قوة الرقائق وهيمنة الرقمنة: معضلة السيادة في القرن الحادي والعشرين
لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد
مستشار تكنولوجيا ونظم تحليل البيانات
“إننا إن لم نجلس حول الطاولة، فسوف نكون على قائمة الطعام”
مارك كارني
رئيس وزراء كندا
في خلال ثمانية أيام متصلة من الرابع وحتى الحادي عشر من فبراير 1945 التقى في يالطا بجزيرة القرم قادة العالم الثلاث الكبار آنداك، فرانكلين روزفلت – رئيس الولايات المتحدة، ونستون تشرشل – رئيس وزراء بريطانيا، وجوزيف ستالين – زعيم الاتحاد السوفيتي للإجابة على السؤال “كيف سيُعاد تنظيم العالم بعد الحرب؟” انتهى المؤتمر بإعلان بداية النظام الدولي لما بعد الحرب، وتأسيس الأمم المتحدة، وإعادة رسم الحدود الأوروبية، ومن ثم حدود العالم. كانت الدبلوماسية حينها لعبة خرائط، وحدود، ومناطق نفوذ تُقاس بالأميال المربعة.
وخلال مؤتمر دافوس في فبراير 2026، أطلق رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تحذيراً أن العالم لم يعُدْ ذلك العالم القديم، بل إن واقعاً جديداً بدأ يتشكل مدفوعاً بمفاهيم تمثل “الواقعية الجديدة” التي تتحكم في عالم اليوم. فقد أطلق السيد مارك كارني جملة اختصرت واقع النظام الدولي الجديد حين قال “على القوى المتوسطة أن تعمل معاً، لأننا إن لم نكن حول الطاولة، فسنكون حتماً على قائمة الطعام Middle powers must act together because if we’re not at the table, we’re on the menu”. هذه الاستعارة لا تشير فقط إلى صراع النفوذ التقليدي، بل تعكس القلق الوجودي للدول في عصر لم تعد فيه السيادة تُحفظ بقوة الدبلوماسية التقليدية، بل بالقدرة على حجز مقعد في قطار الثورة الرقمية السريع.
لم تعد الدبلوماسية اليوم تتفاوض على كيلومترات جغرافية، بل تتنافس على النانومترات. إن الفارق بين معالج بدقة 3 نانومتر وآخر بدقة 7 نانومتر بات يحدد سيادة الدولة وقدرتها الوطنية أكثر مما يفعله حجم جيشها النظامي. لقد انتقلنا من عالم يُفرض فيه النفوذ عبر احتلال الأرض إلى عالم يُفرض فيه النفوذ عبر السيطرة الرقمية.
العالم يتغير بإيقاع متسارع ولم يعد صراع المنهج الرأسمالي والاشتراكي هما المحرك، بل تعدته إلى أهم مفهوم سياسي في التاريخ: السيادة. لم يعد المواطن اليوم يخضع فقط لقوانين بلاده، بل يخضع بشكل يومي وأكثر تأثيراً لخوارزميات شركات مثل OpenAI وستارلينك ومزودي خدمات الحوسبة السحابية. هذه “السيادة الخاصة” هي التي تعيد رسم خريطة القوة في عام 2026، حيث لم يعد السؤال: “من يحكم الأرض؟”، بل “من يمتلك السحابة التي تظلل هذه الأرض؟”.
من القيم إلى المنفعة: التحول البراغماتي
لعقود مضت، اعتمدت دبلوماسية ما بعد الحرب الباردة بشكل كبير على أطر “قائمة على القيم” – حيث إن المثل الديمقراطية المشتركة هي المحفز الأساسي للتحالفات. ولكن اليوم ومع جرأة ووضوح نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، نشهد تحولاً متسارعاً نحو “الدبلوماسية القائمة على المنفعة”.
لم يعد التصنيف الموروث من حقبة اتفاقية يالطا هو الواقع السياسي الآن، فقد استبدل مصطلح دول العالم الثالث بما يعرف بالجنوب العالمي، وهو تصنيف غير جغرافي كما قد يتبادر من مسماه، ولكنه يشير لمجموعة الدول التي تشترك في خصائص متقاربة بغضِّ النظر عن موقعها الجغرافي. فدول الجنوب العالمي تشترك في أنها خضعت للاستعمار أو الإمبريالية في الماضي، مما أثر على هياكلها السياسية والاقتصادية، وأنها تواجه مستويات متفاوتة من التحديات في التنمية الاقتصادية، التصنيع، والبنية التحتية وتشعر بأن النظام الدولي الحالي (الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية) صُمم لخدمة مصالح القوى الاستعمارية.
في هذا العصر البراغماتي، انتهجت الدول بشكل متزايد سياسة “الانحياز المتعدد Multi-alignment”، فقد تصوِّت دولة ما مع معسكر في ملفات حقوق الإنسان، لكنها تشارك المعسكر المنافس في بناء بنية تحتية لشبكات الجيل الخامس (G5)، أو أدوات المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. أصبحت الدبلوماسية “سوقاً للمنفعة التقنية”، حيث المعايير هي:
- التوافق التشغيلي فوق الأيديولوجيا: هل يمكن لنظامك التقني أن يتكامل مع نظامي؟
- أمن الإمدادات: هل يمكنك ضمان تدفق المعادن النادرة والضرورية؟
- السيادة الرقمية: هل تسمح لي هذه الشراكة بالتحكم في بياناتي الخاصة وحركة الاتصالات؟
الصراع الرقمي: الإنترنت المجزأ ومعركة الجنوب العالمي
يتجلى هذا التحول بوضوح في ظاهرة “الإنترنت المجزأ” (Splinternet) – حيث ينقسم الإنترنت العالمي إلى كتل متنافسة تخضع لمعايير وتشريعات مختلفة. وفقاً لمفهوم الإنترنت المُجزّأ فإن الإنترنت العالمي يتحول إلى شبكات رقمية منفصلة تخضع لسيطرة دول أو شركات كبرى، بدلاً من كونه فضاءً مفتوحاً وعابراً للحدود. تحدث هذه التجزئة نتيجة لعوامل سياسية وتنظيمية وتقنية، مثل الرقابة الحكومية، وسياسات السيادة الرقمية، وهيمنة الشركات التكنولوجية على المنصات والبيانات. بلا أدنى شك فإن تجزئة الإنترنت تؤدي إلى تقييد تدفق المعلومات، وخلق انقسامات جيوسياسية في الفضاء الرقمي، مما جعل الإنترنت ساحة جديدة للصراع العالمي، ووسيلة للسيطرة والمعرفة في العصر الرقمي.
لقد تجاوزت الدبلوماسية المعاصرة في الجنوب العالمي حدود القروض وحزم المساعدات التقليدية، لتتمحور اليوم حول صراع محتدم على من يمتلك حق وضع اللبنات الأولى لـ”الهندسة الرقمية” للدول الناشئة. ففي الوقت الذي يطرح فيه الشرق نموذج “طريق الحرير الرقمي” الذي يغري هذه الدول بمدن ذكية متكاملة وبنية تحتية للاتصالات منخفضة التكلفة وجاهزة للتشغيل الفوري، يركز “البديل الغربي” في عروضه على معايير خصوصية البيانات واختيار الموردين الموثوقين وفق شروط أمنية وسياسية معينة. وأمام هذين المعسكرين، تميل كفة الخيار لدى العديد من الدول النامية نحو البراغماتية البحتة، فحين تضع هذه الدول المصلحة الوطنية في كفة والمثالية في كفة أخرى، نجد أن منطق “المنفعة” يفرض نفسه في النهاية، إذ إن الطرف الذي يقدم جسراً تقنياً ملموساً يتفوق غالباً على الطرف الذي يكتفي بتقديم محاضرة في الحوكمة.
السيادة الرقمية
في ظل هذه التحولات التقنية المتسارعة، لم يعد مفهوم “السيادة” يقتصر على تأمين الحدود الجغرافية أو بسط السيطرة العسكرية، بل انتقل إلى آفاق جديدة يمكن تسميتها بـ”السيادة الرقمية”. تتمثل السيادة الرقمية في قدرة الدولة على التحكم في فضائها الرقمي، وهذا يعني امتلاك سلطة القرار على البيانات التي تنتجها، وأين تُخزن، ومن يملك الحق في الوصول إليها. لم تعد السيادة مجرد “أرض”، بل أصبحت “بنية رقمية” ( Digital Public Infrastructure DPI) تضمن استقلالية المعلومات الوطنية عن أي نفوذ خارجي. النقاط التالية توضح بعضاً من قضايا السيادة الرقمية الناشئة:
- سيادة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي
تظهر اليوم “سيادة الخوارزميات”، حيث تسعى الدول لامتلاك نماذج ذكاء اصطناعي وطنية تعكس قيمها الثقافية واللغوية. الاعتماد الكلي على خوارزميات أجنبية لإدارة قطاعات حيوية كالدفاع، الصحة، أو التعليم، يمثل ثغرة في السيادة الوطنية، حيث يمكن لهذه الأدوات أن تُستخدم كقوة ناعمة أو صلبة للتلاعب بالرأي العام أو شلّ مفاصل الدولة.
- السيادة السيبرانية
وهي القدرة على حماية الفضاء المعلوماتي الوطني من الهجمات التي قد تعطل البنية التحتية الأساسية (مثل شبكات الكهرباء أو الأنظمة المالية). في هذا المنظور، يعتبر “الجدار الناري” أو أنظمة الدفاع السيبراني لا يقل أهمية عن “الرادارات” ومنظومات الدفاع الجوي.
- سيادة سلاسل التوريد
في عالم تعتمد فيه القوة العسكرية والاقتصادية على “الرقائق الإلكترونية”، أصبحت السيادة تعني القدرة على تأمين الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة. الدولة التي لا تستطيع تأمين البنية التحتية الرقمية لأنشطتها، هي دولة منقوصة السيادة، لأن قرارها الاستراتيجي يظل رهيناً لمورِّدين خارجيين أو لظروف خارجة عن إرادتها.
- التحول نحو السيادة المرنة
بسبب التداخل التقني العالمي، تخلت كثير من الدول عن فكرة “السيادة الانعزالية” لصالح “السيادة المرنة”. وهي القدرة على عقد تحالفات تقنية (الانحياز المتعدد) تضمن للدولة البقاء ضمن الشبكة العالمية مع الحفاظ على حقها في “نقض” أي تدخل يمس مصالحها الحيوية.
هكذا لم تعد السيادة الوطنية تُقاس فقط بـ”المساحة المربعة”، بل بـ”المساحة الرقمية” التي تستطيع الدولة حمايتها وتطويرها. لقد تحول المفهوم من سلطة قانونية على إقليم مادي إلى قدرة تقنية ووظيفية على حماية البيانات، والاتصالات، والابتكار الوطني.
الخاتمة: الواقعية الجديدة
لقد دخلنا عصر “الواقعية الجديدة” من أوسع أبوابه . في هذا النموذج، يتم تجاوز المقاييس التقليدية للقوة الوطنية لصالح مقياس “الفلوبس FLOPS “. الفلوبس هي اختصار لـ (Floating-point Operations Per Second FLOPS) وهو المقياس الذي يحدد سرعة الحاسوب في حل المعادلات الرياضية المعقدة. في الماضي كان التفوق يُقاس بـ”الحصان الميكانيكي” (قوة المحركات) أما اليوم فإن التفوق يُقاس بـ”الفلوبس” والقدرة على تعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء IoT، أدوات القرن الحادي والعشرين التي من خلالها يدار الاقتصاد والمال، تنفذ العمليات العسكرية والأمنية، تتطور الصناعة، تجرى العمليات الجراحية المعقدة وتصنع الأدوية، وغيرها من مطلوبات السيادة الحديثة التي تعتمد على كمية العمليات الحسابية التي يمكن تنفيذها في الثانية الواحدة.
إن القوة الحوسبية هي مفهوم “الأرض المرتفعة” الجديد في صراعات القرن الحادي والعشرين. قدرة الدولة على التنبؤ بالمستقبل، وأتمتة مناهج الحياة هي المعادل الحديث للسيادة التقليدية. ومع استمرار تغلغل التكنولوجيا في كل مفاصل إدارة الدولة، سيكون الدبلوماسيون الأكثر نجاحاً هم أولئك الذين يتقنون لغة الخوارزميات ولغة ميثاق الأمم المتحدة في آنٍ واحد.
في القرن الحادي والعشرين، قد يستمر تنافس موروثات ما بعد الحرب الباردة، لكن أصبحت “الرقاقة” هي الأقوى.