تقرير (هيومن رايتس ووتش)
فصول من الروايات المرعبة لممارسات “الخلية الأمنية”
استعراض: (ديسمبر)
قدم التقرير الذي أعدته وأصدرته (هيومن رايتس ووتش) في أواخر الأسبوع الماضي، من هذا الشهر، صورة مرعبة لبعض ممارسات ما تعرف باسم “الخلية الأمنية” في معتقلاتها في مناطق سيطرة الجيش. وتضمن التقرير شهادات مهمة لما يدور داخل تلك المعتقلات، وتقوم (ديسمبر) بتقديم ملخص لأهم ما ورد في تلك الوثيقة المهمة. وحدثت تلك الوقائع في أجزاء من أم درمان وجنوب الخرطوم بعد استعادة السيطرة عليها في مارس 2025م، ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر والقضارف وولاية الجزيرة بعد سيطرة الجيش عليها.
يكمل هذا التقرير ما أوردته تقارير أخرى سابقة تناولت بعضاً مما يدور في المعتقلات، أبرزها ما نشرته صحيفة (ديسمبر) في العددين (15) و(16) الصادرين يومي الخميس 14 و21 أغسطس 2025م وعلى مدار حلقتين، حول معتقل جبل سركاب بأم درمان الذي يديره جهاز الأمن والمخابرات.
تشكيل “الخلية”
حسب الإفادات الواردة بالتقرير فإن مجموعة بتشكيل متعدد يطلق عليها “الخلية الأمنية” هي المتورطة في عمليات الاحتجاز غير القانوني. تتكون تلك الخلية الأمنية بشكل أساسي من عناصر جهازي المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية، مع مشاركة عناصر لمليشيا “البراء بن مالك” والتي باتت مشمولة بتصنيف الجماعات الإرهابية الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، وفي بعض الأحيان تتم الاستعانة ببعض منسوبي الشرطة في أنشطة وأعمال “الخلية الأمنية”.
أشار التقرير إلى أن إنشاء الخلايا الأمنية تم بواسطة ولاة الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش، حيث أعلن والي ولاية الخرطوم التابع لسلطة بورتسودان أحمد عثمان حمزة في مايو 2024م “حالة الطوارئ بالولاية وتشكيل خلية أمنية بموجب هذه الإجراءات تتولى تجميع المعلومات وتنفيذ المداهمات واحتجاز الأشخاص المشتبه في تهديدهم للأمن”، وطبقاً للتقرير “فإن هذا الإعلان لم يوضح الأساس القانوني الذي ستعمل بموجبه هذه الخلايا، أو أي قيود قانونية مثل الامتثال لقانون حقوق الإنسان، بما في ذلك الإجراءات القانونية الواجبة”. وعند سؤال المنظمة لمكتب النائب العام الحالية لسلطة بورتسودان انتصار أحمد عبدالعال حول هذا الأمر ردت بالقول: “إن الخلايا الأمنية تم تشكيلها من قبل ولاة الولايات بناءً على قوانين الطوارئ”.
تفاصيل مداهمة
طبقاً لعدد من الإفادات الموثقة فإن الاعتقالات غير القانونية التي قامت بها الخلايا الأمنية والقوات الأخرى تمت في مساكن استُخدمت كمرافق احتجاز مؤقتة. وقال آخرون إنهم احتجزوا في مواقع عسكرية رسمية، وهو ما نفته النائب العام لسلطة بورتسودان، مستشهدة بالقانون وزاعمة وجود انحياز ضد الجيش، إلا أن بعض من تمت مقابلتهم أشاروا لتنقل المحتجزين بين مبانٍ تسيطر عليها قوات أمنية مختلفة، وهو ما جعل من الصعب على العائلات والمحامين تتبع أماكن وجودهم.
تحدث ضابط شرطة تم تنسيبه للخلية الأمنية لأم درمان لـ(هيومن رايتس ووتش) تفاصيل تنفيذ الخلية الأمنية في أبريل 2025م القبض على امرأة متهمة بالتعاون مع الدعم السريع، حيث تحركوا في ثلاث مركبات بوكس إلى منزلها، واقتحم رجلان مسلحان من كتيبة البراء بن مالك المنزل وسرعان ما أخرجوا تلك المرأة نصف عارية، وكانوا يضربونها ويصفعونها على وجهها قبل أن يلقوا بها في مؤخرة إحدى العربات.
واقعة شهيد العزازي
سرد التقرير شهادة من شاهد عيان حول ملابسات استشهاد الأستاذ صلاح الطيب موسى، رئيس فرعية حزب المؤتمر السوداني بمحلية القرشي، وهو محامٍ وفاعل سياسي، والذي تم اعتقاله في 17 أبريل 2024م واستشهد في 9 مايو بعد 22 يوماً من الاعتقال. وطبقاً لشاهد العيان الذي تحدث لـ(هيومن رايتس واتش) وكان في ذات الزنزانة التي احتجز فيها الأستاذ صلاح الطيب والموجودة في إحدى مدارس المنطقة، وأفاد ذلك الشاهد بأنه رأى عناصر الاستخبارات يضربون الطيب ويستجوبونه بشأن نشاطه السياسي وأضاف: “رأيته يُضرَب لفترة طويلة، ثم نُقل إلى غرفة منفصلة.. قام ضباط بضربه من العاشرة ليلاً وحتى منتصف الليل، سمعت صراخه ولكن توقفت صرخاته بعد منتصف الليل”. ولاحقاً تم إبلاغ أسرته بوفاته في الحجز. وبعد تزايد الإدانات المحلية والدولية قامت سلطة بورتسودان بتقديم المتهمين للمحاكمة.
رفض وإثبات
أوردت (هيومن رايتس ووتش) أن النائب العام لسلطة بورتسودان رفضت مزاعم وجود وفيات في الحجز نتيجة سوء المعاملة أو التعذيب، لكنها في ذات الوقت أقرت بحالة وفاة رئيس فرعية المؤتمر السوداني بمحلية القرشي، وذكرت أن الحصانة رفعت عن الجناة وقدموا للمحاكمة ومن بنيهم ضابطان.
لكن أحد شهود العيان القاطنين بمنطقة شرق النيل بالخرطوم أبلغ المنظمة باحتجازه من قبل أعضاء بالخلية الأمنية في أبريل 2025م بعد استعادة الجيش السيطرة على المنطقة، مبيناً أنه شاهد أحد المحتجزين يتعرض للضرب المبرح في أحد مرافق الاستخبارات العسكرية بشرق الخرطوم، وأضاف: “كان فاقداً للوعي. كان ينزف من ظهره ورأسه. في ذلك اليوم، زار المكان رائد أو ضابط رفيع المستوى. قام الجنود والضباط بحبس الرجل المحتجز في الحمام وأمروه بألا يصدر أي صوت حتى انتهاء الزيارة. وعندما فتحوا الحمام بعد بضع ساعات، كان في حالة سيئة. تُوفي في الصباح”!!.
نقل ذات التقرير عن امرأة من المساليت جرى اعتقالها وزوجها حينما كانا يستقلان حافلة من شمال السودان إلى الخرطوم في أبريل 2024م بعد توقيفهما بالولاية الشمالية، حيث تم اقتيادهما إلى مقر قيادة الفرقة (19) بمروي، قولها بأنها تم إطلاق سراحها في نفس اليوم وغادرت لمصر وظل زوجها معتقلاً، وبعد عودتها للبلاد في أبريل 2025م أبلغها جنود يعملون في القاعدة العسكرية أن زوجها توفي أثناء الاعتقال.
المصير المجهول
توجد ممارسة ثانية لا يتم فيها الإفصاح الكامل عن المعتقل، فلا يتم إعلان وفاته رسمياً أو بشكل غير رسمي ويبقى مصيره مجهولاً ومتكتَّماً عليه. وفي هذا السياق ينقل التقرير عن شخصين قولهما إن قوات المخابرات احتجزت أقارب لهما ورفضت الإقرار بالاحتجاز أو تقديم أي معلومات عن مكان وجودهم أو وضعهم، مما يشكل حالات اختفاء قسري.
في ذات السياق ذكر أحد الرجال أنه عجز عن العثور على شقيقه البالغ من العمر 27 عاماً، الذي فر من الخرطوم صوب مدينة عطبرة بولاية نهر النيل في يناير 2025م. وأشار إلى أنهم بعد أيام من البحث علموا من أحد الضباط أن شقيقه المفقود “تم اعتقاله في إحدى نقاط التفتيش التي تسيطر عليها الاستخبارات العسكرية وتم اتهامه بالعمل كجاسوس للدعم السريع”. وأضاف: “أخبرتنا الاستخبارات العسكرية أن شقيقي عندهم وسيُنقل قريباً إلى الشرطة. وبعد أيام، أنكرت الاستخبارات العسكرية أنه لديها. لم نسمع أي شيء بعد ذلك. نحن نخشى الأسوأ”. وطبقاً للتقرير فإنه حتى يناير الماضي من هذا العام “فيبدو أن الأخ ما زال محتجزاً، لكن السلطات لم تؤكد ذلك، ولم تقدم أي معلومات لعائلته أو لمحاميه عن مكان وجوده أو مصيره”.
قدم شاهد آخر إفادته للمنظمة في يوليو 2025م ومفادها احتجاز والده بواسطة الجيش وقوات الأمن “الخلية الأمنية” في 14 يناير 2025م في عاصمة ولاية الجزيرة (مدني)، بعد استعادة الجيش السيطرة عليها دون أن يتلقوا أي معلومات حول سبب ومكان احتجازه. وأشار لمعرفتهم لاحقاً باعتقاله بواسطة الخلية الأمنية بناءً على معلومة من أحد المعارف، مبيناً أن والده شوهد في أحد مكاتب جهاز المخابرات في بلدة مجاورة لمدني ونقل بعدها للمستشفى، حيث علمت أسرته بإصابته بعدوى في الكلي بسبب ظروف الاحتجاز، كما تم نقله لمرفق اعتقال آخر بمدني في 26 مايو 2025م. وأشار التقرير إلى أنه حتي تاريخ إجراء المقابلة في يوليو 2025م فإن الأسرة لم تكن تمتلك أي معلومات مؤكدة عن احتجازه أو مكان وجوده أو مصيره.
تأكيد الاستهداف السياسي
لم تقتصر الوقائع الخاصة بالاستهداف السياسي على اعتقال واغتيال الشهيد صلاح الطيب بالعزازي، حيث أفاد متطوع في المجال الإنساني بإيقافه في اكتوبر 2024م من قبل قوات عسكرية بأم درمان.
وقال متطوع في المجال الإنساني إن قوات عسكرية أوقفته عند نقطة تفتيش في أكتوبر 2024 في جزء من أم درمان كان حينها تحت سيطرة الجيش. اقتادوه إلى منزل حيث قام أشخاص عرّفوا أنفسهم بأنهم من الاستخبارات العسكرية باستجوابه، وأشار لقيام أحد ضباط الاستخبارات بالاستيلاء عىلى هاتفه وأجبره على فتحه، وحينما رأى صوراً من اعتصام القيادة العامة والاحتجاجات التي تزايدت بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م صرخ ذلك الضابط في وجهه قائلاً: “إنت تتبع للمعارضة السياسية”، ثم أمره أن يجلس وبدأ يضربه بساطور كان يحمله في يده؟ ولاحقاً حضر رجلان أحدهما يحمل قضيباً معدنياً والثاني يحمل مطرقة، وطلبا منه رفع قدميه العاريتين، ثم بدأ بضربه عليها بالقضيب المعدني، أما حامل المطرقة فبدأ يضربه في كل أنحاء جسمه، كما ضربه على رأسه بلوح خشبي.. واستمر الضرب حتى فقد الوعي، حيث ظل محتجزاً لمدة خمسة أيام.
في ذات التقرير أبلغ ثلاثة محتجزين سابقين المنظمة بأن القوات العسكرية التابعة للجيش والمجموعات المتحالفة معه اعتقلوهم لعملهم في الأنشطة الطوعية لمساعدة الناس في “غرف الطوارئ”، أو بسبب ارتباطهم بمجموعات داعمة للديمقراطية والحكم المدني الديمقراطي. وقال أحدهم، والذي تم اعتقاله في القضارف، بأن الضابط الذي كان يحقق معه قال له بأنهم على علم بتفاصيل عمله بغرف الطوارئ واتهموه بإرسال التقارير والتجسس لصالح الدعم السريع وبأنه يعد داعماً سياسياً للدعم السريع.
نفي وتأكيد
وجه تقرير المنظمة استفسارات لمكتب النائب العام لسلطة بورتسودان حول استهداف مواطنين بالاعتقالات لأسباب إثنية وعرقية والاتهام بالتعاون مع الدعم السريع، بما في ذلك الاستهداف على أسس سياسية والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين المحليين في مجال المساعدات وغرف الطوارئ، فضلاً عن الناشطين السياسيين، إلا أن النائب العام لسلطة بورتسودان نفت أي استهداف على مثل الأسس السياسية أو الإثنية أو العرقية.
بالعودة لواقعة المرأة المنتمية للمساليت والتي اعتقلت بمعية زوجها بالولاية الشمالية في طريقها للخرطوم في أبريل 2024م، والتي سبق أن أشرنا لها وذكرنا أنها علمت لاحقاً بوفاة زوجها في معتقله بمقر رئاسة الفرقة (19) بمروي، فقد ذكرت في إفادتها أن الضباط بمجرد أن اكتشفوا انتماءها لقبيلة المساليت بغرب دارفور حتى استدعوا سيارة وتمت تغطية أعينهما واقتيادهما لمقر رئاسة الفرقة (19) بمروي، حيث تم إطلاق سراحها وغادرت لمصر لتعلم بعد عودتها بعام للسودان أن زوجها توفي أثناء الاحتجاز.
سرد التقرير رواية رجل أربعيني من أصول دارفورية حدثت في مايو 2025م حينما استقر بأحد المنازل مع آخرين بأم درمان بعد فراره من منطقة الخرطوم التي كانت تحت سيطرة الدعم السريع، حيث تعرض منزلهم لاقتحام من مسلحين عرفوا أنفسهم بأنهم “الخلية الأمنية”، وحينها قال أحد أولئك المسلحين لهم: “أنتم الدارفوريين مثيرون للشغب؛ لقد جلبتم هذه الحرب هنا”، وهو ما دفعه للرد عليه قائلاً: “الدعم السريع هؤلاء هم الذين قتلوا أهلي في السابق ولا علاقة لنا بهم”. وطبقاً لحديثه فإن ردة فعل أولئك المسلحين التابعين للخلية الأمنية كانت “صفعهم وضربهم بمؤخرات بنادقهم ثم رميهم كالحيوانات في مؤخرة العربات البكاسي التي كانت بمعيتهم”، حيث نقلوا لمنزل خاص حولته الخلية الأمنية لموقع احتجاز واعتقلوا لمدة أسبوع تعرضوا فيها للضرب وحرموا من الرعاية الطبية قبل أن يطلق سراحهم لاحقاً.
ممارسة التعذيب
بجانب الوقائع السابقة التي أشارت لتعرض المحتجزين للتعذيب والذي أفضى في بعض الحالات للموت، فإن التقرير سرد وقائع إضافية حول ممارسة التعذيب. ونقل عن رجل يبلغ الـ(39) من عمره تم إيقافه واعتقاله في ديسمبر 2025م في الجزء الغربي بأم درمان بتهمة نقل إمدادات وبضائع لمناطق سيطرة الدعم السريع، حيث تم احتجازه لمدة (12) ساعة تعرض خلالها للضرب باللكم على صدره بقوة شديدة مع إبقائه طيلة تلك المدة دون طعام ليتم إطلاق سراحه بعد أخذ الأموال التي معه والتي قُدرت بحوالي مائتي دولار أمريكي.
سرد معتقل ثانٍ وقائع التعذيب الذي تعرض له خلال اعتقاله بواسطة مسلحين يرتدون ملابس مدنية بولاية القضارف اعتباراً من 9 أبريل 2024م لمدة (55) يوماً، حيث قام ضابطان أحدهما من المخابرات وثانيهما من الاستخبارات باستجوابه، ثم تقييد يديه خلف ظهره، وتمت تغطيه عينيه بقميصه وتعرضه للضرب. وكان هناك اثنان يسحبان ساقيه للأسفل صوب حفر من الرمل موجودة في زاوية المكتب، بينما يقوم أحدهما بالضغط على رأسه بالحذاء ويقوم آخر بضربه على ظهره. ومع اشتداد الضرب بدأ في فقدان الوعي فصبوا عليه الماء البارد ليعود للوعي، ليتم ضربه مجدداً حتى بدأ التقيؤ والنزيف. واستمر هذا التعذيب لفترة تراوحت ما بين الثلاثين إلى الأربعين دقيقة”.