الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (3)

الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (3)

حين تعلو السلطة على الدولة: المؤسسة العسكرية، الدستور، والقانون

بقلم: صفاء الزين

في الجزءين السابقين من هذه السلسلة، جرى تفكيك أزمة الدولة السودانية من زاوية التكوين، ثم زاوية إعادة الإنتاج، حيث ظهر أن الدولة نشأت في صورة جهاز إداري قبل تبلورها كمشروع سياسي يحمل توافقاً واسعاً، وأن الخلل التأسيسي تمدّد عبر الهوية وبنية الحكم وعلاقة السلطة بالمجتمع، فتحوّل إلى نمط يعيد إنتاج ذاته عبر الزمن.

وفي هذا الجزء يتجه التحليل نحو المؤسسات الحاكمة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والدستور والقانون، بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه أي دولة حديثة تتطلع إلى الاستقرار.

 

تنطلق هذه القراءة من فرضية أن الاضطراب المؤسسي في السودان امتداد مباشر لغياب الدولة بوصفها إطاراً يتقدم على موقع السلطة، ويسهم في تحويل القوة من فعل جبري إلى سلطة تَحظى بالقَبول المجتمعي.

 

المؤسسة العسكرية خارج منطق الدولة

التجارب الحديثة تفترض أن تخضع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية تُحدد الأدوار والحدود، ويقتصر عمل الجيش فيها على حماية الدولة والنظام العام. وفي السودان لم يتم دمج المؤسسة العسكرية ضمن رؤية سياسية وطنية واضحة، فظهرت كفاعل سياسي يتقدّم إلى الساحة في كل أزمة، مدفوعاً بقوة تنظيمية مكّنتها من التأثير في الحكم على حساب تطوير البنية المدنية.

 

ومع ضَعف الشرعية المدنية، في محطات كثيرة داخل التاريخ السوداني، بدت المؤسسة العسكرية في نظر شريحة واسعة من المجتمع الطرف القادر على فرض النظام. غير أن هذا الحضور لم يسهم في بناء دولة راسخة، وإنما أنتج نموذج حكم يعتمد على القوة كوسيلة تنظيمية رئيسية. ومع كل تدخل مسلح، تعرضت السياسة لضغط شديد، وتراجع دور التفاوض والتسوية، فتحوّل المسار من عقد سياسي إلى وسيلة حسم، واستمرت الدولة في وضع انتقالي ممتد بلا أفق يُرجى.

 

الدستور بين النص والشرعية

شهد السودان سلسلة من الدساتير والوثائق الدستورية منذ الاستقلال، غير أن هذه النصوص لم تتحول إلى عقد سياسي جامع، وتمت صياغة أغلبها خلال فترات انتقالية، في ظل توازنات غير مستقرة، دون حاضنة اجتماعية تتبناها بوصفها مرجعية عليا.

 

هذا الواقع أوجد حالة انفصال بين النص والممارسة، فغابت قدسية الدستور كمستوى أعلى لتنظيم الصراع، وتحول إلى وثيقة تخضع لعوامل اللحظة والضغط السياسي. ومع مرور السنين صارت السلطة أكثر حضوراً من النص، وتراجع موقع الدستور كمرجع يفصل بين الأطراف، فتحول إلى جزء من أدوات التنافس، لا أداة لضبطه.

 

القانون كامتداد للحكم لا كإطار للعدالة

في الدولة الحديثة يفترض أن يكون القانون إطاراً محايداً ينظّم العلاقة بين المجتمع والسلطة، ويحفظ الحقوق، ويحد من التعسف، وفي الحالة السودانية لم يتحول القانون إلى سلطة مستقلة، إذ وظّفته الأنظمة المتعاقبة كأداة ترتبط برغبة الحكم، وتغيّر تبعاً لتغير النظام السياسي، ما أضعف استمراريته وحياده.

ومع هذا الاضطراب، انخفض الإحساس العام بالحماية القانونية، واعتمد الأفراد على اعتبارات الخوف أو المصلحة في التعامل مع القانون، فتراجع موقع العدالة كمبدأ، وبرز الامتثال كتصرف مؤقت لا يستند إلى قناعة راسخة، الأمر الذي قلّل من إمكان قيام عقد اجتماعي قائم على الحقوق والواجبات.

 

مؤسسات دون إطار جامع

لا يمكن فهم اختلال المؤسسة العسكرية أو هشاشة الدستور أو ضعف القانون بمعزل عن غياب الدولة كمشروع وطني جامع. فالمؤسسات تحولت إلى ساحات يتشكّل دورها بناءً على موازين القوى المتغيرة، وفقدت قدرتها على أداء وظائفها كآليات استقرار تُنظّم الصراع وتحتويه، فانعكس ذلك على البنية السياسية والاجتماعية بشكل ممتد.

 

خاتمة: عندما تتقدّم السلطة على الدولة

تُظهر التجربة السودانية أن غياب مشروع الدولة المتوافق عليه لا يؤدي إلى أزمات سياسية فقط، ولكنه يحوّل المؤسسات إلى أدوات حكم مؤقتة، ويُقصي العقد السياسي لصالح القوة، وينتج انتقالاً دائماً يتكرر مع كل دورة سياسية.

ولا يمكن الشروع في إعادة بناء الدولة من خلال إصلاح جزئي للمؤسسات دون حسم موقع هذه المؤسسات داخل مشروع سياسي وطني مُتفق عليه، يُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويحدد أدوار الفاعلين بحدود واضحة.

في الجزء القادم سيتم تحليل دور الاقتصاد السياسي، والنخب، والثقافة السياسية في تثبيت هذا الاضطراب وتحويله إلى نمط طويل المدى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *