عواصم: (ديسمبر)
وثّق تقرير صادر عن الأمم المتحدة مقتل أكثر من 1000 من المدنيين خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 جراء غارات الطائرات المسيرة في السودان، وفي إطار تصعيد حرب الطائرات المسيرة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وتسلط الزيادة الحادة في استخدام الطائرات المسيّرة لتنفيذ غارات جوية في السودان هذا العام الضوء على الأثر المدمّر للأسلحة عالية التقنية والمنخفضة الكلفة نسبياً عند استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان. وقد جرى توثيق الغالبية العظمى من هذه الوفيات في صفوف المدنيين جراء القصف بالمسيرات في ثلاث ولايات في إقليم كردفان.
ويعتبر الهجوم على مستشفى الضعين التعليمي في 20 مارس، وهو أول أيام عيد الفطر، هو الأكثر دموية حيث أسفر عن مقتل 64 شخصاً على الأقل، بينهم سبع نساء و13 طفلاً. كما قُتل طبيب، وكان ثمانية من العاملين في المجال الصحي من بين ما لا يقل عن 89 شخصاً أُصيبوا في الهجوم، وذلك في منطقة تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وقد خرج المستشفى، بما في ذلك أقسام الطوارئ والولادة والأطفال، عن الخدمة بالكامل، ما فاقم الصعوبات على حصول كثيرين في المنطقة على حقهم في الرعاية الصحية التي هم في أمسّ الحاجة إليها.
وفي اليوم نفسه، في الدبة بالولاية الشمالية، وهي منطقة تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية، طالت هجمات بطائرات مسيّرة بنيةً تحتية مدنية، من بينها محطة فرعية للكهرباء وكلية هندسية، وأفيد بأن ستة أشخاص قُتلوا، فيما انقطعت الكهرباء بالكامل عن المنطقة.
المسيرات سلاح فتاك
على ذات الصعيد، استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، “الزيادة الحادة” والمقلقة في استخدام الطائرات المسيّرة كسلاح فتاك في الحرب الدائرة رحاها في السودان. وفي كلمة له أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في 15 يونيو 2026، رصد تورك تصعيداً خطيراً في وتيرة الصراع، قائلاً: “في السودان، اتسع نطاق الصراع المروع وتصاعدت وتيرته، وتميز ذلك بزيادة حادة في استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب”.
وأوضح المفوض الأممي أن مكتبه وثّق، في الفترة الممتدة بين يناير ومايو 2026، مقتل أكثر من 1000 مدني حصراً جراء غارات الطائرات المسيّرة، في مؤشر على التحول التكتيكي في ساحة المعركة واعتماد طرفي النزاع على هذه التكنولوجيا بشكل مكثف.
انتهاك خطير للقانون الدولي الإنساني
أدان الأستاذ محمد عبدالله، المتحدث الرسمي باسم منتدى حقوق الإنسان – السودان، التصعيد غير المسبوق في استخدام الطائرات المسيّرة في النزاع الدائر بالسودان وما ترتب عليه من سقوط أعداد متزايدة من الضحايا المدنيين وتدمير واسع للبنية التحتية المدنية الحيوية، معتبراً أن ما يجري يمثل انتهاكاً خطيراً وممنهجاً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويعكس اتجاهاً متصاعداً نحو عسكرة الحرب بوسائل قتالية ذات آثار عشوائية ومدمرة على السكان المدنيين.
وقال محمد عبدالله، في تصريح صحفي خص به (ديسمبر)، إن السودان يشهد منذ مطلع عام 2026 تصعيداً خطيراً في الهجمات المنفذة بواسطة الطائرات المسيّرة استهدفت مناطق مأهولة بالسكان وأعياناً مدنية تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي، في ظل غياب أي التزام فعلي من أطراف النزاع بقواعد حماية المدنيين. وأضاف أن الهجوم الذي استهدف سوق مدينة غبيش يوم الثلاثاء 19 مايو الجاري، وأسفر عن مقتل حوالي 28 مدنياً وإصابة العشرات في واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد المدنيين خلال الأشهر الأخيرة، يؤكد أن المدنيين هم الهدف الأول لهذه الهجمات. كما أشار إلى أن الهجمات امتدت لتطال مرافق حيوية تشمل المستشفيات والمطارات ومحطات الكهرباء وشبكات الخدمات العامة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية وتعميق معاناة ملايين السودانيين.
تحول في طبيعة الحرب
وأوضح المتحدث الرسمي باسم منتدى حقوق الإنسان – السودان أن الفترة الممتدة بين يناير ومايو 2026 شهدت هجمات بالطائرات المسيّرة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 900 مدني، وهو ما يمثل أكثر من 80% من إجمالي الوفيات المدنية المرتبطة بالنزاع خلال تلك الفترة، معتبراً أن هذه الأرقام تعكس تحولاً بالغ الخطورة في طبيعة الحرب، وتكشف عن التوسع المتسارع في استخدام وسائل قتالية ذات تأثيرات عشوائية داخل المناطق المدنية المكتظة بالسكان، في انتهاك صارخ لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني.
وأكد محمد عبدالله أن الاستهداف المباشر أو العشوائي للمدنيين والأعيان المدنية قد يرقى بالنظر إلى طبيعته الواسعة والمنهجية إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة الجنائية الدولية، مشدداً على أن استمرار استخدام التقنيات العسكرية المتطورة في سياق يشهد انهياراً شبه كامل للقطاع الصحي والخدمات الأساسية، أدى إلى تعميق المأساة الإنسانية وارتفاع معدلات النزوح وتدهور أوضاع الأمن الغذائي والصحي في مختلف أنحاء السودان، وأضاف أن حماية المدنيين ليست التزاماً سياسياً أو أخلاقياً فحسب، بل واجب قانوني ملزم يقع على عاتق جميع أطراف النزاع دون استثناء، وأن أي تهاون في احترام هذه الالتزامات يقوض أسس القانون الدولي ويكرس ثقافة الإفلات من العقاب.
لابد من حظر استخدام المسيرات
ودعا محمد عبدالله مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لوقف هذا التصعيد الخطير، تشمل إصدار قرار ملزم بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام الطائرات المسيّرة المسلحة في النزاع السوداني، مع إنشاء آليات مستقلة وفعالة للمراقبة والتحقق من امتثال جميع أطراف النزاع لقواعد القانون الدولي الإنساني. كما طالب بفتح تحقيق دولي مستقل ومحايد وشفاف في جميع الهجمات التي نفذتها الطائرات المسيّرة وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين أو تدمير للبنية التحتية المدنية، إلى جانب التحقيق في حالات الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة، وضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة وعدم إفلاتهم من العقاب.
كما دعا إلى فرض تدابير رقابية وعقوبات فعالة على الجهات والدول المتورطة في تزويد أطراف النزاع بالطائرات المسيّرة أو مكوناتها التقنية والعسكرية، بما يحد من استخدامها ضد المدنيين، إضافة إلى تعزيز آليات حماية المدنيين وزيادة الدعم الإنساني العاجل للسودان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية بصورة آمنة وفورية ودون عوائق إلى جميع المناطق المتضررة، وممارسة ضغوط دولية جادة على كافة أطراف النزاع لوقف الانتهاكات الجسيمة، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.