محمد الشابك
في صباح السبت العاشر من أكتوبر 2026، وعمال التعدين يتهيأون لوردية الصباح، وبعضهم قد سبق إلى حفرته تحت الأرض، حلّقت طائرات الموت فوق رؤوسهم في شمال الوادي. كانوا في أرض حسبوها بلادهم، يتحركون فيها بلا قيود ولا تأشيرات، بعد أن ضاقت منافي اللجوء ومواطن النزوح بذويهم في الخارج والداخل. ذهبوا إلى حيث الجبل ولظى الشمس الحارقة والعقارب والعطش، وانتهى الصباح كما تنتهي صباحات كثيرة في بلادنا هذه الأيام: بحساب لم يتفق عليه أحد. اثنان وسبعون قتيلًا عند البعض، وأكثر من مئة عند آخرين، ومئتان عند بعض الناجين. وفرّ آلاف المعدنين إلى الكهوف والجبال، فاستحال العد، وكل رقم من هذه الأرقام ما زال ينتظر من يتحقق منه باستقلال.
أما المعتدي، الذي قصف صباحهم، فقد نُسب إليه بيان قال فيه إن الغارة أرادت إنهاء «فوضى الحدود»، وإنها المرحلة الثالثة من حملة كبرى لمجابهة «التنقيب غير المشروع عن خام الذهب». وأما سلطة الأمر الواقع فصمتت طويلًا، ثم خرجت، بعد الضغط، ببيان هزيل أسمت فيه الاعتداء «حادثًا أليمًا»، وادعت تشكيل لجنة تحقيق لا يعلم أحد حتى اللحظة ممّن تتألف، ولا اسم لرئيسها ولا لأحد من أعضائها.
وفي وسط هذا كله، حيث تتنازع الأرقام والبيانات الجثث والمكان، ثمة رقم صغير لم ينازعه أحد: «كيلتين إللات سمسم» و«أربعة جوالات عيش»، دَين في رقبة الطيب، أحد شهداء المجزرة، نطق به وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
الطيب، يتنازع الرواة اسمه في المواقع الإلكترونية، وكأن الدولة التي عجزت عن حفظ حياته عجزت أيضًا عن حفظ اسمه كاملًا. لكنه في الغالب الطيب الهادي أحمد حامد، من قرية أبو وتد شمال شرق كوستي بولاية النيل الأبيض، صبي في السادسة عشرة فقد والديه، فصار عائلًا لخمسة أشقاء أصغر منه: ثلاثة صبية هم عبد القادر وجلال ومصطفى، وفتاتان هما رقية وأم كلثوم، كبنتَي النبي محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.
رحل الطيب إلى الجبل يصبّ العرق وينحت الصخر ويسأل الحجر رزقًا حلالًا ليعين إخوته الأيتام، وودّع الدنيا بوصية لا تشبه وصايا الأثرياء: عفا عن إخوته وطلب منهم أن يعفوا عنه، وذكر أن لشخص عليه دَينًا هو كيلتان من السمسم، ولآخر أربعة جوالات من الذرة، وأن ما بقي معه من مال قليل يُتصدّق به عنه. لا أرض ولا عقار ولا ميراث ولا ثأر. ما حمل سلاحًا ضد السلطة ولا انتظم في مليشيا، ما رشا ولا ارتشى، وما شتم ولا انشتم، ما سرق ولا اختلس. كل ما حلم به أن يخدمه الحظ، وهو يحمل الصخور على ظهره الصغير، ببضع جرامات من الذهب يسد بها دَينه ويوفر الطعام لإخوته الأيتام.
«كيلتين إلّلات سمسم»، والكيلة في أسواقنا مكيال الحبوب الذي تُقاس به أرزاق الفقراء، لا يكاد يعرفه من اعتادوا حساب الذهب بالأطنان. وفي القرآن الكريم يرد الكيل والمكيال بمعاني الأمانة والتحذير من أكل حقوق الغير: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، وبمعاني العدل وإعطاء كل ذي حق حقه والوفاء بالعهود والديون: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. ولعل الطيب، على صغر عمره وكبر همته ونقاء سريرته، أدرك تلك المعاني، فلعله تقاسم حصاد السمسم مع أحد رفاقه ولم يسدّد له نصيبه، فحرص على إيفاء ذمته قبل الرحيل.
أما على الجانب الآخر من اقتصاد الذهب، فتشير التقديرات المتداولة إلى أن أكثر من مليوني شخص من رفاق الطيب يعملون في التعدين الأهلي، يستخرجون الحجر بأيديهم ويواجهون الموت في الحفر بسبب الانهيارات والمرض والجوع وشظف العيش. ففي سبتمبر الماضي، انتشل الأهالي اثنين وثمانين جثمانًا إثر انهيار منجم الزرعة قرب النهود، وقبل أسابيع قليلة قُتل عشرة أشخاص على الأقل في انهيار بالولاية الشمالية، ثم جاء اعتداء الطائرات، للمرة الثانية منذ يونيو الماضي، ليستهدف الناجين فوق الأرض.
ومعلوم أن طرفي حرب السودان يمولان صراعهما من الذهب، الذي تحوّل إلى لعنة بدلًا من أن يكون نعمة. وبينما تؤكد شركة الموارد المعدنية، الذراع الفنية لوزارة المعادن، بلوغ الإنتاج سبعين طنًا في العام 2025، تكشف بيانات بنك السودان المركزي أن ما صُدّر عبر القنوات الرسمية لم يتجاوز 14.5 طنًا. وقد دفعت هذه الحقائق وما يحيط بتجارة الذهب السوداني من شبهات، الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على استيراده وتصديره في يوليو الماضي، قبل أن تفرض سويسرا في سبتمبر حظرًا واسعًا عليه. وأعلن المجلس الاتحادي السويسري، اعتبارًا من 10 سبتمبر، منع شراء الذهب السوداني واستيراده وعبوره عبر الأراضي السويسرية، إلى جانب حظر الخدمات والمساعدات المالية المرتبطة بهذه التجارة.
وما إن سقط الطيب ورفاقه حتى صمتت الدولة، وكأن دماءهم لا تعنيها في شيء. فكيلتا الطيب لا تساويان شيئًا في ميزان الغطاء السياسي. وشهداء المجزرة يتضرّجون بدمائهم، ظهر قائد الجيش، المرتَهن لمحاور الحرب، يشكّل لجنة لم يسمع أحد بأسماء أعضائها ولا مهامها، في مسعى لإطفاء الغضب المتصاعد حول حادثة الاعتداء. ولسنا بحاجة إلى تذكير أحد بمصير اللجان في السودان.
وقائد الجيش والحاكم بأمره يظهر في أقصى صور الملهاة، في اليوم نفسه الذي وقعت فيه الكارثة، وهو يلعب الورق مع جنوده. مشهد ما عاد يدهش أحدًا بقدر ما صار مثيرًا للملل والتندر عند كثيرين يقلق مضاجعهم، في مخيمات اللجوء والنزوح، مصير بلادهم ومستقبل أبنائهم، والحرب تواصل استعارها فيها. وبينما تُنتشل الجثث من الحفر، يطارد الرجل «التريندات»، ويقتحم بيوت الأعراس وميادين الكرة وحفلات الشباب، مبشّرًا بمزيد من الموت، باحثًا عن شعبية موهومة وحلم بالرئاسة، ولو على الجماجم والأشلاء.
وفي وسط الدمار والخراب، يدرك دعاة الحرب قبل معارضيها حجم ما خسرته البلاد. خسرت سيادتها وقد صارت أجواؤها مباحة، وأطرافها تتآكل، وقرارها رهينة لمحاور خارجية، وصار وقف الحرب معلقًا باتفاقها لا بإرادة أهلها. خسرت كرامتها حين يُقتل أبناؤها من الجو ولا تجد دولتهم وصفًا لقتلهم غير «حادث أليم». وخسرت مشروع الانتقال المدني الذي علّق عليه الملايين أحلامهم بعد ثورة ديسمبر، فتراجع الحلم أمام الرصاص. وعلى الأرض، اتسعت رقعة الدمار من الخرطوم إلى الجزيرة ودارفور وكردفان والنيل الأزرق، فأحياء بأكملها صارت أطلالًا، ومصانع ومستشفيات وجامعات ومتاحف وأرشيفات دُمّرت أو نُهبت، وانهارت الخدمات حتى لم يعد في مناطق واسعة ماء نظيف ولا كهرباء ولا دواء.
وأفرزت الحرب إحدى أكبر موجات النزوح في العالم، إذ اقتُلع 12 مليون مواطن سوداني من مساكنهم، داخل البلاد وخارجها، وتناثرت الأسر في مخيمات ومنافٍ لا تقل قسوة عما هربت منه، فصار «الموت في المنافي» عنوانًا آخر للمأساة. وأُعلنت المجاعة في عدة مناطق بتصنيف دولي، ومعها الكوليرا والحمى وسوء التغذية الذي ينهش الأطفال أولًا، فيما يبقى 8 ملايين طفل في عمر الدراسة خارج التعليم منذ سنوات. وانهارت قيمة العملة الوطنية حتى صار الأجر الشهري لا يشتري كيس عيش، وغلا كل شيء إلا حياة الإنسان. وبهذا كله، وُصف السودان بأنه مسرح أكبر أزمة إنسانية في تاريخ العالم المعاصر، وفوق هذا وذاك الهوان الذي أصاب الأمة بسبب رغبة قلة في حكم ظالم لم يعرفوا قدره ولم يتبوأوا مقامه.
أما الطيب ورفاقه، فإن آخر عهدهم بالدنيا كان صباحًا أكتوبريًا منّوا فيه أنفسهم ببعض الحظ، وببضعة قراريط من الذهب اللامع تسد دَينهم وتعين من تركوهم خلفهم. ولنا أن نتخيل ما مرّ بذهن الطيب في كهفه قبل لحظات من إصابته، وأزيز الطائرات يدوي فوقه والجبل يهتز تحته. لا نعلم كيف أصابته صواريخ الموت قبل أن يوصي بوصيته التي شاهدها الجميع، ولا نعلم كيف أُصيب. لكن لنطلق للخيال عنانه لنستكمل مشهد الحزن: ربما كان يختبئ في كهفه وفكّر في بيت أبيه الصغير وفرحة أشقائه الخمسة الصغار زمن عودته ليروا عجائب ما أخرجته يداه، وربما سأل الله حينها النجاة، على أمل العودة، وتعهد إن أنجاه الله هذه المرة أن يعود لإخوته ويتقاسم معهم شظف العيش بلين الرفقة، وربما تذكّر لعبه مع أطفال الحي في مطر الخريف، وحنان أختيه الصغيرتين رقية وأم كلثوم عليه. لكن الذي علمناه وسمعناه أن الطيب، بعدها، وهو يتهيأ للقاء ربه، قدّم على الخوف من الموت الخوفَ من حساب الآخرة. نظر إلى ميزانه في الساعة الأخيرة، فوجد فيه كيلتين من السمسم وأربعة جوالات عيش، فلم يطلب لنفسه عدالة ولا قصاصًا ولا سيادة، بل طلب العفو وأن تُردّ الحقوق إلى أهلها، وتصدّق بما بقي، لعلها تظلّه يوم المحشر.
ونعود إليك أيها الطيب في موضعك من التراب لنقول: عفونا عنك كما طلبت، فما عليك من دَين بعد اليوم. أما ما علينا فلا يعفينا منه عافٍ. فما السيادة التي تُرفع على الحدود إن لم يأمن فتى في أرضها وهو يحفر الصخر لسداد قوت إخوته الأيتام؟ وما الوزارة التي تصدر بيانات الفقر والعطالة وزيادة تعريفة الجمارك وتبشّر بالمزيد؟ وما الكرامة التي يُقتل أبناء الوطن بعضهم بعضًا من أجلها ويكبرون ويهلّلون؟ وما الأطنان التي تتباهى بها الإحصاءات والموازنات، وصبي يتيم في السادسة عشرة يحفر لها الذهب ثم يموت بثمنه ولا يجد مقعدًا في صف دراسة؟ وما لجان تقصي الحقائق بلا ميعاد؟ وما بيانات الإدانة التي تتزاحم على منصات السياسة؟ وما دبلوماسية التعازي بلا اعتراف؟ وما العصي التي تُهزّ، وما النياشين والأوسمة التي تُرصّع بها البدل العسكرية؟ وما الكرفتات والقبعات والبدل الأفرنجية والعمائم والملافح؟ وما حُلَل التشريف ومواكب استقبال السفراء وديباج السلطة؟ ولماذا يُقتل الطيب ورفاقه من أجل أصغر ما يحتاجه الحي ليبقى حيًا؟.
أفيدونا يا دعاة الحرب والذل والهوان! أما أنت يا طيب، فقد بكتك الملايين بحرقة، وبكاك كل من بقي في قلبه ضمير صاحٍ، وأرثيك بشعر محمد المكي إبراهيم:
من جمالك في الموت
يتخذ الورد زينته
والمواسم حناءها
والعصافير تترك توقيعها في رمالك
يقترب الموت
تفتقد الأبجدية أظافرها
تستعيد السماء طفولتها
وتعود إليك طفولتك الذاهبة