«رواق الوراقين» مساحة لإعادة بناء الإنسان السوداني
كمبالا: ملاك جمال بلة
في وقت فرضت فيه الحرب السودانية واقعًا جديدًا على مئات الآلاف من السودانيين الذين وجدوا أنفسهم موزعين بين دول اللجوء، لم تتوقف الحاجة إلى الكتاب والثقافة والمعرفة، رغم ثقل الهموم اليومية المتعلقة بالسكن والعمل وتأمين سبل العيش. وفي العاصمة الأوغندية كمبالا، برزت مبادرة «رواق الوراقين» بوصفها واحدة من المبادرات الثقافية التي تسعى إلى إعادة الحياة إلى المشهد الثقافي السوداني في المهجر، عبر تنظيم فعاليات شهرية للكتب، وجلسات للنقاش، ومساحات للحوار بين القراء والكتاب والباحثين والفنانين.
في هذا الحوار، يتحدث جوليوس الجيلي، عضو مبادرة «رواق الوراقين»، عن فكرة المبادرة، وأسباب إطلاقها، ودور الثقافة في حياة اللاجئين، والتحديات التي تواجه العمل الثقافي في أوغندا، إضافة إلى رؤيته لمستقبل المبادرة ورسالتها للسودانيين في المهجر.
(ديسمبر): بدايةً، كيف وُلدت فكرة مبادرة «رواق الوراقين» في كمبالا، وما الذي دفعكم إلى إطلاقها؟
الفكرة لم تأتِ من فراغ، بل كانت امتدادًا لمحاولات بدأناها خلال العام الماضي ضمن تحالف المعرفة، وهو إطار جمع عددًا من المنظمات العاملة في قطاع المعرفة، إلى جانب كتّاب ومثقفين ومهتمين بالشأن الثقافي. وقد نجح التحالف في تنظيم فعالية «مفروش» ثلاث مرات، وكان الهدف أن تتحول إلى فعالية شهرية ثابتة، إلا أن التحالف لم يتمكن منذ مايو الماضي من تنظيم أي نشاط جديد.
لاحظنا أن التجربة توقفت رغم نجاحها، وكان السبب، في تقديري، يعود إلى طبيعة التحالف نفسه، إذ كان يضم مؤسسات متعددة وله هيكل تنظيمي، الأمر الذي جعل اتخاذ القرار أكثر بطئًا وتعقيدًا، وأدخل العمل في دائرة من البيروقراطية.
من هنا جاءت فكرة «رواق الوراقين»؛ مبادرة ينطلق فيها العمل من الأفراد وليس المؤسسات، بما يمنحها مرونة أكبر في اتخاذ القرار وتنفيذ الأنشطة. بدأنا بمجموعة صغيرة من المتطوعين، ثم فتحنا الباب أمام كل من يؤمن بأهمية المعرفة والكتاب للمشاركة، لأننا نعتقد أن العمل الثقافي يحتاج إلى المبادرة أكثر من حاجته إلى الهياكل المعقدة.
(ديسمبر): كيف أثرت تجربة اللجوء على رؤيتكم لإنشاء مبادرة ثقافية تهتم بالكتاب والمعرفة؟
اللجوء غيّر حياة السودانيين بصورة جذرية، لكنه لم يلغِ احتياجهم إلى المعرفة. كثيرون فقدوا مكتباتهم الشخصية، وانقطعت صلتهم بالندوات والفعاليات الثقافية التي كانوا يشاركون فيها داخل السودان، لكن الإنسان لا يعيش بالاحتياجات المادية وحدها.
من هذا المنطلق جاءت المبادرة لتعيد الناس إلى الكتاب، وتوفر مساحة للنقاش الفكري. صحيح أن الحرب جعلت معظم النقاشات تدور حول السياسة والأحداث اليومية، وهذا أمر طبيعي، لكننا نحاول أن نقدم نقاشًا أكثر عمقًا، يعتمد على القراءة والبحث والتأسيس النظري.
في السودان نعاني، في رأيي، من أزمة حقيقية تتمثل في ضعف الاهتمام بالمعرفة كأساس للممارسة السياسية والعمل المدني. لدينا عشرات المنظمات، لكن القليل منها يهتم بالإنتاج المعرفي أو الدراسات، وحتى الأحزاب السياسية لا تمتلك في الغالب مراكز بحث فاعلة. لذلك نريد أن نعيد الاعتبار للمعرفة باعتبارها أساسًا لأي مشروع للتغيير.
(ديسمبر): ما الرسالة التي تسعون إلى إيصالها من خلال «رواق الوراقين» داخل المجتمع السوداني في أوغندا؟
رسالتنا الأساسية هي أن المعرفة لا تتوقف مهما كانت الظروف. صحيح أن اللاجئ ينشغل بقضايا السكن والعمل والمعيشة، لكن ذلك لا يعني أن القراءة والكتابة تصبحان ترفًا.
نريد أن يكون «رواق الوراقين» مساحة يلتقي فيها القراء والكتاب والباحثون والفنانون، ويتبادلون الكتب والأفكار والخبرات، لأن المجتمع الذي يحافظ على علاقته بالمعرفة يكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وبناء مستقبله.
(ديسمبر): كيف استقبل السودانيون في كمبالا المبادرة منذ انطلاقتها؟ وما حجم التفاعل؟
بصراحة، حجم التفاعل فاق توقعاتنا. منذ الإعلان عن فعالية «مفروش»، التي تضمنت معرضًا للكتاب وركنًا لتبادل الكتب، لمسنا اهتمامًا كبيرًا من السودانيين.
وفي الخامس من يوليو، وهو موعد الفعالية الأولى، استأجرنا سبعين كرسيًا، لكن الحضور تجاوز المئة شخص، واضطررنا إلى التعامل مع أعداد أكبر مما خططنا له.
كما شهدت جلسة النقاش الأولى، التي حملت عنوان «الكتابة والواقع والتحولات»، تفاعلًا لافتًا، إذ ناقش الحضور تأثير الحرب على الكتابة والإبداع، وعلى علاقة القارئ بالنصوص في زمن الأزمات. هذا الإقبال أكد لنا أن هناك تعطشًا حقيقيًا لمثل هذه الفعاليات.
(ديسمبر): في ظل ظروف اللجوء، ما أهمية الحفاظ على النشاط الثقافي والمعرفي بالنسبة للسودانيين؟
أعتقد أن الأنشطة الثقافية تساعد الناس على استعادة جزء من حياتهم الطبيعية. كما تمنحهم مساحة للتعبير والتعلم والحوار، وهي أمور يحتاج إليها أي مجتمع يعيش ظروفًا استثنائية.
القراءة لا توسع المعرفة فقط، بل تساعدنا أيضًا على فهم ما نعيشه اليوم في ضوء تجارب الماضي. عندما نقرأ التاريخ السياسي والاجتماعي للسودان، نفهم جذور كثير من الأزمات، ونصبح أكثر قدرة على التفكير في المستقبل.
صحيح أن اللجوء يجعل الإنسان منشغلًا بتأمين احتياجاته اليومية، لكن الثقافة تذكره بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن توفير احتياجاته المعيشية.
ومن ناحية أخرى، فإن هذه الأنشطة تعزز التماسك الاجتماعي. الحرب أضعفت العلاقات بين السودانيين، وانتشر خطاب الكراهية والاستقطاب بصورة مقلقة. أما الفعل الثقافي، فهو يجمع الناس على أساس أنهم سودانيون، مهما اختلفت مناطقهم أو انتماءاتهم أو أفكارهم.
يمكن أن نختلف في فهم الحداثة، أو في قراءة مدرسة فرانكفورت، أو في تفسير أفكار إدوارد سعيد، لكن الاختلاف الفكري لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو عنف. الحوار هو الطريق الطبيعي لإدارة الاختلاف، والثقافة تساعدنا على ترسيخ هذه القيمة.
(ديسمبر): ما أبرز التحديات التي واجهتكم في تأسيس واستمرار المبادرة؟
التحدي الأول كان توفير الكتب، لأن أوغندا لا تضم مكتبات عربية أو دور نشر عربية يمكن الاعتماد عليها بصورة منتظمة. لذلك بدأنا بالتواصل مع دور نشر ومكتبات في مصر وجنوب السودان وغيرها، حتى نتمكن من توفير الكتب وإشراكها في الفعاليات.
كما أن المبادرة تعتمد بالكامل على العمل التطوعي، وجميع الأعضاء لديهم وظائفهم والتزاماتهم الخاصة، بينما يحتاج تنظيم الفعاليات إلى وقت وجهد كبيرين، بدءًا من اختيار المكان والتنسيق مع المشاركين، وحتى الترتيبات الفنية والإعلامية.
هناك أيضًا تحديات مالية، لأننا نحرص على أن تكون الفعاليات مجانية ومفتوحة للجميع، في الوقت الذي نتحمل فيه تكاليف استئجار المكان والكراسي والمعدات.
لكن الإقبال الكبير على الفعالية الأولى، ومشاركة القراء والكتاب والفنانين، منحنا دفعة معنوية كبيرة للاستمرار.
(ديسمبر): هل تقتصر أنشطتكم على السودانيين، أم أنكم تسعون أيضًا إلى الانفتاح على المجتمع الأوغندي والجاليات الأخرى؟
المبادرة انطلقت استجابة لحاجة داخل المجتمع السوداني، لكنها ليست مغلقة عليه.
نحن نرحب بمشاركة المجتمع الأوغندي والجاليات الأخرى، ونسعى إلى إقامة فعاليات مشتركة مع المكتبات والمؤسسات الثقافية والكتاب في أوغندا.
في النسخ الماضية شارك بالفعل بعض الأوغنديين بعروض كتب باللغة الإنجليزية، ونأمل أن تتوسع هذه المشاركات مستقبلًا، لأن المعرفة بطبيعتها تتجاوز الحدود.
(ديسمبر): كيف ترون دور الكتاب والثقافة في دعم التماسك النفسي والاجتماعي للاجئين؟
لا أجيب هنا بصفتي متخصصًا في علم النفس، وإنما بصفتي قارئًا وصحفيًا عاش تجربة الحرب واللجوء.
أعتقد أن القراءة، وأحيانًا الكتابة، يمكن أن تكون وسيلة تساعد الإنسان على إعادة ترتيب أفكاره ومواجهة الضغوط النفسية.
أنا لا أرى القراءة وسيلة للهروب من الواقع، بل وسيلة لفهمه بصورة أفضل. عندما نقرأ عن شعوب مرت بالحروب والنزوح، ندرك أن معاناتنا ليست استثناءً، وأن هناك تجارب إنسانية يمكن أن نتعلم منها.
كما أن اللقاء حول كتاب أو رواية أو فكرة يخلق علاقات إنسانية تتجاوز مجرد تبادل الآراء، ويكسر عزلة اللجوء، ويمنح الناس شعورًا بالانتماء إلى مجتمع يتشارك الاهتمامات نفسها.
هذا، في رأيي، أحد أهم الأدوار التي يمكن أن يؤديها «رواق الوراقين».
(ديسمبر): ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المبادرات الثقافية في الحفاظ على الهوية السودانية بعيدًا عن الوطن؟
أعتقد أن تجربة الشتات تطرح سؤالًا أساسيًا: كيف نحافظ على هويتنا، وفي الوقت نفسه ننفتح على المجتمعات التي نعيش فيها؟
الإجابة تكمن في الثقافة. فهي التي تحفظ اللغة، والذاكرة، والأدب، والفنون، والعادات، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال للحوار مع الآخرين.
بالنسبة للسودانيين، ومع موجات اللجوء الواسعة التي فرضتها الحرب، أصبحت المبادرات الثقافية ضرورة أكثر من كونها نشاطًا ترفيهيًا. فهي تساعد على قراءة الأدب السوداني، واستضافة الكتاب، والاحتفاء بالفنون، وإبقاء الذاكرة الثقافية حية.
وفي المقابل، ينبغي ألا تكون هذه المبادرات منغلقة، بل يجب أن تنفتح على المجتمع الأوغندي والجاليات الأخرى، لأن الثقافة تزدهر بالتفاعل، ونحن جزء من الفضاء الأفريقي بقدر ما نحن جزء من فضاءات ثقافية أخرى.
(ديسمبر): ما خططكم المستقبلية لتطوير المبادرة وتوسيع أثرها؟
نعمل حاليًا على أن تصبح فعالية «مفروش» موعدًا شهريًا ثابتًا يقام في الأحد الأول من كل شهر، مع توسيع المشاركة لتشمل مزيدًا من دور النشر والكتاب والفنانين.
كما نفكر في إطلاق جلسات قراءة، وورش عمل، وبناء شراكات مع المؤسسات الثقافية داخل أوغندا وخارجها، حتى يتحول «رواق الوراقين» إلى منصة ثقافية مستمرة لا تقتصر على فعالية واحدة.
(ديسمبر): في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها للسودانيين في المهجر وللمؤسسات الداعمة؟
رسالتي إلى السودانيين في المهجر هي ألا يقطعوا صلتهم بالكتاب والمعرفة، وأن يشاركوا في المبادرات الثقافية، لأن هذه المبادرات لا تبنى بجهد أفراد، وإنما بمساهمة المجتمع كله. كل شخص يستطيع أن يشارك بكتاب، أو فكرة، أو وقت، أو حتى بالحضور.
أما رسالتي إلى المؤسسات الداعمة، فهي أن تنظر إلى الثقافة باعتبارها استثمارًا طويل الأمد في الإنسان. فالمبادرات الثقافية لا توفر المعرفة فقط، بل تعزز التماسك الاجتماعي، وتحافظ على الهوية، وتفتح أمام الشباب مساحات للإبداع والمشاركة.
وأتمنى أن تصبح المبادرات الثقافية جزءًا ثابتًا من حياة السودانيين في المهجر، وأن تتحول إلى جسور تربطهم ببعضهم بعضاً، وتبقي صلتهم بوطنهم حية، حتى يأتي اليوم الذي نعود فيه بهذه التجارب إلى السودان، ونواصل بناء حياة ثقافية أكثر اتساعًا وحيوية.