رفض البرهان للتسوية: مأزق السلطة العسكرية وحدود المناورة

بقلم: السفير عادل إبراهيم مصطفى

رفضُ قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان لخطة “الرباعية” لا يمكن فهمه بوصفه مجرد اختلاف حول آليات الحل، بل هو تعبير صريح عن مأزق بنيوي تعيشه السلطة العسكرية الانقلابية في السودان، وكشف واضح لحدود قدرتها على المناورة السياسية، في ظل حرب مدمّرة وانهيار شامل لمؤسسات الدولة.

 

فالرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر) لا تمثل مشروعًا ثوريًا ولا انتقالًا ديمقراطيًا كاملًا، بل هي – في أحسن الأحوال – محاولة لفرض الحد الأدنى الممكن دوليًا: وقف الحرب، إطلاق مسار سياسي، ومنع الانهيار الإقليمي. ومع ذلك جاء الرفض العسكري قاطعًا، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن في تفاصيل الخطة، بل في جوهر أي مسار سياسي يحدّ من سلطة العسكر، أو يفتح باب المساءلة وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية.

 

يبدو واضحاً أن موقف البرهان وقيادات الجيش يرتكز على ثلاثة رهانات رئيسية. أولها الرهان على الحسم العسكري أو على عامل الزمن، انطلاقًا من افتراض أن الإرهاق الشعبي وتراجع الاهتمام الدولي قد يفرضان أمرًا واقعًا جديدًا. وثانيها الخضوع لتوازنات داخلية معقّدة داخل معسكر السلطة نفسه، حيث يشكّل الإخوان المسلمون وشبكات المصالح المرتبطة باقتصاد الحرب قوة ضغط حقيقية ترفض أي تسوية تهدّد نفوذها أو تعيد فتح ملفات الماضي.

 

أما الرهان الثالث، فيتمثل في إدراك قيادة الجيش أن أي تسوية جادة تعني بالضرورة تقليص الامتيازات ووضع السلاح تحت سلطة مدنية، وهو ما يُنظر إليه بوصفه تهديدًا وجوديًا لا مجرد تنازل سياسي. فالتسوية السياسية التي تقود إلى إصلاح المؤسسة العسكرية تعني فقدان الجيش لهيمنته على الاقتصاد، وحصر دوره في ما ينص عليه الدستور والقانون: الدفاع عن الوطن وحماية السيادة وضمان التداول السلمي للسلطة. وباختصار، فإن إصلاح الجيش يعني تجريده من وضعه كـ”دولة مسلحة داخل الدولة”، وتجريد الإسلاميين من احتكارهم التاريخي للعنف المنظم.

ولا يقف أثر هذا الانسداد السياسي عند حدود النخب الحاكمة، بل ينعكس مباشرة على حياة ملايين السودانيين الذين يدفعون كلفة الحرب يوميًا: مدن تُدمَّر، وقرى تُفرغ من سكانها، وملايين النازحين بلا مأوى أو أفق، واقتصاد ينهار، وخدمات أساسية تتلاشى. ومع كل يوم إضافي من إطالة أمد الصراع، لا تتآكل مؤسسات الدولة فحسب، بل ما تبقى من النسيج الاجتماعي وقدرة المجتمع نفسه على التعافي. وبهذا المعنى، فإن رفض أي مسار سياسي لا يعني تحديًا للضغوط الدولية فقط، بل إصرارًا على تحميل المجتمع السوداني ثمنًا وجوديًا متصاعدًا لا علاقة له بصراعات السلطة.

 

واقعيًا، تبدو فرص التسوية من داخل معسكر السلطة ضعيفة للغاية. فهي لن تتحقق بإرادة قيادة الجيش وحدها، بل فقط إذا توافرت عوامل ضغط قاهرة، مثل تصاعد الكلفة العسكرية والاقتصادية إلى مستويات غير محتملة، أو حدوث انقسام فعلي داخل المعسكر الحاكم، أو انتقال الموقف الإقليمي والدولي من الوساطة الناعمة إلى الضغط الصريح المشروط بالشرعية والدعم. وحتى الآن، لم تكتمل هذه الشروط، ما يجعل الحرب مرشحة للاستمرار، مع تآكل تدريجي في تماسك السلطة نفسها.

في مقابل هذا الانسداد، تبرز حقيقة أساسية: انتصار الثورة السودانية لا يتوقف على انقسام خصومها بقدر ما يتوقف على وحدة قواها. لقد شكّل غياب البديل المدني الموحد الذريعة الأبرز للانقلاب ثم للحرب، ولا يزال يمثل العائق الأكبر أمام ممارسة ضغط دولي حاسم لصالح التحول المدني. فلا المجتمع الدولي ولا الإقليم سيغامران بالذهاب بعيدًا في مواجهة العسكر ما لم يريا قيادة مدنية متماسكة، وبرنامجًا واقعيًا، وقدرة حقيقية على إدارة الدولة. ووحدة قوى الثورة هنا لا تعني إلغاء الخلافات، بل إدارتها داخل إطار سياسي ناضج يقوم على حد أدنى واضح: إنهاء الحرب، قيام سلطة مدنية كاملة، وبناء جيش وطني واحد خاضع للسلطة الدستورية.

وتتصاعد اليوم الخلافات داخل معسكر السلطة، لا سيما بين الإخوان المسلمين وحلفائهم من العسكريين، وهي خلافات مرشحة للتفاقم بحكم التناقض بين مشروع “دولة الحرب” الذي يسعى إليه الإسلاميون، ومشروع “دولة المصالح” الذي يفضله بعض شركائهم. غير أن انفجار هذه الصراعات لا يعني تلقائيًا انتصار الثورة، ففراغ السلطة قد يُملأ بالفوضى، أو بإعادة إنتاج الاستبداد، إذا لم تكن القوى الثورية جاهزة سياسيًا وتنظيميًا لملء هذا الفراغ.

إن رفض البرهان لخطة الرباعية يؤكد أن باب التسوية مغلق من أعلى، وأن الحرب ستستمر ما لم تُفرض معادلات جديدة. غير أن انهيار معسكر السلطة وحده لا يكفي. فالعامل الحاسم سيظل وحدة قوى الثورة وقدرتها على تقديم نفسها بوصفها ضرورة وطنية لا مفر منها.

فالثورة السودانية لن تنتصر بانتظار سقوط العسكر من تلقاء أنفسهم، بل بامتلاك مشروع سياسي موحد يملأ الفراغ، ويجبر الداخل والخارج على الاعتراف بأن لا استقرار للسودان إلا بسلطة مدنية كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *