عاطف عبدالله
كثيراً ما يحزنني أن أرى قلماً أكنّ له الاحترام ينحدر إلى التماهي مع خطاب السلطة الحربية، والدفاع عن إعلامٍ بات جزءاً أصيلاً من ماكينة التحريض وإطالة أمد الكارثة السودانية، خاصة حين يتعلق الأمر بأسماء ظلت تُقدَّم بوصفها رموزاً للوعي والنضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
فقد نشر الأستاذ عبد القادر الكتيابي على صفحته نداءً موجهاً إلى البرهان، وكامل إدريس خاطبهما فيه بعبارات من قبيل: “السيد القائد” و”رئيس مجلس الوزراء”، مطالباً إياهما بالتدخل لإنقاذ وزارة الإعلام، باعتبارها وزارة “مفصلية” في هذه المرحلة. ومهما حاول الكتيابي أن يقدّم حديثه في إطار “النصح الوطني”، فإن جوهر الخطاب يعكس انحيازاً واضحاً لسلطة الأمر الواقع، وتماهياً مع سرديتها السياسية والإعلامية.
ثم جاء تعليق الدكتور محمد عبد القادر سبيل على تصريحات وزير إعلام الحرب خالد الأعيسر ليكشف حجم الأزمة الأخلاقية والسياسية التي يعيشها بعض المثقفين والإعلاميين، وهم يواصلون الدفاع عن حربٍ لم تنتج سوى الخراب والتشريد والانقسام.
الكتيابي الذي أعرفه هو نفسه الذي وقف كتفاً بكتف مع حميد والقدال وأزهري، ينادون بصوت واحد: “أرضاً سلاح”. وهو نفسه الذي قال:
على كيفي.. أرقّع جبتي أو لا أرقّعها
أطرّزها من اللالوب.. ألبسها على المقلوب.. أخلعها
على كيفي
أنا لم أنتخب أحداً
وما بايعتُ بعد محمدٍ رجلاً..
ولا صفقتُ للزيفِ
لماذا أعلنوا صوري؟ لماذا صادروا سيفي؟
وهو نفسه الذي تساءل:
لمن يا طبل والخرطوم غائبة؟
وأم درمان والنيلان يختلفان.. والحرب.. الدمار.. الجوع
كيف الحال؟ لا تسأل عن الكيفِ!
وهنا، فليسمح لي أستاذنا وشاعرنا الكبير أن أسأله: كيف؟ وكيف ولماذا تخاطب الانقلابي ورئيس سلطة الأمر الواقع مطالباً إياه بإنقاذ الإعلام، فقط لأن وزيره، وفي لحظة صدقٍ خرقاء، وصف بعض الصحفيين والإعلاميين بأنهم “نائحات مستأجرات” يقبضون المال مقابل دعمهم لهذه الحرب الكارثية؟
لقد أنطقه الله بالحقيقة، فلماذا يُراد تكذيبه؟
ولماذا تُفتح صفحتك الرسمية لمقال يتماهى مع خطاب الحرب، بل ينغمس فيه، ويقدمه بوصفه “معركة كرامة”؟.
أولاً: أي كرامة في هذه الحرب؟
من المؤلم حقاً أن يستمر البعض في وصف هذه الكارثة الإنسانية بـ”معركة الكرامة”، بينما الواقع السوداني يصرخ بعكس ذلك تماماً.
أين الكرامة وملايين السودانيين بين نازح ولاجئ، يفترشون الأرض في المعسكرات ومراكز الإيواء؟.
أين الكرامة والمواطن عاجز عن الحصول على الغذاء والدواء والأمان؟.
أين الكرامة والمدن مدمرة، والنسيج الاجتماعي ممزق، ومستقبل البلاد يُحرق أمام أعين الجميع؟.
الكرامة الحقيقية ليست شعاراً حربياً يُرفع في المنابر والفضائيات، بل هي حق الإنسان في الحياة، والأمن، والاستقرار، والحرية. وما يحدث اليوم هو إهدار ممنهج لكل هذه القيم، على يد أطراف الصراع كافة، وبمساندة خطاب إعلامي تعبوي لا يرى في الوطن سوى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ولا يعرف منه سوى “تحويلات بنكك”.
ثانياً: تصريحات الأعيسر لم تكن زلة لسان
ما قاله خالد الأعيسر في لقائه على قناة الجزيرة لم يكن “زلة لسان”، كما حاول محمد عبد القادر سبيل تصويره، بل كان اعترافاً صريحاً بحقيقة باتت معلومة للرأي العام السوداني.
فالوزير، من حيث أراد أو لم يُرد، كشف طبيعة العلاقة الملتبسة بين السلطة وبعض المنصات الإعلامية التي ظلت تقدم نفسها باعتبارها صوتاً وطنياً مستقلاً، بينما هي في واقع الأمر جزء من شبكة التعبئة السياسية والمالية المرتبطة بالحرب.
لقد أصبح الحديث عن “صحفيي بنكك” ووسائط الدفع والتحويلات أمراً متداولاً على نطاق واسع، لأن قطاعات واسعة من الناس باتت ترى بوضوح كيف تحوّل بعض الإعلاميين إلى أبواق تعبئة وتحريض، يتبدل خطابهم تبعاً لمصالح التمويل والاستقطاب.
ثالثاً: الأزمة الحقيقية ليست في التصريح، بل في الواقع الذي كشفه
الصدمة التي بدت واضحة في مقال الدكتور محمد عبد القادر سبيل لا تعود إلى “افتراء” الأعيسر، وإنما إلى خطورة أن يصدر هذا الاعتراف من وزير إعلام الحرب نفسه.
ذلك لأن التصريح هدم، في لحظة انفعال، السردية التي ظلت تُبنى لأشهر طويلة حول “الإعلام الوطني المتطوع” الذي يخوض “معركة الكرامة” بدافع الوطنية الخالصة.
كما أن ظهور الوزير بلغة ناشط غاضب، مثقل بالخصومات والانفعالات الشخصية، كشف هشاشة الأداء السياسي والإعلامي للسلطة الحالية، وأثبت أن كثيراً ممن يديرون المشهد تحركهم الحسابات الضيقة والرغبة في النفوذ، لا مشروعاً وطنياً حقيقياً لإنقاذ السودان.
رابعاً: مسؤولية المثقف ليست التبرير، بل قول الحقيقة
ما كان يُنتظر من أسماء لها وزنها الثقافي والإعلامي، مثل عبد القادر الكتيابي ومحمد عبد القادر سبيل، هو أن تنحاز لمعاناة الناس، وأن ترفع صوتها ضد استمرار الحرب، لا أن تتحول إلى جزء من خطاب التبرير والتعبئة.
فالمثقف الحقيقي لا يقف مع السلطة حين تخطئ، ولا يجمّل الكارثة بالأسماء الرنانة، ولا يشارك في إنتاج الوهم الوطني بينما البلاد تنهار.
كان الأولى المطالبة بوقف الحرب، وفتح الطريق أمام حل سياسي شامل، ومحاسبة كل من ساهم في إشعال هذا الخراب، بدلاً من الانشغال بالدفاع عن وزير “الغفلة” الذي أصبح مجرد وجوده إساءةً إلى مهنته وإلى الدولة التي يمثلها.
خلاصة القول
إن ما قاله خالد الأعيسر ليس سوى قمة جبل الجليد، أما الأزمة الحقيقية فهي وجود منظومة إعلامية كاملة تعيش على استمرار الحرب، وتقتات على الاستقطاب والكراهية وتزييف الوعي.
أما السودان، الذي يدفع شعبه الثمن كل يوم، فهو أكبر من السلطة والمعارضة، وأكبر من دعاة الحرب جميعاً، وأكبر أيضاً من كل الأقلام التي اختارت أن تنحاز إلى الضجيج بدلاً من الحقيقة.
وكما قال الكتيابي، في واحدة من أكثر صوره الشعرية كثافةً في نقد الزيف والمتاجرة بالشعارات:
عليَّ الطلاق..
مكاء صلاة اليمين عليك،
وحجُّ اليسار إليك نفاق
وأبترُ حدَّ ذراعيَّ رهاناً
ستصبح ثم تراهم سمانا
وثم يشدّ عليك الوثاق
لتعرف أن المنابر سوقٌ.. وأن البضاعة أنت!