مثل فيها والد بيرم كشاهد دفاع للمتهم دوافع وأسباب “المصباح” من التمسك بمحاكمة دكتور أحمد الشفا وسجنه

تقرير: ماهر أبوجوخ

شهدت قضية الدكتور أحمد عبد الله خضر (أحمد الشفا)، التي قامت النيابة العامة بحفظها في منتصف أبريل الماضي، تطورات جديدة في الثامن من يونيو الماضي على خلفية تعليق كتبه قائد مليشيا البراء بن مالك المصنفة إرهابية المصباح أبوزيد انتقد فيه قرار سحب الملف من النيابة العامة، ملوحاً بالتهديد قبل أن يستجاب لتهديده، لينشر في صفحته بالفيسبوك خبراً عن إعادة أوراق القضية للمحكمة لاستكمالها وإصدار حكمها وصولاً بإصدار محكمة دنقلا لحكمها بالسجن في مواجهة دكتور أحمد الشفا لمدة عامين والغرامة، في وقائع محكمة تمسك بها المصباح واختار والد المرحوم هشام بيرم الظهور كشاهد دفاع عن المتهم الذي واجه تهمة الإساءة لابنه!!.

 

تظهر لغة منشور الثامن من يونيو الذي كتبه المصباح حدة وضحت من قوله بصريح العبارة دون مواربة: “ونلفت الانتباه إلى أن إعاقة سير العدالة يجر المظلومين للتعامل بقانون الغاب ويخلق حالة من الفوضى لأخذ الثأر خارج الإطار القانوني والتي لا نحبذها بل نرفضها ونمقتها”، وختم ذلك المنشور قائلاً: “حكِّموا القانون.. فعدم تحكيمه يعني تحكيم من هو أقوى، وإننا نتمسك بحقنا الشرعي وقدرتنا على رد اعتبار إخوتنا وشهدائنا، والسلام على من يحب السلام واللبيب من اتقى غضب الحليم”. يلاحظ هنا استخدامه لعبارات على شاكلة “أخذ الثأر”!!.

 

البحث عن الدوافع

 

ظلت دوافع المصباح وردة فعله الشخصي ثم الجماعي للمليشيا التي يقودها حيال هذه القضية في كل مراحلها محاطه بتفسيرات متباينة ومختلفة، زاد من غموضها وارتباكها ظهور والد المرحوم هشام بيرم في القضية ليس كشاهد اتهام لصالح الجهة التي تولت فتح البلاغ، وإنما ليشهد لصالح خصمها دكتور الشفا!!. قد تثير هذه النقطة دهشة البعض لكنها الحقيقة وفقاً لما جاء في شهادته أمام المحكمة المدونة في وقائعها في الصفحات من (202) إلى (206)، وفقاً لما ورد في مرافعة الدفاع الختامية التي أودعت لمنضدة المحكمة: “أنا عافي عن المشكو ضده ومسامحو سواء قال الكلام أو ما قالو”.

 

طرحت جميع هذه المعطيات سؤالاً حول الدوافع والأسباب الحقيقية لكل من المصباح والمليشيا التي يقودها للإصرار على المضي قدماً في هذه القضية رغم موقف الأسرة صاحبة الحق الأصيل القانوني والشرعي في الضفة المعاكسة؟ وتجلى هذا الإصرار في نقض اتفاق الصلح الأهلي الذي تم حول هذا الأمر ووصولاً للضغط على النيابة والقضاء لإصدار هذا الحكم. وتظل هذه الوقائع تحتاج لتفسيرات تبرر وتشرح ملابسات استعصى فهمها في وقائع هذه القضية.

 

دور بالوكالة.. أم بالأصالة؟

 

ظلت التفسيرات المرتبطة بمسار هذه القضية وتفسير تحليل ردود الفعل مليشيا البراء على الدوام فاقدة لحلقة غائبة بلا إجابة أو تفسير لأسباب التمسك بالتصعيد “والدافع الأساسي والمحرك الرئيسي للقضية”، في كل مراحلها منذ الترويج والتعبئة وفتح البلاغ وصولاً إلى التوصل لاتفاق مشترك بمبادرة من المقاومة الشعبية قضى بإنهاء الأمر بشكل ودي.

 

خلف الكواليس تحركت أصابع جهة كانت مجهولة “دفعت بالقضية صوب القضاء ضاربة عرض الحائط باتفاق الصلح”، تولت مهمة التحشيد والاستعراض العسكري في الجلسة الأولى لإرهاب الجميع بما في ذلك القضاء، ثم ظهر تهديد بعد سحب ملف القضية بعد عدة أشهر يهدد بـ”أخذ الثأر” وظهور تحشيدات في جلسة النطق بالحكم.. هذه مواصفات جهة أو شخص صاحبة قرار داخل المليشيا ونافذة في المشهد العام.

السياق العام أظهر المصباح أبوزيد بوصفه المنفذ لهذا الإجراء والمحرك للمشهد، فبحكم تراتبيته القيادية تم نقض اتفاق الصلح والدفع بالبلاغ صوب المحكمة، وذات الصفة منحته إمكانية الحشد في الجلسة الأولى والنطق بالحكم، وتولي مهمة الضغط لإعادة أوراق القضية للمحكمة مجدداً. ورغم هذه النتيجة التي باتت واضحة للعيان منذ منشوره في الثامن من يونيو الماضي فقد طُرح سؤال جديد: هل يتحرك المصباح في هذه القضية بالوكالة إنابة عن جهة أو شخص آخر؟ أم يقوم بتنفيذ هذا الدور بالأصالة عن نفسه؟!.

 

الخيط الأول

 

عند اطلاعي على مرافعة الدفاع التي أعدها فريق الدفاع بقيادة الأستاذ عماد الدين ميرغني سيد أحمد المحامي، التي أودعت منضدة المحكمة، استوقفتني مسألة تعدد الروايات حول ما حدث في صيدلية دكتور أحمد الشفا يوم 16 يوليو 2025م التي مثلت أساس البلاغ. ظهر في الرواية الأساسية لبلاغ الاتهام اسم وصفة المصباح أبوزيد في أكثر من موضع، كان أبرزها ما ذكره شاهد الاتهام الأول ويدعى حمزة – حسب ما جاء في مرافعة الدفاع نقلاً عن وقائع المحكمة ويومية التحري بقوله إنه حضر لصيدلية الدكتور أحمد الشفا في ذات اليوم لشراء دواء، وكان هناك أحد الأشخاص –لاحقاً هو نفسه شاهد الدفاع الأول عن المتهم- يبلغه بعزاء هشام بيرم الذي تربطه صلة قرابة بوالده، مبيناً أن المتهم حينما تم إبلاغه بمقتل هشام بيرم قال: “حشرة كبيرة عقبال المصباح”!!.

 

لكن بالعودة لإفادة شاهد الدفاع الأول الذي دار الحديث بينه وبين المتهم لم يذكر تلك العبارة التي أوردها شاهد الاتهام الأول، وقال نصاً في ص (85) من وقائع المحكمة: “المتهم ما قال المرحوم حشرة”. أما تفاصيل ما دار فقد سرده في جزئيات سابقة من إفادته أمام المحكمة حيث جاء في الصفحات (74) و(75) من مضابط المحكمة بأن شاهد الدفاع الأول قال للمتهم دكتور الشفا: “أنا قلت للمتهم إنو المرحوم شاب مسكين في مقتبل العمر الواحد يتأثر للحتة”، ورد عليه طبقاً لشهادته بالقول: “زي ديل يتوفوا والكبار يجوا عشان يحكموا”، أما الجزئية الأهم من تلك الشهادة بأن “مستوى الصوت كان منخفض وونسة عادية وما في زول خارج الصيدلية بيسمع الكلام ده”.

 

أوردت مرافعة الدفاع عن مفوض مليشيا البراء بن مالك واسمه عثمان أبوعبيدة عثمان، ونقلاً عن أقواله في الصفحة رقم (8) قوله إن المتهم “أساء للشهيد”، وإنه قال أيضاً: “المصباح يكون قاعد في مصر وأولادنا يموتوا في السودان”، وهو ما اعتبره مفوض الشاكي بأن “المصباح قاعد في مصر وأولادنا يموتوا فيهو تحريض للجنود، وفيهو تأليب سلبي للمواطنين برضو والمجتمع يرى إنو في تقصير في حق الشهيد”، وأضاف في ص (15) قائلاً: “معروف إنو المصباح كان في مصر وهو شخصية عامة”.

 

أوردت ذات المرافعة نقلاً عن شاهدَي الاتهام الثاني محمد الياس –وهو مسؤول التدريب الذي أُلقي القبض عليه في وقت لاحق بتهمة التورط في شبكة لتهريب الذخائر وبيعها للدعم السريع قبل أن تتم تبرئته ومعاقبته بالذهاب لإحدى الخلاوي لحفظ أجزاء من القرآن حسب فيديو متداول لشخصه- بجانب شاهد الاتهام الثالث خلال وقائع المحكمة إفاداتهما بأنهم أبلغوا بأن أحد سكان دنقلا وجَّه إساءات لكل من “الشهيد” والمصباح والإساءة شخصية للمصباح وللمتوفى”. أما الملاحظة الأبرز فهي أن هذين الشاهدين الثاني والثالث للاتهام قدما إفادة سمعية نقلت لهما ولم يكونا ضمن الحاضرين للواقعة.

 

أوردت مرافعة الدفاع عن شاهد الدفاع الرابع قوله إن حمزة –وهو شاهد الاتهام الأول في هذه القضية- هو المتسبب في القضية حينما أبلغ أسرة المرحوم بأنه أثناء دخوله إلى صيدلة دكتور أحمد الشفا لشراء دواء تصادف مع حدوث نقاش بين المتهم وشخص آخر –اتضح لاحقاً بأنه شاهد الدفاع الأول- وحصل نقاش تحدثوا عن استشهاد الشهيد هشام بيرم وتواجد المصباح في الإسكندرية. وفي هذا السياق من الضروري العودة لإفادات سابقة أوردها شاهد الدفاع الأول نشرت في موضع سابق من هذه المادة حول ما دار في ذلك الحوار.

 

محاولة إكمال الصورة

 

لنجمع تفاصيل الرواية كاملة بالحيثيات التي وردت في كل جوانبها: شاهد الدفاع الأول يدخل لصيدلية دكتور أحمد الشفا في يوم 16 يوليو 2025م ليبلغه بعزاء هشام عبدالمطلب “بيرم” ويدور نقاش بينهما الاثنين حول الأمر ومقتل الشباب في الحرب، ويظهر شاهد الاتهام الأول (حمزة) يستمع لحوار ونقاش بإفادة شاهد الدفاع الأول الذي دار الحديث بينه وبين المتهم دكتور أحمد الشفا “بصوت كان منخفض وونسة عادية ومافي زول خارج الصيدلية بيسمع الكلام ده”، ليحضر شاهد الاتهام الأول (حمزة) ويستمع للنقاش “المنخفض”.

 

يقوم (حمزة) بإبلاغ أسرة المرحوم بتلك الإساءة، كما قام بإبلاغ منسوبي وقيادة مليشيا البراء بالأمر، والتي قررت بدورها –أي مليشيا البراء- بتفويض عثمان أبوعبيدة بفتح البلاغ، ويتم نشر صورة الشفا ورقم عربيته والطلب من الارتكازات القبض عليه بوصفه متهماً هارباً. وصل المتهم للقسم وتم التحري معه وإطلاق سراحه بالضمانة، وقرر بعد التشاور القانوني فتح بلاغ في مواجهة منسوبين لمليشيا البراء بن مالك بسبب نشرهم مقاطع فيديو وصور لشخصه والتحريض عليه.

 

تقرر المقاومة الشعبية التدخل وتعقد جلسة صلح انتهت بالتوصل لصيغة تقضي بشطب الشاكي –وهي مليشيا البراء- للشكوى المقدمة صلحاً، على أن يمتنع المشكو ضده دكتور الشفا عن تقيد أي بلاغات في مواجهة منسوبين للطرف الشاكي، ونص الاتفاق على إبلاغ منسوبي مليشيا البراء بن مالك بفحوى الصلح والالتزام به.

 

تدخلت جهة ما “مجهولة” وقررت نقض ما تم الاتفاق عليه وحركت الإجراءات عبر إحالة أوراق القضية، حيث تم إبلاغ المتهم بانعقاد الجلسة الأولى لمحاكمته في يوم 14 يناير الماضي، وعند حضوره إلى مقر المحاكمة فوجئ بحشد كبير وتشكيل مسلح طوَّق المحكمة من داخلها وخارجها مما خلق جواً من الترهيب في المحكمة وداخل قاعتها، وهو الأمر الذي تسبب في حملة تضامن واسعة عبر بيان موقع من (104) شخصية من القانونيين والصحفيين والحقوقيين والسياسيين والشخصيات العامة رفضاً لهذه الممارسات، ما نتج عنه إرغام منسوبي المليشيا وعدم حضورهم مجدداً بالمظاهر العسكرية لمقر المحكمة.

 

استمرت القضية التي حظيت بمتابعة إعلامية وشعبية واسعة قدم فيها الاتهام (3) شهود بجانب مفوض الشاكي، فيما قدم فريق الدفاع (7) شهود من بينهم والد المرحوم نفسه الذي قال خلال إفاداته للمحكمة إنه “عافي عن المشكو ضده ومسامحو سواء قال الكلام أو ما قالو”.

حددت المحكمة جلسة يوم 15 أبريل الماضي للنطق بالحكم إلا أن النيابة العامة وعملاً بسلطاتها المخولة لها بموجب أحكام المادة (58) من القانون الجنائي لسنة 1991م قامت بسحب ملف القضية، الأمر الذي اعتبره القانونيون بأنه إنهاء للقضية، قبل أن تعود مجدداً لمنضدة المحكمة بعد تعليق المصباح أبوزيد المنشور في 8 يونيو الماضي، ثم خبره المنشور في 25 يونيو الماضي بإعادة أوراق القضية إلى المحكمة، وصولاً لتحديد جلسة 29 يونيو وتأجيلها إلى يوم 30 يونيو ليصدر حكم الإدانة في مواجهة دكتور أحمد الشفا.

 

الفاعل والدوافع

 

بالنظر لكل الوقائع المرتبطة بالقضية وتفاعلاتها يبرز قائد مليشيا البراء بن مالك “المصباح أبوزيد طلحة” باعتباره متصلاً بشكل أساسي بتحريك خيوط ملف هذه القضية في الخفاء، قبل ظهوره العلني في الثامن من يونيو الماضي وتوجيهه لعناصر الإسناد الخاصة بحضور المحكمة، ولعل هذا يفسر حضور تلك العناصر وتصوير وتوثيق المحاكمة.

 

هنا قد يطرح تساؤل: ما هو دافع المصباح الذي دعاه للخروج العلني في الثامن من يونيو؟! الإجابة تظهرها وقائع الاتهام المقدمة وشهادات الشهود وما نُقل إليه بوصفه بـ”حشرة” أو “تواجده في مصر في حين يموت الآخرين ليحكم”، وهي مقولات مسته شخصياً بشكل مباشر وتتطلب “الثأر” من قائلها، وفي خضم ذلك نسي أن أصحاب الحق في البلاغ وتدوينه هم أسرة المرحوم الذين كانوا خصوماً له في جلسات المحكمة ممثلين في والد بيرم وليسوا سنداً له.

 

ستقودنا تلك المعطيات لاستكمال تفاصيل ظلت مبهمة وخفية في هذه القضية أشرنا إليها سابقاً، ولذلك عند تعبئة الشواغر واستكمال الحلقات الناقصة فإن الشخصية القيادية التي تمتلك سلطة الأمر والتوجيه النهائي في مليشيا البراء بن مالك والموجِّه الحقيقي لفتح البلاغ والمقوض لاتفاق الصلح والموجِّه لعناصر المليشيا بالحشد في جلسة 14 يناير 2025م هو ذات الشخص الذي ظهر في يوم الثامن من يونيو الماضي مهدداً بالثأر وأخذ الحق بالقوة واليد إذا ما عجز القضاء عن الفصل في هذه القضية، ثم هو ذاته الذي دعا عناصر الإسناد الخاص للاحتشاد والاستعراض في جلسة النطق بالحكم.. هذا الشخص هو “المصباح أبوزيد طلحة” قائد مليشيا البراء بن مالك نفسه وليس أي شخص سواه. أما من أراد أن يعرف دوافعه من ذلك فإن إعادة قراءة السطور السابقة ستقدم الإجابة الكافية والشرح الوافي لهذه الحيثيات المسنودة بالوقائع والحقائق المذكورة أعلاه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *