العدالة الانتقالية في السودان (10)

حتى لا ننسى… سجّلوا الضحايا

د.العبيد أحمد العبيد

 

بينما أكتب هذه السطور، تواصل الحرب السودانية توسيع دائرة الموت والخراب. يُقتل الناس في الأسواق، وتُضرب الأماكن التي لجأ إليها النازحون طلبًا للأمان، وتتعطل محطات الكهرباء التي تعتمد عليها المستشفيات وشبكات المياه ومصادر الرزق. لم تعد المسافة من جبهات القتال ضمانًا للنجاة. فقد جعلت المسيّرات مدنًا وقرى بعيدة أهدافًا ممكنة، ووسّعت قدرة المتحاربين على إيذاء المدنيين وتدمير شروط حياتهم.

 

حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في أكتوبر الماضي، من تصاعد الأذى اللاحق بالمدنيين جراء الهجمات الجوية، التي يُرجّح أن معظمها نُفّذ بمسيّرات مسلحة، وطالت الأسواق والأحياء السكنية ومواقع النزوح. وفي مطلع نوفمبر، توالت التقارير عن استهداف محطات الكهرباء في الدبة وأبو حمد ومناطق أخرى. ونسبت السلطات السودانية ومحامو الطوارئ هجمات إلى قوات الدعم السريع. وتظل مسؤولية كل هجوم بحاجة إلى تحقيق مستقل، لكن أثر تدمير هذه المرافق في حياة الناس واضح.

 

حين تتوقف الكهرباء، لا تقتصر الخسارة على المحولات والأسلاك. فقد يتوقف غسيل الكلى، وتفسد الأدوية، وتتعطل مضخات المياه والري. وربما يموت مريض بسبب انقطاع العلاج دون أن يظهر اسمه ضمن قتلى القصف. كيف نوثق هذه الخسائر؟ وكيف نحفظ أسماء الذين دفعوا ثمنها، بدلًا من أن يختفوا خلف عبارة عامة مثل «تدهور الأوضاع الإنسانية»؟

 

لا يمكن فصل المسؤولية عن هذه الحرب عن البرهان وحميدتي وقياداتهما وشبكات المصالح التي تسند قواتهما. والمطلوب إخضاع المسؤوليات، بما فيها مسؤولية القيادة، لتحقيق ومساءلة مستقلين. فقد وثقت بعثة تقصي الحقائق الأممية انتهاكات جسيمة ارتكبها الطرفان، بينها أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب. وإلى جانب وقف الجرائم وملاحقة مرتكبيها، أرى ضرورة البدء في إنشاء سجل سوداني للضحايا، حتى لا تغيب حقوقهم عن ترتيبات المستقبل.

 

دروس من اليمن

 

شاركت في ورشة مكثفة امتدت أربعة أيام، نظمها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تناولت تسجيل الضحايا في اليمن ضمن قضايا العدالة الانتقالية. وقد أشرت إلى اليمن في مناسبات عديدة، استنادًا إلى خبرتي الطويلة في العمل على حقوق الإنسان والعدالة هناك. وآمل أن أجد وقتًا أوسع للمقارنة بين التجربتين السودانية واليمنية في القضايا التي عملت وكتبت عنها؛ فمجال التعلم المتبادل واسع، وإن اختلفت السياقات.

 

تضع المواد التحضيرية لهذه المناقشات قضية الضحايا داخل تصور أوسع للعدالة، يجمع بين المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي. وهي تهتم بالخسائر الاقتصادية، وتعطل التعليم، والوصول إلى المياه والكهرباء، والمظالم السابقة للحرب. وتؤكد أهمية الاستماع إلى الناس في مناطقهم، وفهم اختلاف تجارب النساء والشباب والنازحين والفئات المهمشة، بدلًا من افتراض أن للضحايا جميعًا تجربة واحدة وأولويات متطابقة.

 

وتقدم منهجية التشاور درسًا عمليًا: أسئلة مشتركة تسمح بالمقارنة، وأسئلة محلية تكشف خصوصية كل منطقة، مع احترام وتيرة الحديث وحدود الإفصاح. فالموافقة على المقابلة لا تعني الموافقة على تسجيلها أو نشرها. ومن هنا، فإن تصميم السجل يبدأ بكيفية معاملة الإنسان الذي يروي تجربته، وبمقدار مشاركته في تحديد العدالة التي يريدها. وهذا اتجاه مهم للسودان، لا نموذج جاهز ننقله إليه.

 

لماذا نحتاج إلى سجل؟

 

قد يجيب البعض، بحق، بأن التسجيل ضروري للتعويض وتخليد الذكرى ومختلف تدابير جبر الضرر. لكنني أرى وظائف أخرى لا تقل أهمية. فقد شددت سابقًا على المشاركة الفعلية للضحايا في تشكيل سودان ما بعد الحرب. ويمكن للسجل أن يساعد على الوصول إلى جماعات جرى تجاهلها، وأن يجعل احتياجاتها حاضرة في النقاش حول السلام والدستور وإصلاح المؤسسات وأولويات الإنفاق.

 

ولا يعني ذلك أن السجل يمنح جهة واحدة حق التحدث باسم الجميع. فالضحايا أصحاب آراء ومصالح متنوعة، ومشاركتهم تحتاج إلى تنظيم وتمثيل ومساءلة. لكن المعرفة بمن تضرروا، وبأشكال الضرر وأماكنه واستمراره، تساعد على بناء مشاركة تتجاوز استدعاء عدد من الوجوه إلى مؤتمر، ثم وصف العملية بأنها تشاورية وشاملة.

 

ويمكن للمعلومات، بموافقة أصحابها وضمان حمايتها، أن تدعم الإحالة إلى العلاج والتأهيل والمساعدة النفسية والقانونية، واستعادة الوثائق، والبحث عن المفقودين، واسترداد الأراضي والممتلكات. كما يمكن أن تسند برامج للعودة إلى التعليم، والمنح الدراسية، والتدريب، واستعادة سبل العيش، مع إعطاء الأولوية، وفق معايير شفافة، للحالات الأشد احتياجًا، كالناجين ذوي الإعاقة، والأطفال، والأسر التي فقدت من يعولها.

 

هذه أولويات مقترحة لبرامج ينبغي تمويلها وتنظيمها، وليست وعودًا يستطيع السجل وحده الوفاء بها. ولا يجوز جعل التسجيل شرطًا للحصول على الطعام أو العلاج العاجل أو التعليم الأساسي. فالخدمات العامة حقوق للجميع، كما أن إعادة بناء مستشفى لا تعفي من معالجة الضرر الخاص الذي لحق بضحية التعذيب أو الاغتصاب. وينبغي أن تتكامل الإغاثة والتنمية وجبر الضرر، مع وضوح وظيفة كل منها.

 

وللتسجيل قيمة في مواجهة الإنكار أيضًا. فمن السهل تحويل قرية أُحرقت إلى خبر عابر، أو اختزال النازحين في رقم يتغير من تقرير إلى آخر. أما حفظ أسماء الناس وصلاتهم بالمكان وما فقدوه، فيتيح مساءلة الروايات التي تنكر وجودهم أو تصف ما جرى باعتباره نتيجة طبيعية للحرب. وليس المقصود تثبيت الناس إلى الأبد في هوية الضحية؛ فقد نجوا وقاوموا ونظموا المساعدة، ولهم تطلعات تتجاوز استعادة الماضي.

 

من هم الضحايا؟

 

نقول إننا جميعًا ضحايا، وهذا تعبير مفهوم عن اتساع الخراب. فقد أصابتنا خسارة الخدمات والأمان والدخل، وانتشرت المجاعة والأمراض. ولكن هذه العبارة لا تكفي لبناء سجل أو تصميم استجابة منصفة. فبيننا من قُتل أفراد أسرته، ومن تعرض للتعذيب أو الاغتصاب، ومن اختفى ابنه، ومن طُرد من أرضه مرارًا. إن تعميم وصف الضحية قد يمحو هذه التجارب بدلًا من الاعتراف بها.

 

التمييز بين الأضرار ليس مسابقة في الألم، وإنما ضرورة لفهم الحقوق والاستجابة لها. وتوفر المبادئ الأممية بشأن الانتصاف وجبر الضرر أساسًا لتعريف يشمل من أصابتهم، فرديًا أو جماعيًا، أضرار بسبب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني، بما فيها الإصابة والأذى النفسي والخسارة الاقتصادية والانتقاص الجسيم من الحقوق. ويمكن أن يشمل ذلك أفراد الأسرة والمعالين ومن تضرروا أثناء مساعدة الآخرين.

 

أقترح أن يتيح السجل السوداني استقبال ادعاءات الأفراد والجماعات بشأن أضرار محددة ترتبط بالنزاع أو القمع السياسي، داخل النطاق الزمني المعلن لكل مرحلة. ثم تُراجع الوقائع وفق معايير منشورة، مع الفصل بين تلقي الإفادة والتحقق منها وتحديد استحقاق تدبير معين لجبر الضرر. ولا ينبغي تعليق الاعتراف بالضحية على معرفة الجاني أو القبض عليه أو إدانته قضائيًا.

 

ويشمل ذلك القتل غير المشروع، والاختفاء القسري، والتعذيب والاحتجاز التعسفي، والعنف الجنسي، والاسترقاق، وتجنيد الأطفال، والتهجير القسري، والاضطهاد، والتدمير أو الاستيلاء غير المشروع على المنازل والأراضي ومصادر العيش، والإصابات الناجمة عن الاعتداءات والألغام. ويجب الاعتراف بحقوق الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب، وحماية خصوصيتهم وخصوصية أمهاتهم، وتسجيل الضرر الذي أصاب الأسر والمجتمعات دون اختزاله في إصابة فرد واحد.

 

أما انقطاع الخدمات، فيستدعي توثيق المرفق المتضرر والسكان المتأثرين والنتائج القابلة للتحديد، دون افتراض أن كل انقطاع يثبت وقوع جريمة، أو أن كل متضرر يستحق التدبير نفسه. كذلك لا تُقاس أهلية الضحية بالعرق أو الانتماء السياسي أو الجنسية أو هوية المعتدي. وحتى المتهم بارتكاب جريمة يحتفظ بحقوقه إذا تعرض للتعذيب؛ وتسجيل هذا الضرر لا يمنحه حصانة من المساءلة عن جرائمه.

 

وهنا تتصل هذه الحلقة بما ناقشته في الحلقتين السابقتين عن العنصرية وإنصاف النساء. فقد يعيد السجل إنتاج التمييز إذا كانت منافذ التسجيل أقرب إلى المدن والمقتدرين، أو إذا تولى تعريف الضرر أشخاص لا يرون معاناة جماعات بعينها. وقد تُسجل المرأة باعتبارها زوجة قتيل، بينما يغيب ما تعرضت له هي من عنف وفقدان للعمل والملكية. إن الاعتراف المستقل بحقوقها، والوصول إلى المهمشين بلغاتهم وفي أماكن وجودهم، جزء من نزاهة السجل نفسه.

 

من أين نبدأ؟

 

تعلمنا التجربتان الكولومبية والبيروفية أن السجل عملية اعتراف لها قواعد ومؤسسات ووسائل مراجعة، وأن قاعدة البيانات ليست سوى جزء منها. فتحديد الضحية، واستقلال القائمين بالتقييم، وإمكان الوصول إليهم، أمور تقرر من يظهر ومن يُستبعد. كما أن غياب المستندات، أو اختلاف كتابة الاسم، أو النزوح عبر الحدود، قد يتحول إلى عقبة تصنعها الإدارة إذا لم تُصمم الإجراءات بما يراعي ظروف المتضررين.

 

هل نبدأ منذ الاستقلال في عام 1956؟ ثمة مبررات قوية لفحص كامل تاريخ الانتهاكات في السودان، وربما جذورها الأقدم. لكن اشتراط إنجاز هذه المهمة كلها قبل البدء سيؤخر عملًا عاجلًا، بينما تضيع الوثائق ويموت الشهود وتتفرق الأسر. لذلك أقترح إطارًا وطنيًا قابلًا للتوسع، تُنفذ في إطاره مراحل واضحة، وتُحفظ بالتوازي المواد المتعلقة بالفترات التي لم يبدأ تقييمها بعد.

 

تكون الأولوية التشغيلية الأولى للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، في أنحاء السودان، وبين المتضررين الموجودين خارجه. ويبرر هذا البدء استمرار الانتهاكات والحاجة إلى المساعدة العاجلة. وبالتوازي، يُخصص مسار لدارفور منذ عام 2003، يشمل فظائع عامي 2003 و2004 وجرائم الإبادة موضوع الاتهامات الدولية، وما تلاها من تهجير وانتهاكات متجددة، دون اشتراط صدور حكم نهائي حتى يُسجل المتضررون.

 

ويجب ربط المسارين، حتى يظهر من هُجّر في دارفور قبل عقدين ثم اعتُدي عليه مجددًا بوصفه شخصًا له تاريخ متصل، مع تسجيل كل واقعة وضررها. وهذه البداية لا تجعل ضحايا جنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق أو القمع السياسي أقل استحقاقًا. ويلزم إعلان أسباب ترتيب الأولويات، والفجوات القائمة، وخطة التوسع ومواردها، ومراجعتها دوريًا بمشاركة ممثلي الضحايا، مع إتاحة حفظ الإفادات الأقدم حيثما أمكن.

وتكون الأولوية الثانية لضحايا ثورة ديسمبر المجيدة ثم ضحايا نظام الإنقاذ.. إلخ.

أما ضحايا الحروب في جنوب السودان قبل استقلاله، فلا تمحو حقوقهم الحدود الحالية أو تبدل الجنسية. ينبغي التعاون مع منظماتهم والجهات المعنية في جنوب السودان لحفظ السجلات وتحديد المسؤوليات. وتحتاج الانتهاكات اللاحقة للاستقلال إلى مسار منفصل ومنسق بحسب الاختصاص. المهم ألا تتحول الدعوة إلى سجل سوداني إلى إغفال تاريخ مشترك، أو إلى ادعاء الوصاية على ضحايا دولة أخرى.

 

ولا يكفي أن نكتب في وثيقة التأسيس أن السجل يشمل الجميع. يجب أن نعرف من لم يصل إليه، ومن يخشى التقدم، ومن رُفض طلبه ولم يستطع الاعتراض. فإذا تركزت التسجيلات في منطقة، فقد يعكس ذلك نشاط المنظمات فيها، وليس أنها الأكثر تضررًا. ونشر أرقام دون تفسير حدود الوصول قد يحول تفاوت القدرة على التوثيق إلى تفاوت جديد في الاعتراف والموارد.

 

المجتمع المدني يستطيع أن يبدأ

 

لا أعتقد أننا نستطيع التعويل على سلطات طرفي الحرب لإنشاء سجل مستقل يتجاوز مصالحهما وانحيازاتهما. ولا يجوز انتظار قيام مؤسسات تحظى بشرعية شعبية لكي نحفظ ما يُفقد اليوم. وكما دعوت إلى استمرار الجهود المدنية في رصد الانتهاكات، أرى ضرورة أن تبادر منظمات الضحايا وغرف الطوارئ والمنظمات النسوية والشبكات الطبية والمحامون والمهجرون إلى عمل منسق يمهد للتسجيل الرسمي مستقبلًا.

 

وكما ناقشت في الحلقة الرابعة، فإن الاستعداد للعدالة لا ينتظر اكتمال مؤسساتها؛ وحفظ أسماء الضحايا وتجاربهم أحد الأعمال التي نستطيع الشروع فيها اليوم، دون مصادرة المستقبل.

 

تبدأ المهمة بتشكيل ائتلاف مستقل، يشارك الضحايا في قراراته، ويعلن تمويله ومعايير عمله وتعارض المصالح فيه. ثم يتفق على التعريف والنطاق والأهداف وآليات الشكاوى والمراجعة، قبل شراء البرامج والأجهزة. وينبغي الفصل، بقدر الإمكان، بين من يتلقى الإفادة ومن يقيمها ومن ينظر في الاعتراض، وألا تكون شهادة حزب أو قائد محلي شرطًا لسماع الضحية.

 

بعد ذلك، تُحصر المبادرات والسجلات القائمة، وتُبرم ترتيبات لحفظ أصولها والتعاون معها، بدلًا من إجبار الناس على تكرار رواياتهم أمام كل منظمة. وتُوضع حقول أساسية تربط الشخص بالوقائع والأضرار والاحتياجات، مع توثيق مصادر المعلومات ودرجة التحقق منها. وتُراجع حالات التشابه والتكرار بعناية، دون دمج أشخاص مختلفين أو حذف رواية متعارضة لمجرد تسهيل العدّ وإنتاج أرقام تبدو متماسكة.

 

ثم تُختبر الإجراءات في مواقع متنوعة، تشمل مناطق النزوح والريف والمدن ومناطق وجود اللاجئين، وفق شروط السلامة. ويُدرّب الباحثون على المقابلات الحساسة، والتعامل مع الصدمات والعنف الجنسي وحقوق الأطفال والإعاقة، مع إتاحة اللغات المحلية ووسائل لا تتطلب الإنترنت. ولا يكون فقدان البطاقة أو التقرير الطبي سببًا تلقائيًا للرفض. المطلوب تحقق منصف يستعين بالسياق والقرائن، مع إتاحة حق التصحيح والاعتراض، وليس محاكمة للضحية.

 

وحماية البيانات شرط أساسي. تُفصل معلومات الهوية عن ملفات التحليل، ويُقيّد الوصول، وتُؤمّن النسخ الاحتياطية، وتُوضح أغراض الاستخدام وحدود السرية. وتُؤخذ موافقات منفصلة للإحالة إلى الخدمات، وللبحث، وللنشر التذكاري. فقولنا «سجّلوا الضحايا» لا يعني انشروا أسماء الناجيات وعناوين الأسر في قوائم مفتوحة. وقد يصبح السجل، إذا أُسيء تصميمه أو تسليمه، أداة للانتقام ممن قصد حمايتهم.

 

يمكن تخصيص الأشهر الثلاثة الأولى للتشاور وحصر المواد ووضع الضمانات، ثم ستة أشهر للتجريب والتقييم، يليها توسع تدريجي بحسب الموارد والأمان، بالتوازي مع حفظ أرشيف دارفور. هذه مواقيت للتخطيط، لا آجال تسقط بعدها حقوق المتأخرين. وعلى الائتلاف أن يوضح أنه يوثق ويمهد للاعتراف، ولا يملك سلطة منح تعويض حكومي أو إصدار حكم جنائي، وأن أي نقل لاحق للسجلات يحتاج إلى ضمانات قانونية ومشاركة أصحابها.

 

ويحتاج هذا كله إلى موارد مستقرة، لا إلى حملة إعلامية قصيرة. فالإنصات والتحقق والترجمة والتأمين والمتابعة أعمال تتطلب أشخاصًا مؤهلين وأجورًا وتدريبًا ورعاية لمن يتعاملون يوميًا مع شهادات مؤلمة. وينبغي ألا يحدد الممول من يستحق التسجيل أو أي انتهاك يستحق الظهور. وتستطيع الجهات الدولية تقديم الدعم الفني والمالي، مع بقاء القرار والمساءلة لدى هيئة مستقلة تشارك فيها منظمات الضحايا، ودون احتكار منظمة واحدة للمعرفة أو التمثيل.

 

كما يلزم أن يعرف المسجل ماذا حدث لإفادته، وكيف يصحح خطأ فيها، ولماذا تأخر تقييمها. فالاعتراف الذي نطالب به يبدأ من هذه المعاملة اليومية، ومن الامتناع عن استدعاء الناجين للشهادة ثم تركهم بلا جواب. ويمكن لرسالة واضحة ومحترمة أن تؤكد جدية العملية، بينما قد يهدم التجاهل ثقة بُنيت بصعوبة. لذلك ينبغي قياس النجاح بقدرة الناس على الوصول والاعتراض والمشاركة، وبحماية حقوقهم، لا بعدد الأسماء التي أُدخلت إلى الحاسوب وحده.

 

لن يوقف السجل مسيّرة، ولن يعيد من فقدناهم. لكنه يستطيع أن يقاوم محوهم من الذاكرة ومن قرارات التعافي، وأن يحفظ الصلة بين الاسم والحياة المنتهكة والحق المطلوب. آمل أن تلتقط منظمات المجتمع المدني السوداني هذه الدعوة، وتناقشها مع الضحايا وتبدأ العمل المشترك. ينبغي أن يدخلوا مستقبل السودان أصحاب حقوق وشركاء في صياغته، وأن نبدأ منذ الآن بحفظ السجل الذي يليق بهذه المكانة.

 

حرية، سلام، وعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *