمراقبة للهدنة الانسانية
- تشكيل لجنة عليا لتنسيق العمل الانساني (HHCC): تضم ممثلي دول الرباعية، اطراف الصراع، مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية (OCHA)، ائتلاف المنظمات الدولية (بما في ذلك الصليب الاحمر)، وفاعلي المجتمع المدني السوداني، خاصة المبادرات القاعدية (بما في ذلك ممثلي غرف الطوارئ).
- تتولى اللجنة الاشراف على تنفيذ الهدنة عبر هيكل تنسيق متعدد المستويات يضمن ايصال المساعدات وحماية المدنيين وادارة النزاعات المحلية.
- تضمن اللجنة ادماج وجهات نظر النساء والمجموعات المدنية المتنوعة خلال عملية تنفيذ ومراقبة الهدنة الانسانية. ويتضمن ذلك تحديد نسب تمثيل دنيا في هياكل الادارة والمراقبة والتنسيق، فضلا عن وضع اجراءات واضحة لضمان ادماج نتائج عملية المشاورات مع هذه المجموعات ضمن عملية صناعة القرارات الخاصة بايصال المساعدات وحماية المدنيين واولويات تقديم الخدمات.
- تنشئ اللجنة الانسانية العليا على المستوى التنفيذي لجان عمل انساني محلية (LHCs) لتنسيق المساعدات عبر نظام القطاعات الانسانية (الصحة، الغذاء، التغذية الخ)، تتيح الادارة والمتابعة اليومية وعلى مدار الساعة للهدنة. ويتم دعم لجان العمل الانساني المحلية بالمعارف اللازمة وبناء قدراتها بالقانون والمبادئ الانسانية، وبعمل المراقبة والتنسيق.
- تقوم اللجنة العليا بانشاء لجان محلية لخفض التصعيد (LDCs): وهي هيئات يقودها مدنيون تركز على الانذار المبكر، والحوار المجتمعي، وبناء السلام، والتماسك الاجتماعي، وحماية المدنيين، وتعمل بالتنسيق مع لجان العمل الانساني وبالاتصال المباشر مع الهياكل العليا.
- تضطلع اللجنة الانسانية العليا بمهمة تحديد الممرات الانسانية وتامينها، بما في ذلك مسارات العبور عبر الحدود، والتنسيق مع الجهات الفاعلة الوطنية والدولية لضمان وصول المساعدات بصورة امنة وفي الوقت المناسب ودون عوائق. ويشمل ذلك التخطيط اللوجستي كمواقع التخزين ونقاط الوصول البري والجوي ومسارات الاخلاء في المناطق عالية المخاطر.
- تشرف اللجنة العليا على اليات جمع البيانات والرصد واعداد التقارير المتعلقة بتوزيع المساعدات وانتهاكات حقوق الانسان و العنف الجنسي المتعلق بالنزاع والعنف القائم على النوع الاجتماعي، مع ضمان السرية التامة واعتماد مقاربات تضع الناجين في صميم الاستجابة.
- تطوير اليات تسهيل مثل نظام “المسارات السريعة” لازالة العوائق البيروقراطية والادارية امام العمليات الانسانية.
- تقوم اللجنة العليا بوضع برامج لبناء القدرات على تدريب كافة اعضاء اللجان في مجالات الحساسية تجاه النزاعات، والمبادئ الانسانية، واليات الرصد واعداد التقارير، ومهارات التنسيق، مع تعزيز قدرتهم على دعم الناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع. وينبغي لهذه الجهود ان تعزز مناهج الرصد والتحقق المراعية للنوع الاجتماعي، بما يكفل جمع المعلومات بصورة منهجية من شرائح متنوعة من السكان، بما فيها النساء، وانعكاس ذلك في عمليات المساءلة والتنفيذ على المستوى المحلي.
- يتراس اللجنة العليا لتنسيق العمل الانساني شخصية دولية مستقلة مرموقة، وتضم في عضويتها خبراء انسانيين سودانيين مشهود لهم(ن) بالاستقامة لتعزيز الشرعية والملكية الوطنية.
رابعا: حماية المدنيين وحقوق الانسان كجوهر للهدنة
- حماية المدنيين واحترام حقوق الانسان ليست اعتبارات ثانوية بل ركائز اساسية في الهدنة الانسانية.
- تحديد مناطق بعينها مستهدفة بخفض التصعيد (خاصة في جنوب كردفان وشمال دارفور) مع حظر استهداف البنية التحتية، الاراضي الزراعية، مخازن الغذاء، والتحقيق الفوري في الانتهاكات، خاصة العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
خامسا: ادماج برنامج استعادة الخدمات الاساسية كمكون رئيسي للهدنة
- تُولي الهدنة الانسانية الاولوية لاستعادة الخدمات الاساسية وتنشيطها في كافة ارجاء السودان كمكون رئيس في الهدنة، وتشمل: الرعاية الصحية، والتعليم، وامدادات المياه، والغذاء، والكهرباء، والانتاج الزراعي وسبل العيش الموسمية، وسلاسل الامداد الضرورية، وذلك دون تمييز جغرافي او سياسي، وبما يستوعب السكان العائدين واللاجئين الراغبين في العودة الطوعية. وفي كثير من مناطق السودان، يتوقف صمود المدنيين وقدرتهم على الحياة على استمرار عمل المنظومات الاساسية والخدمات العامة، اكثر من اعتمادهم على المساعدات الانسانية قصيرة الامد.
- وعليه، توصي منصة المجتمع المدني الديمقراطي بانشاء “برنامج وطني لدعم الخدمات الاساسية” مرتبط بالهدنة ومموَّل مباشرةً من خلال تعهدات المانحين. ويعمل البرنامج بالتوازي مع جهود الاستجابة الانسانية الطارئة، حيث يستهدف البرنامج تحقيق ما يلي:
o استعادة الحد الادنى من البنية التحتية الحيوية وصيانتها وتامين استمرارها.
o توفير دعم مؤقت لرواتب الموظفين الاساسيين في مجالات البنية التحتية والخدمات الاساسية.
o دعم الانشطة الزراعية المرتبطة بمواقيت الدورة الزراعية، بما فيها تحضير الاراضي، وتوفير البذور والمعدات، وصيانة شبكات الري، وضوابط وتعزيز حركة الماشية، وتسهيل وحماية عمليات الحصاد.
o منع الانهيار الكامل لنظم التعليم والصحة.
o تخفيف الضغوط على المجتمعات المستضيفة ومجموعات النازحين
- يجب ان يدعم اتفاق الهدنة صراحة على اعادة تاهيل المستشفيات والمدارس ومرافق المياه، وضمان العودة الامنة للكوادر الطبية والتعليمية والخدمية.
- ينبغي ان يُتيح اطار اتفاق الهدنة مجالا للتعاون المنظم والعملي بين اطراف الحرب في مجال الحفاظ على الوظائف الاقتصادية والاجتماعية الاساسية التي تقوم عليها حياة المدنيين. ويشمل ذلك تيسير تدفقات التجارة وسلاسل الامداد، ودعم دورات الانتاج الزراعي، وتمكين صرف رواتب العاملين في قطاعي الصحة والتعليم، وضمان استمرارية انظمة الامتحانات الوطنية والاعتماد الاكاديمي للطلاب عبر خطوط التماس.
- ان تاطير الهدنة بهذه الصورة المتكاملة—بوصفها منصةً للحفاظ على الخدمات الاساسية والاستقرار الاقتصادي—من شانه ايضا ان يعزز جدواها السياسية، اذ ينسجم مع مصالح الاطراف في صون حد ادنى من الحوكمة والاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مع توفير مكاسب ملموسة وفورية للمدنيين.
سادسا: الاعتراف بالفاعلين المدنيين كشركاء
- اشراك منظمات المجتمع المدني، غرف الطوارئ، المبادرات المحلية (مثل التكايا)، مجموعات الشباب والنساء، وجمعيات اللاجئين والعائدين في كافة عمليات التخطيط والمراقبة المتعلقة بالهدنة.
- تشجيع المانحين على تقديم دعم مباشر وهيكلي للمبادرات المحلية مع توفير حماية سياسية وامنية لهؤلاء الفاعلين.
سابعا: منع تطبيع مسالة الافلات من العقاب
- يجب الا تمنح الهدنة الانسانية حصانة سياسية او قانونية مطلقة.
- استمرار اليات التحقيق الدولية وتوثيق الانتهاكات بالتوازي مع اي ترتيبات لوقف اطلاق النار.
- رفض اي نهج يترك الهدنة في حالة تعليق دائم دون مسار واضح نحو انهاء شامل للحرب وانتقال سياسي.
الخاتمة
يقف السودان عند مفترق طرق حاسم. حيث تمثل الفترة التي تلي مؤتمري واشنطن وبرلين نافذة ضيقة ومحدودة زمنيا يمكن فيها للمجتمع الدولي والفاعلين الاقليميين والسودانيين الانتقال من الافعال الرمزية نحو هدنة انسانية جادة تحقق حماية واغاثة ملموسة للمدنيين. لقد اثبتت التجربة منذ ابريل/نيسان 2023 ان وقف اطلاق النار الذي يفتقر للركيزة السياسية والمراقبة ذات المصداقية والضمانات العملياتية والتنفيذية لا ينقذ الارواح، بل قد يزيد من المخاطر التي يواجهها المدنيين والعاملين في الخطوط الامامية من العمل الانساني. فالحصول على التمويل الانساني وحده، مهما بلغ حجمه، لن يُفضي الى اثر حقيقي ما لم يترافق مع التزامات قوية ومتماسكة وقابلة للتنفيذ، ووصول مستدام، ومساءلة فعّالة.
لذا، ينبغي تصوُّر الهدنة الانسانية الجديرة بالمصداقية لا بوصفها توقفا مؤقتا عن القتال فحسب، بل بوصفها اطارا انسانيا منظما للتعاون الانساني يُولي الاولوية لحماية المدنيين، واستعادة الخدمات الاساسية، والتنسيق العملي عبر خطوط المواجهة بين اطراف الحرب. ومن خلال ايلاء الاولوية للرعاية الصحية والمياه والكهرباء والتعليم وسبل العيش، وصون المواسم الزراعية ودورات الحصاد—وهو امر بالغ الاثر بالقدر ذاته، اذ دونه ستظل مخاطر المجاعة قائمةً بصرف النظر عن اعلانات وقف اطلاق النار او تعهدات تمويل المؤتمرات الدولية. ان بامكان الهدنة الانسانية ان تعالج المحددات الجوهرية لصمود المدنيين وقدرتهم على الاستمرار، مع توفير حوافز للامتثال من خلال تحسينات ملموسة في ظروف المعيشة. وفي الوقت ذاته، يجب ان تظل الترتيبات الانسانية بمناى تماما عن التوظيف السياسي، وان تُرسّخ مبدا حياد المساعدات، وان تتجنب الاسهام—بصورة مباشرة او غير مباشرة—في تطبيع الافلات من العقاب.
في الختام، لا يمكن للهدنة الانسانية ان تكون بديلا لانهاء الحرب. ان مصداقيتها واستدامتها تعتمد على كونها جزءا من عملية سياسية اوسع يقودها المدنيون تهدف لوقف دائم لاطلاق النار وانتقال عادل. تامل منصة المجتمع المدني الديمقراطي ان تكون الهدنة الانسانية، وفق هذا المنهج، مدخلا لاعادة بناء الثقة، والحفاظ على وحدة السودان، والتاكيد على ان المدنيين ليسوا مجرد متلقين سلبيين للمعونة، بل هم فاعلون اساسيون في تشكيل مستقبل سلمي وديمقراطي للبلاد.