متقاعدو العسكر: بين الاندماج المدني والتحالفات المغلقة
لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس
مستشار نظم وتكنولوجيا تحليل البيانات
منذ فجر الاستقلال، لم يتمحور الصراع في السودان في جوهره حول اختلافات أيديولوجية بين يسار ويمين، أو تنافس حزبي بين برامج ورؤى بديلة، بقدر ما كان صراعاً بنيوياً بين مشروع الدولة المدنية الديمقراطية من جهة، وإغراء الاستيلاء على السلطة عبر فوهة البندقية من جهة أخرى. وهو صراع تَشكَّل في وقت مبكر من عمر الدولة الوطنية، حين أخفقت النخب السياسية في تحصين المجال السياسي، وحين جرى، صراحة أو ضمناً، التساهل مع تحويل الجيش، ومن خلفه بقية القوات النظامية، من مؤسسة وطنية مهنية يفترض خضوعها للسلطة المدنية، إلى فاعل سياسي مباشر، ووسيلة لحسم الخلافات السياسية بالقوة.
هذا الإخفاق ليس مجرد خطأ محدود التأثير أو التوقيت، بل صار تعبيراً عن خلل متجذر في الوعي السياسي للدولة، حيث فشلت القوى المدنية في ترسيخ مبدأ الرقابة المدنية على القوات النظامية. وبدلًا من بناء عقد سياسي يحمي الديمقراطية الناشئة، فُتح الباب أمام عسكرة السياسة، لتصبح الانقلابات العسكرية لاحقاً آلية مألوفة لتداول السلطة. وهكذا، جرى إجهاض حلم الدولة المدنية مبكرًا، ليس بفعل طموح العسكر فقط، بل أيضاً نتيجة تواطؤ النخب، أو عجزها، أو رهانها الخاطئ على المؤسسة العسكرية بوصفها حَكَماً أو منقذًا في لحظات الأزمات.
في امتداد مباشر لهذا المسار التاريخي المختل، برزت في السنوات الأخيرة أنماط سياسية جديدة لا تقل إشكالية، تمثلت في ظهور تحالفات وكيانات لمتقاعدي المؤسسة العسكرية السودانية، سواء في الجيش أو الشرطة. وهي كيانات قامت على خلفية الانتماء السابق للمؤسسة النظامية، واستمدّت شخصيتها الاعتبارية ورمزيتها من ذلك الماضي العسكري تحديدًا. وبهذا المعنى، لم يكن التقاعد قطيعة مع منطق العسكرة، بل تحوّل، في كثير من الحالات، ومن خلال هذه التحالفات إلى قناة جديدة لإعادة إدخال المؤسسة العسكرية – ولو بصورة غير مباشرة – إلى المجال السياسي المدني.
هذا المقال محاولة لفتح نقاش شفاف وشجاع حول جدوى انتظام متقاعدي المؤسستين العسكرية والأمنية في تحالفات خاصة داخل الفضاء السياسي السوداني، ومساءلة ما إذا كان هذا المسار يسهم فعلًا في دعم التحول المدني، أم يعيد إنتاج إشكالات عسكرة السياسة بأشكال جديدة.
وفي المقابل، يطرح المقال خياراً بديلاً يدعو المتقاعدين العسكريين إلى الاندماج المباشر، كأفراد متساوين في الحقوق والواجبات، داخل المكونات السياسية ومنظمات المجتمع المدني القائمة، بعيدًا عن إنشاء تحالفات تستمد مشروعيتها من الخلفية النظامية السابقة. ويهدف هذا النقاش إلى المقارنة بين المسارين، لا بغرض الإقصاء أو التقليل من خبرات المتقاعدين، بل بحثًا عن الصيغة الأجدى التي توظف قدراتهم المهنية في خدمة بناء دولة مدنية ديمقراطية، دون المساس بحدود الفصل الضروري بين العسكري والسياسي.
أولاً: الاستقلال المبتور.. وبذرة الانقلابات
نال السودان استقلاله عام 1956، وقد ورث نظاماً إدارياً عتيقاً ومُختبَراً في إدارة المؤسسات المدنية والعسكرية، لكنه لم يرِثْ دولة تُدار بنظام مدني متماسك، لا على مستوى الكيانات السياسية، ولا من حيث الثقافة الديمقراطية، ولا في ما يتصل بالوعي الجماهيري وسيادة حكم القانون.
بل وُلدت الدولة الوطنية وهي تعاني هشاشة بنيوية متشعِّبة: مجتمع مدني ضعيف التكوين، وأحزاب سياسية منقسمة ومشحونة بالصراعات الداخلية، وثقافة ديمقراطية لا تزال في طورها الجنيني، في مقابل جيش حديث النشأة نسبيًا، لكنه أكثر انضباطًا وتماسكًا مقارنة بفضاء سياسي مدني يتسم بالفوضى والعجز.
في هذا المناخ المختل، بدأ العمل السياسي مرهقًا، مفككًا، وعاجزًا عن إنتاج توافقات مستقرة، أو إدارة الخلاف بآليات ديمقراطية. ولم يكن مستغربًا، في ظل هذا الاختلال في موازين التنظيم والقدرة، ألّا يطول الزمن قبل أن يتدخل العسكر عبر انقلاب عام 1958، وهو التدخل الذي مثل لحظة تاريخية فتحت الباب واسعاً أمام منطق بالغ الخطورة: كلما عجزت السياسة، بدا العسكر وكأنهم البديل الجاهز. ومنذ تلك اللحظة، ترسَّخ هذا المنطق في الوعي السياسي السوداني، ليصبح الانقلاب العسكري خياراً مقبولاً، لا فعلاً مستهجَناً، في تاريخ الدولة الوطنية.
ثانياً: الكيانات السياسية داخل المؤسسة العسكرية.. الخطيئة الكبرى
لم تكن الانقلابات العسكرية في السودان، في جوهرها، أفعالًا عسكرية خالصة، أو تعبيرًا عن نزوع مهني داخل المؤسسة العسكرية، بل كانت في معظمها مشاريع سياسية مدنية أخفقت في بلوغ السلطة عبر الوسائل الديمقراطية، فلجأت إلى الاحتماء بالمؤسسة العسكرية واختراقها من الداخل. فمنذ وقت مبكر من عمر الدولة الوطنية، تشكّلت داخل الجيش خلايا حزبية وتنظيمات أيديولوجية وشبكات ولاء سياسي، الأمر الذي حوّل الجيش تدريجيًا من مؤسسة قومية يُفترض حيادها، إلى ساحة صراع حزبي صامت.
يكشف تاريخ الانقلابات في السودان بوضوح هذا النمط الخطير. فالانقلاب الذي قاده الفريق إبراهيم عبود عام 1958 لم يكن معزولًا عن دعم سياسي وفَّره حزب الأمة في سياق صراع مدني محتدم. وانقلاب مايو 1969 جاء مدفوعًا، في مراحله الأولى، بتحالف مع الشيوعيين وقوى يسارية منظمة. أما انقلاب 1989، فقد كان التعبير الأوضح عن هذا التزاوج بين حزب الجبهة الإسلامية القومية والجيش، حين نفّذ الإسلاميون انقلابهم عبر عمر البشير، مستخدمين المؤسسة العسكرية أداة لتمكين مشروعهم الأيديولوجي. ويتكرر المشهد ذاته، وإنْ بصِيَغ أكثر تعقيدًا، في انقلاب 25 أكتوبر 2021، حيث مثّل تحالف البرهان – حميدتي غطاءً عسكريًا لعودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي من بوابة الانقلاب.
وفي المقابل، لم تخلُ الساحة من محاولات انقلابية فاشلة، وقفت خلفها أيضًا تنظيمات سياسية بعينها، من بينها محاولات قادتها خلايا بعثية وأخرى شيوعية داخل الجيش، ما يؤكد أن الظاهرة لم تكن حكرًا على تيار واحد، بل نتاج ثقافة سياسية راسخة ترى في الجيش طريقًا مختصرًا إلى السلطة.
وهكذا، لم يعد السؤال المركزي في التجربة السودانية: هل سينقلب الجيش على السلطة المدنية؟ بل تحوّل إلى سؤال أكثر جرأة: أي تنظيم سياسي سينجح في توظيف الجيش أولًا؟ وهي معادلة لم تُضعف فقط المؤسسة العسكرية وتشوّه مهنيتها، بل أجهضت، مرة بعد أخرى، أي إمكانية حقيقية لبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على التنافس الحر والشرعية الشعبية.
ثالثاً: المتقاعدون.. استمرار أم قطيعة؟
وسط هذا المناخ المثقل بالتجارب المؤلمة، لا يمكن النظر إلى تشكّل كيانات سياسية لمتقاعدين من المؤسستين العسكرية والأمنية باعتباره تطوراً طبيعياً أو معزولاً عن الصراع السياسي غير المحسوم في البلاد. فقد انتقلت انقسامات الساحة المدنية، بكل استقطابها وحدّتها، إلى فضاء المتقاعدين أنفسهم، فشهدت الساحة السودانية بروز تحالفات وكيانات لمتقاعدين نظاميين انقسموا بين مؤيدين لقوى الثورة، وآخرين اصطفوا مع طرفي الحرب، بينما اختار بعضهم التموضع إلى جانب كتل يسارية انعزلت بدورها عن بقية المشهد السياسي. هكذا، لم يشكّل المتقاعدون فضاءً جامعاً أو تصالحياً، بل أعادوا إنتاج ذات النهج القديم لعسكر تتنازعهم القوى المدنية المتصارعة.
جاءت هذه الاصطفافات الجديدة في صورة كيانات أُنشئت تحت مظلة التاريخ العسكري والأمني، لكنها حملت في بنيتها وخطابها ذات الإرث السياسي الذي أصاب المؤسسة العسكرية السودانية في مقتل: التسييس، والولاءات المتنازعة. فالإشكال هنا لا يتعلق بحسن النوايا من عدمه، بل بالدلالات الرمزية والمسار الذي يُعاد إنتاجه. إن تأسيس تنظيم سياسي على أساس الانتماء السابق للمؤسستين العسكرية والأمنية يستدعي تاريخاً لم تتم مساءلته أو المصالحة معه، ويكرّس من جديد ذلك الخلط المربك بين المدني والعسكري، كما يبعث برسالة مقلقة عن وجود “أحقية خاصة” للعسكر في المجال السياسي.
رابعاً: إعادة توجيه الطاقة المُهدَرة
من المهم، التأكيد على أن هذا النقد لا يُنكر ما يمتلكه كثير من متقاعدي القوات النظامية من قدرات إدارية ومهنية عالية، راكمتها سنوات طويلة من العمل المنظم، والتخطيط، والانضباط المؤسسي، وإدارة الموارد والأزمات. فهذه الخبرات، إذا أُعيد توجيهها بصورة صحيحة، يمكن أن تمثل إضافة نوعية للحياة المدنية والحزبية في السودان.
إن انخراط المتقاعدين كأفراد في الأحزاب المدنية القائمة، وفي منظمات المجتمع المدني، دون تشكيل أجسام ذات خلفية عسكرية سابقة، يتيح لهم الإسهام في إصلاح المؤسسات الحزبية والمدنية، وتعزيز كفاءتها التنظيمية، وتطوير نظمها الإدارية، بما يقرّبها أكثر من معايير العمل المؤسسي الحديث.
إلى جانب ذلك، يمكن لمتقاعدي المؤسستين العسكرية والأمنية أن يؤدوا دوراً محورياً في تجسير الهوة العميقة التي نشأت بين الشارع السوداني وهذه المؤسسات، نتيجة عقود من التسييس والعنف والوصاية. فموقعهم الوسيط، خارج الخدمة النظامية وداخل المجتمع المدني، يؤهلهم ليكونوا جسور ثقة، لا أدوات نفوذ، يساهمون في تفكيك الصور النمطية المتبادلة، ونقل مطالب الشارع ومخاوفه، وفي المقابل شرح تعقيدات الإصلاح المؤسسي ومتطلباته الواقعية. وبهذا المعنى، لا تكون مساهمتهم امتداداً لسطوة العسكر، بل جزءاً من عملية استعادة الثقة المدنية، وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية على أسس مهنية وديمقراطية جديدة.
خاتمة: مرحبا بالفضاء المدني الفسيح
ما أود أن أخلص إليه هو أن الطريق المسؤول أمام المتقاعدين من المؤسستين العسكرية والأمنية ليس في إنشاء كيانات سياسية خاصة، بل في الانخراط الكامل في المجتمع المدني عبر التنظيم النقابي المهني، أو المشاركة الفردية المتساوية داخل الأحزاب المدنية القائمة، دون امتياز رمزي أو وصاية مستترة. فالنقابة تُنظّم المصالح وتحمي الحقوق، والسياسة تُدار بالبرامج والشرعية الشعبية. وبين هذا وذاك، يتحدد الفارق الجوهري بين إعادة إنتاج الدولة الفاشلة، أو المساهمة الجادة في استكمال معركة الدولة المدنية التي طال انتظارها في السودان.
إن الطريق المسؤول والمثمر أمام المتقاعدين لا يكمن في إنشاء كيانات سياسية مغلقة تقوم على الانتماء السابق للمؤسسة، وإنما في الاندماج الكامل والمتكافئ داخل الأحزاب المدنية القائمة، أو في تنظيم أنفسهم عبر النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني. ففي هذه الأطر، يمكن لخبراتهم الإدارية والتنظيمية العالية أن تسهم في إصلاح الهياكل الحزبية، وتعزيز كفاءتها المؤسسية، وترسيخ ثقافة الانضباط والمساءلة، كما تتيح لهم المساهمة في إعادة بناء الثقة المتآكلة بين الشارع السوداني والمؤسستين العسكرية والأمنية، من موقع الوسيط المدني لا الفاعل السلطوي.