بنك السودان في ثقب الوقود الأسود

تقرير: (ديسمبر)

 

ارتباك وتنافس في أروقة السلطة

“إيداع 200 كيلوغرام من الذهب عيار 21 كشرط أساسي للحصول على شهادة استخراج رخص استيراد المحروقات”. جاء هذا القرار في أجواء أزمة وقود خانقة، ضاعفت من معاناة المواطنين في السودان، كما جاء في أعقاب إعلان سياسات جديدة تتعلق باستيراد الوقود، تتمحور حول احتكار استيراد المحروقات للحكومة عبر وزارة النفط والطاقة ووزارة المالية. فقطاع النفط يشهد منذ اندلاع الحرب منافسة شرسة بين شركات القطاع الخاص، المرتبطة بقيادات حكومة الأمر الواقع من قيادات الجيش، ومؤخراً انخرطت منظومة الصناعات الدفاعية – المؤسسة التي تستثمر أموال الجيش – في استيراد الوقود عبر واجهات من بينها شركة (بترو نور)، التي يديرها يوسف محمد الحسن الشهير بـ(يوسف كومون).

رجال الأعمال يصممون القرارات لصالحهم

أبان القرار عن ارتباك واضح في قرارات حكومة رئيس الوزراء المعين كامل إدريس، ويكفي أن المسافة الزمنية الفاصلة بين قرار الحكومة باستيراد النفط وقرار بنك السودان، الذي أعاد الاستيراد للقطاع الخاص، أقل من (48) ساعة، وكلا القرارين يتجهان عكس اقتصاد السوق أو السوق الحر الذي تتبناه الحكومة. القرار جرى تفسيره وفق كثيرين على أنه “احتكار جديد”، يغلق باب استيراد الوقود في وجه الشركات الصغيرة أو الشركات غير المرتبطة بقطاع التعدين لصالح شركات كبرى، أو بالأحرى تحالفات كبرى بين مصدري ذهب ومستوردي وقود. والأخطر أن هذه الشركات التي سوف تحتكر الاستيراد ستجد الفرصة أمامها مواتية للتحكم في الأسعار.

وفي مستوى آخر يرى محللون اقتصاديون أن الحكومة لم تكن في حاجة للقرارات الأخيرة، وكان يمكنها الشروع في استيراد الوقود فوراً إلى جانب شركات الاستيراد، إن كانت سياستها تستهدف التأثير في السوق والتحكم في أسعار بيع للمستهلك، لأن الحكومة هي أكبر مستهلك وخاصة في ظرف الحرب واستهلاك الجيش. إلا أننا لا يمكن أن نغضّ الطرف عن العلاقات المزدوجة والمتشعبة بين رجال الأعمال، أصحاب شركات استيراد الوقود، وقادة الحكومة من ضباط الجيش.

السودان يعيش أزمة وقود حادة، ينظر إليها البعض على أنها من صنع شركات الاستيراد نفسها، في محاولة للحصول على مزيد من الأرباح، وربما هذا ما لمَّح إليه قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطابه للمواطنين في منطقة العيلفون، عندما قال “إن هناك جهات وراء الأزمات” وطلب من الشعب الصبر.

أزمة الوقود بمثابة ثقب أسود يصعب الخروج منه. وهي في واقع الأمر نتيجة تشوهات اقتصادية عميقة ناتجة عن السياسات التي اتبعتها حكومة الأمر الواقع بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، في سعيها لتعويض ما فقدته من دعم خارجي ومساعدات دولية توقفت عقب الانقلاب مباشرة، وكان لها تأثير على سعر الصرف الذي بدأ في زيادة كبيرة مقابل الجنيه، لتجد حكومة الأمر الواقع مجبرة على طباعة النقود وإسناد استيراد السلع الأساسية لمجموعة مقربة من رجال الأعمال في مقدمتهم شركات رجل الأعمال هشام السوباط ومحمد إبراهيم العليقي وعمر النمير، صاحب شركة (فيض النعم)، الذي تمت تسميته في فترة سابقة مستشاراً اقتصادياً لمجلس السيادة.

اخسر لكي تربح أكثر

عنصر آخر عمَّق الأزمة الاقتصادية وهو الفساد الذي انسحبت آثاره فوراً على قطاعين رئيسيين في السوق المحلي والدخل القومي، هما قطاع الذهب والوقود، وكان للقطاعين في ظل بيئة الفساد انعكاس كبير على قيمة العملة المحلية. خلق هذا الوضع ارتباطاً وثيقاً بين صادر الذهب واستيراد الوقود، ولما كانت أرباح استيراد الوقود، الذي احتكر لرجال أعمال وشركات بعينها، كبيرة لم يترددوا في “كسر” أسعار الذهب، وقال أحد المستثمرين العاملين في المجالين معاً “نبيع كيلو الذهب في دبي بخسارة ألف دولار ولكن نعوض ذلك في باخرة وقود”.

بعد تشبع سوق الوقود واحتجاج شركات استيراد صغيرة، إضافة إلى خلافات بين النافذين في الدولة من القيادات العسكرية وبعض رجال الأعمال، في ظل كل ذلك أصدرت وزارة النفط في أغسطس 2025 قرارات تقضي بتحديد قوائم الشركات التي يحق لها الاستيراد، وسبق أن أصدرت ذات القرار في شهر مارس إلا أنها لم تتمكن من تنفيذه، واستمر رجال أعمال وشركات يحتكرون استيراد النفط وصادرات الذهب في ظل ضعف رقابة السلطات وعجزها عن اتخاذ خطوات تمكنها من توفير سلعة الوقود والحد من تهريب الذهب والحفاظ على العملة المحلية من التدهور.

 

المنظومة.. تجارة خلف الواجهات

دخول منظومة الصناعات الدفاعية التي يديرها الفريق أول ميرغني إدريس المقرب من البرهان كان له أثر سلبي على السوق، خاصة تقارب دخولها في سوق الوقود مع صدور قرار حظرها من الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك كانت مجبرة على التعامل مع واجهات من خلف ستار. وتشير مصادر عليمة أن شركة (بترو نور)، التي يديرها يوسف كومون، في مقدمة هذه الشركات، وتعد الشركة الأكبر في استيراد الجازولين والفيرنس أكبر المشتقات البترولية المستهلكة في الجيش والقطاع الحكومي. تمارس (بترو نور) أعمالها من سلطنة عمان بعد أن كان مقرها في الإمارات العربية، ولها شركة خارجية اسمها (فيفيان) كانت مسجلة في الإمارات لكنها انتقلت مؤخراً إلى سلطنة عمان، وتدير عمليات بأكثر من (120) مليون دولار شهرياً، ومؤخراً أصبح التنسيق بينها وبين شركات هشام السوباط على مستوى عالٍ، وقال المصدر “علاقة ميرغني إدريس بـ(يوسف كومون) وعلاقة هشام السوباط بالبرهان سهلت التعاون بين (بترو نور) وشركات السوباط في استيراد الوقود”.

وخلاصة القول إن أزمة الوقود الحادة التي تعيشها البلاد نتاج تشوهات اقتصادية رافقت حكومة الأمر الواقع منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، وتعمقت بسبب الحرب التي زادت التشوهات الاقتصادية وضاعفت من استهلاك الحكومة للنقد الأجنبي والصرف على الحرب، إلى جانب تردي الأداء الحكومي إلى مستويات غير مسبوقة، وكذلك انتشار الفساد المؤسسي، وكل ذلك يؤشر إلى استمرار الأزمة وتفاقمها، وما القرارات المتخبطة التي تصدر عن حكومة كامل إدريس وبنك السودان معاً إلا أحد تجلياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *