أماني أبو سليم
قبل الحرب، كان التعليم في السودان يعاني بالفعل من أزمات متراكمة؛ ضعف الميزانية المخصصة من الدولة ، تدهور البيئة المدرسية، تفاوت الفرص بين المدن والأقاليم، وضعف تدريب المعلمين.
أدى ذلك إلى معدلات مرتفعة نسبياً للتسرب قبل الحرب، كان ملايين الأطفال خارج المدرسة أو مهددين بالتسرب، خاصة في مناطق النزاعات.
ومع ذلك، ظل التعليم يمثل واحداً من أهم أدوات بناء المجتمع السوداني، والطريق الأساسي لصناعة الكفاءات التي حافظت على وجود مؤسسات الدولة لعقود طويلة، فالمورد البشري يمثل رأس المال الحقيقي لأي للدولة. ضربت الحرب هذا المورد في عمقه. ملايين الأطفال والطلاب من مختلف المراحل انقطعوا عن الدراسة، أو تراجع وضعهم، بعضهم لأشهر وبعضهم لسنوات. المعلمون والأساتذة تشتتوا بين النزوح واللجوء والبحث عن مصدر للبقاء. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، تتسع الفجوة التعليمية بصورة قد يصعب تعويضها لاحقاً.
الطفل الذي يغيب سنوات عن المدرسة يفقد مع ما يفقد من معلومات ومعارف، التدرج الطبيعي في بناء مهاراته وقدرته على التعلم والانضباط والتفاعل الاجتماعي. وكلما طال الانقطاع، زادت احتمالات التسرب النهائي من التعليم، خاصة وسط الأسر الفقيرة والنازحة واللاجئة والتي تواجه ضغوطاً معيشية هائلة تدفعها للتضحية بالتعليم مقابل الاحتياجات الأساسية.
هذا الحال في وضع التعليم لن يكون مؤقتاً مرتبطاً بالحرب وينتهي بمجرد توقفها. هذه خسائر تراكمية بدءاً من المهارات الأساسية كالقراءة، الكتابة، الحساب، الانضباط المعرفي والتفاعل الاجتماعي، وبالتالي فقدان الإحساس بالمستقبل. كل سنة تعليم تضيع لا تُعوَّض بسهولة. إنها بداية لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. فالطفل الذي يترك المدرسة اليوم قد يدخل سوق العمل مبكراً بلا مهارات، أو يصبح أكثر عرضة للاستغلال والعنف والتهميش. والفتيات أكثر عرضة للزواج المبكر والانقطاع النهائي عن التعليم. ومع تراكم هذه الحالات، يتشكل جيل كامل يحمل آثار الحرب التعليمية والنفسية والاقتصادية معه إلى المستقبل، مما يهدد قدرة الدولة نفسها على النهوض لعقود قادمة.
الدول يمكنها إعادة بناء الأشياء المادية كالجسور والطرق والمباني خلال سنوات، لكن إعادة بناء الإنسان أصعب بكثير. بناء الكفاءات يحتاج زمناً طويلاً واستقراراً متصلاً وتعليماً جيداً. طالب الإدارة الذي انقطع عن الجامعة اليوم، والقانوني الذي توقف فجأة، والطبيب الذي لن يكمل دراسته، والطفل الذي فقد سنواته الأساسية، لن يكونوا مجرد خسائر فردية، بل خسائر تمس قدرة السودان مستقبلاً على إدارة مؤسساته واقتصاده وخدماته الأساسية. هذه ربما تكون واحدة من أكثر خسائر الحرب عمقاً وأطولها عمراً.
كل الدراسات التنموية تقريباً تربط بين التعليم والنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. فكلما ارتفع مستوى التعليم، ارتفعت الإنتاجية وتحسنت فرص العمل وتراجعت معدلات الفقر والعنف. والعكس صحيح أيضاً؛ انهيار التعليم يؤدي إلى مزيد من البطالة والفقر والاضطراب وضعف المؤسسات.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية:
هل يدرك الذين يؤيدون الحرب واستمرارها حجم ما يحدث للتعليم نتيجة هذه الحرب؟ وهل يدركون أن خسارة جيل تعليمياً لن تتوقف آثارها عند سنوات الحرب، بل ستظهر لاحقاً في كل مجال: في الاقتصاد، والصحة، والإدارة، والاستقرار، و بالتالي في قدرة السودان على إعادة بناء نفسه والنهوض من جديد؟.