صحيفة (ديسمبر).. عام من الصمود في معركة الوعي والتحول الديمقراطي
منى الرشيد نايل
لم يكن ميلاد ديسمبر حدثاً عادياً في سياق صحفي مألوف، بل جاء كاستجابة ضرورية للحظة تاريخية مأزومة، تتقاطع فيها الحرب مع أسئلة الدولة، والسلطة مع الضمير، والواقع مع حلم الانتقال المدني الديمقراطي. ففي زمنٍ تتراجع فيه المساحات الحرة، وتُحاصر فيه الكلمة بين الاستقطاب والرقابة والخوف، اختارت (ديسمبر) أن تنحاز بوضوح إلى صوت الناس، وأن تضع نفسها في قلب معركة الوعي، لا على هامشها.
خلال عامها الأول، لم تكتفِ الصحيفة بأن تكون ناقلاً للأحداث، بل سعت إلى أن تكون فاعلاً في تشكيل الوعي بها. وهذا ما يميز التجارب الصحفية الحية: قدرتها على تجاوز السرد الإخباري إلى مساءلة الواقع، وتحليل جذوره، وفتح أفق التفكير فيه. لقد حاولت (ديسمبر)، بموارد محدودة وسياق معقد، أن تمارس استقلاليتها لا كشعار، بل كخيار يومي، يظهر في تنوع كتابها، وتعدد زوايا النظر، وجرأة الطرح في القضايا الحساسة.
غير أن تقييم هذه التجربة لا يكتمل دون الاعتراف بطبيعة التحديات التي واجهتها. فالصحافة الحرة في السودان لا تعمل في بيئة محايدة، بل في فضاء مضطرب تحكمه صراعات سياسية وأمنية، وتتنازعه روايات متباينة. في مثل هذا السياق، يصبح الحفاظ على المهنية والاستقلالية اختباراً مستمراً، لا يخلو من التعثر أحياناً، ولا من الحاجة إلى مراجعة الذات. وربما هنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة (ديسمبر): قابليتها لأن تُقيَّم، وأن تنفتح على النقد، وأن تعيد النظر في أدواتها وخطابها.
لقد أسهمت الصحيفة، بدرجات متفاوتة، في إبقاء قضايا مثل وقف الحرب، والتحول المدني، والعدالة الاجتماعية، حاضرة في النقاش العام، بعيداً عن التبسيط أو الشعارات الجوفاء. كما منحت مساحة لأصوات متنوعة، بعضها من الهامش، وبعضها من قلب التجربة السودانية المتعددة، وهو ما يعكس فهماً أعمق لمعنى “سودان المواطنة” بوصفه مشروعاً أخلاقياً وثقافياً، لا مجرد صيغة سياسية.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح بعد عام من التجربة هو: إلى أي مدى استطاعت (ديسمبر) أن تؤثر فعلياً في الجمهور المستهدف؟ وهل نجحت في الوصول إلى الفئات الأوسع، أم ظلت محصورة في دائرة النخب المهتمة؟ هذا السؤال لا ينتقص من قيمة التجربة، بقدر ما يفتح أفقاً لتطويرها، خاصة في ما يتعلق بلغة الخطاب، وأدوات النشر، والاقتراب أكثر من هموم الناس اليومية.
إن مستقبل الصحافة الحرة في السودان لا ينفصل عن مستقبل الدولة نفسها. فحيثما تغيب الحرية، تذبل الصحافة، وحيثما يُقمع الصوت المستقل، يضيق أفق الحقيقة. ومن هنا، فإن الرهان على تجارب مثل (ديسمبر) هو رهان على إمكانية بناء إعلام مسؤول، يعيد الثقة بين الكلمة والقارئ، وبين الخبر والضمير.
بعد عام من الصمود، يمكن القول إن (ديسمبر) لم تُكمل الطريق، لكنها أثبتت أنها قادرة على السير فيه. وما بين التحدي والأمل، تظل التجربة مفتوحة على احتمالات متعددة، مرهونة بقدرتها على التطور، والاستماع، والانحياز الدائم لقيم الحرية والعدالة.
كل عام و(ديسمبر) أكثر اقتراباً من الناس، وأكثر وفاءً لمعنى أن تكون الصحافة صوتاً للحقيقة، لا صدى للسلطة.
رغم أن مشاركاتي خلال هذا العام جاءت متأخرة نوعاً ما، فإنني أرجو أن تكون قد أسهمت – ولو بقدر يسير – في إثراء هذا المنبر، وأن تكون على قدر من الجودة التي تليق بتجربة (ديسمبر). وأتطلع إلى مواصلة هذا التعاون، إيماناً بأهمية الكلمة الحرة ودورها في بناء الوعي، والمضيّ معاً نحو صحافة أكثر تأثيراً وحضوراً في وجدان الناس.