الجيش السوداني آخر حصون السلطة المركزية: قراءة في الدولة ما بعد الاستعمار في أفريقيا

معتصم أبستراك

 

في كل عام يعيد يوم 25 مايو، يوم التحرير الأفريقي طرح السؤال الأكثر إلحاحاً في التاريخ السياسي للقارة: هل تحررت أفريقيا فعلاً من البنية الاستعمارية؟، أم أنها ورثت الدولة الاستعمارية بأدوات وطنية جديدة؟.

يكتسب هذا السؤال معنى أكثر تعقيداً لأن أزمة الدولة السودانية لم تكن في جوهرها مجرد أزمة حكومات أو انقلابات عسكرية، بل أزمة بنيوية تأسست منذ الاستقلال على إعادة إنتاج “المركز” بوصفه مالكاً للدولة والوطن والشرعية. ومن هنا لا يمكن فهم “الجيش” باعتباره مجرد مؤسسة عسكرية تؤدي وظائف الدفاع التقليدية؛ الحدود والدستور والأمن القومي، بل باعتباره آخر التجليات الصلبة لحراسة السلطة المركزية في الدولة الحديثة. فـالجيش بخلاف بعض النماذج الأفريقية الأخرى لم يتشكل داخل سياق قومي مستقر، أو مشروع وطني متفق عليه، بل نشأ في دولة مأزومة الهوية منذ لحظة التأسيس، إذ ورثت النخب الشمالية جهازاً إدارياً واستراتيجياً صمم خلال الحقبة الاستعمارية لإدارة التنوع والسيطرة عليه، لا لبناء عقد اجتماعي متوازن بين الشعوب والثقافات المختلفة. لذلك ظلت المؤسسة العسكرية تؤدي وظيفة تتجاوز حماية الحدود إلى حماية تصور معين لخيال الدولة يقوم على مركزية السلطة والثقافة والقرار السياسي.

وهنا نستحضر أفكار فرانز فانون (1925 – 1961) كضرورة لفهم البنية النفسية للدولة ما بعد الاستعمار. ففانون لم يرَ الاستعمار مجرد احتلال للأرض، بل احتلالاً للعقل والخيال السياسي، ولذلك حذَّر من أن النخب الوطنية قد ترث الدولة الاستعمارية دون أن تفكك منطقها العنيف، فتتحول الدولة الوطنية نفسها إلى شكل من “الاستعمار الجواني”، وبالتالي ظلت العلاقة بين المركز والهامش محكومة بعقلية أمنية أكثر من كونها علاقة قائمة على المواطنة المتساوية.

فالحروب الطويلة، التي عرفتها البلاد، لم تكن مجرد أزمات تمرد معزولة، بل تعبيراً عن خلل تأسيسي يتعلق بمن يملك حق تعريف الوطن نفسه، ومن يحدد صورته الثقافية والسياسية. إن أخطر ما فعله الاستعمار، وفق فانون، ليس فقط تقسيم الجغرافيا، بل إنتاج إنسان سياسي يخاف من الاختلاف، ويبحث دائماً عن سلطة مركزية تحميه من الفوضى، وهذا ما يفسر التقديس الرمزي للمؤسسة العسكرية في كثير من دول ما بعد الاستعمار، حيث تصبح القوة المسلحة بديلاً عن العقد الاجتماعي الغائب، وتتحول الدولة إلى كيان أمني أكثر من كونها فضاءً سياسياً مشتركاً.

وقد عمَّق المناضل والمفكر الغيني أميلكار كابرال (1924 – 1973) هذا السؤال حين تساءل: “ماذا يحدث عندما ترث النخب الوطنية جهاز الدولة الاستعماري دون أن تمتلك مشروعاً لتحرير الإنسان نفسه؟”. هنا تتحول الوطنية إلى مجرد إدارة محلية للعنف القديم. ولذلك كان كابرال يرى أن التحرر الحقيقي لا يعني فقط خروج المستعمر، بل تحرير الثقافة والوعي من البنية الذهنية للاستعمار، وتبدو الأزمة أعمق من مجرد صراع على السلطة، إنها أزمة نخب لم تستطع تخيل الدولة خارج المركز الأحادي الموروث، ولذلك جرى التعامل مع التنوع بوصفه تحدياً ينبغي احتواؤه أو ضبطه، لا حقيقة تاريخية يمكن أن تؤسس لمشروع وطني أكثر اتساعاً وعدالة.

لقد قدم الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي في كتاب عن سياسات الموت قراءة حادة لطبيعة السلطة في أفريقيا ما بعد الاستعمار، فالدولة الحديثة بحسب مبيمبي لا تمارس السلطة فقط عبر تنظيم الحياة، بل أيضاً عبر التحكم في شروط الموت والهشاشة: من يُحمى؟ ومن يُترَك للنزوح والجوع والعنف؟ ومن يُعتبر قابلاً للتضحية باسم السيادة ووحدة الدولة؟. وعليه لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت جزءاً من آلية إنتاج السلطة نفسها. فالمركز عبر عقود طويلة من النزاعات أعاد تشكيل وعيه السياسي على أساس أن البقاء لا يتحقق إلا بالعنف، وأن السيطرة أهم من بناء التوافق الوطني. لذلك تشكلت بنية نفسية داخل الدولة ترى في السلام تهديداً أحياناً لأنه يفتح أسئلة العدالة وإعادة توزيع القوة والثروة والاعتراف التاريخي، غير أن المقاربة مع نماذج أفريقية أخرى تقتضي قدراً من الدقة لأن بنية الجيش السوداني تختلف عن النموذج الإثيوبي أو الكونغولي أو الرواندي رغم تشابه السياقات العامة للدولة ما بعد الاستعمار.

في إثيوبيا لم يتشكل الجيش بوصفه وريثاً مباشراً لمؤسسة استعمارية، لأن إثيوبيا احتفظت رغم الاحتلال الإيطالي القصير باستمرارية إمبراطورية تاريخية طويلة، ولهذا ارتبط الجيش الإثيوبي بفكرة “الدولة الإمبراطورية” أكثر من ارتباطه بالدولة الوطنية الحديثة. فمن عهد هيلا سيلاسي (1892 – 1973) إلى نظام منغستو هايلي مريام (حكم بين 1977 – 1991) ثم مرحلة ميليس زيناوي (1955 – 2012)، ظل الجيش حارساً لفكرة الدولة المركزية الموحدة حتى مع تغير الأيديولوجيات السياسية. لكن أزمة إثيوبيا في تقديري تكمن في أن الدولة الإمبراطورية حاولت احتواء تعدد قومي معقد داخل مركز سياسي واحد، وهو ما جعل سؤال السيادة والهوية القومية سؤالاً دائماً ومفتوحاً. لذلك جاءت حرب تيغراي (2020) كتعبير عن تناقض عميق بين مشروع الدولة المركزية وبين مطالب القوميات المختلفة بالاعتراف والتمثيل المتوازن. وهنا يختلف النموذج الإثيوبي، فالأزمة هناك تدور أساساً حول صراع القوميات داخل دولة تاريخية قديمة، بينما ترتبط الأزمة السودانية بفشل الدولة الوطنية الحديثة في إنتاج هوية جامعة منذ لحظة الاستقلال.

أما حالة الكونغو الديمقراطية فإن المسار فيها مختلف بصورة جذرية. فالجيش الكونغولي لم يتشكل كمؤسسة وطنية متماسكة، بل كامتداد لدولة استعمارية أنشأتها بلجيكا أساساً لاستخراج الموارد الطبيعية، ولهذا ظل العنف في الكونغو مرتبطاً منذ البداية، باقتصاد الحرب وبالتدخلات الخارجية والصراع على المعادن والثروات. لقد مثل اغتيال باتريس لومومبا (1961) لحظة مفصلية في تاريخ أفريقيا الحديثة، لأنه كشف حدود الاستقلال السياسي الشكلي في ظل استمرار الهيمنة الدولية على القرار الاقتصادي والأمني.

ثم جاء حكم موبوتو سيسي سيكو (1930 – 1997) ليحول الدولة إلى شبكة سلطوية مرتبطة بموازين الحرب الباردة والمصالح الغربية، حيث جرى الحفاظ على الدولة كواجهة شكلية بينما تفككت فعلياً مؤسساتها الوطنية والاجتماعية. ولهذا فإن أزمة الكونغو ليست أزمة مركز قوي كما في السودان أو إثيوبيا، بل أزمة غياب الدولة الوطنية نفسها. فحين ينهار المركز هناك تتحول البلاد إلى فضاء مفتوح للمليشيات واقتصادات الحرب والتدخلات الإقليمية والدولية، لذلك تقف في منطقة وسطى بين النموذجين: فهو ليس دولة إمبراطورية تاريخية مثل إثيوبيا، ولا دولة منهارة بالكامل مثل الكونغو، بل دولة ما بعد استعمار ورثت مركزاً هشاً لكنه شديد الحساسية تجاه أي تهديد لوحدته، ولهذا اكتسب الجيش السوداني دوراً يتجاوز المؤسسة العسكرية ليصبح الحارس الأخير لفكرة السلطة المركزية ذاتها.

لكن المعضلة الحقيقية تكمن في أن الدولة، طوال تاريخها الحديث لم تستطع الانتقال من مفهوم “إدارة التنوع” إلى مفهوم الاعتراف بالتنوع، فبقي الوطن يدار بعقلية الهيمنة لا بعقلية الشراكة وبمنطق الأمني لا بمنطق العقد الاجتماعي.

ومن هنا تأتي أهمية استعادة الروح الفكرية لمشروع التحرير، ليس بوصفه خطاباً رومانسياً عن الوحدة الأفريقية بل كمشروع تحرير أفريقي يسعى إلى تفكيك الدولة ما بعد الاستعمار وإعادة بناء الدولة على أساس العدالة التاريخية والاعتراف المتبادل بين الشعوب. فالتحرر الحقيقي لا يكتمل بخروج المستعمر فقط، بل يبدأ حين تتحرر الدولة نفسها من خوفها التاريخي من التعدد، ومن اعتمادها المزمن على العنف بوصفه أداة لإدارة السياسة. والسودان مثل كثير من الدول الأفريقية لا يحتاج فقط إلى تسوية توقف الحرب، بل إلى إعادة تخيل الدولة خارج ثنائية المركز والهامش، وخارج الوهم الذي يربط بقاء الوطن ببقاء الهيمنة المركزية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *