السادس من أبريل: ذاكرة الشعب واستعادة المعنى في زمن الحرب
صفاء الزين
السادس من أبريل ليس تاريخًا عاديًا في السودان، فهو لحظة ظلّت مفتوحة في الوعي؛ لحظة خرج فيها الشارع من صمته، وقرّر أن يضع حدًا لمسار كامل، وأن يبدأ كتابة طريق مختلف بيده. في هذا اليوم، رفض الناس الواقع، وأعادوا تعريف قوتهم، واكتشفوا أن الإرادة، إذا تشكلت في الشارع، تتحول إلى فعل قادر على تغيير المعادلات الكبرى، وكسر البنى التي بدت راسخة لسنوات طويلة.
هناك أيام تترك أثرًا عميقًا، وتظل حاضرة في الذاكرة مهما ابتعد الزمن. السادس من أبريل واحد من هذه الأيام. يوم ارتبط بإرادة خرجت من قلب الشارع، وصاغت لنفسها طريقًا نحو الكرامة، وفتحت في الوعي السوداني بابًا واسعًا لفهم جديد لمعنى الفعل العام، ومعنى أن يتحول الناس من موقع التلقي إلى موقع التأثير وصناعة المصير.
هذا التاريخ يعيش في وجداننا كقيمة متجددة. فكلما ضاقت المساحات، وكلما اشتد الإحساس بالظلم، يعود هذا اليوم محمَّلًا بصور لا تغيب، وجوه مرفوعة، أصوات عالية، وخطوات واثقة تعرف طريقها جيدًا. حضوره لا يرتبط بالماضي وحده، وإنما يستمد قوته من قابليته الدائمة للاستدعاء، ومن قدرته على أن يتحول، في كل منعطف وطني، إلى مرجع أخلاقي وسياسي يعيد تذكير المجتمع بما يستطيع فعله إذا استعاد ثقته بنفسه.
في ذاكرة شعبنا يتكرر السادس من أبريل كمساحة تُختبر فيها قدرة الناس على الفعل، وعلى تحويل الإحساس العام إلى موقف واضح. في هذا اليوم تتجدد الفكرة الأساسية التي تقول إن التغيير لا يأتي من فراغ، وإنما يولد من تراكم طويل، ومن وعي يتشكل داخل المجتمع، ومن إيمان عميق بأن الكرامة حق لا يقبل التأجيل. هذه الفكرة تمنح هذا التاريخ حضوره الخاص، وتجعله علامة على أن الإرادة، إذا نضجت، تجد طريقها مهما كانت التحديات، ومهما بدا الواقع مغلقًا أو مثقلًا بموازين القوة.
ثورة ديسمبر جاءت لتجسّد هذا المعنى في صورته الأوضح. فقد خرجت الجماهير تحمل صوتها بوضوح، وتتحرك بثقة، وتفرض حضورها في الشارع بصورة لا يمكن تجاهلها وترفض وصاية الآيديولوجيا التي هيمنت لثلاثة عقود. ذلك الحراك عبّر عن رغبة عميقة في التغيير، وعن إدراك أن الطريق نحو المستقبل يبدأ من لحظة اتخاذ القرار، ومن لحظة كسر الخوف، ومن لحظة اقتناع الناس بأنهم أصحاب الحق في صياغة شكل الدولة واتجاهها.
في ديسمبر امتلأت الشوارع بالحياة، فالهتاف كان صادقًا، والمطالب كانت واضحة، والإصرار كان حاضرًا في كل خطوة، والناس خرجت وهي تعرف ماذا تريد، وتدرك حجم الطريق، ومع ذلك استمرت، لأنها كانت مؤمنة بأن ما تطالب به يستحق العناء، ويستحق الصبر، ويستحق التضحيات التي فُرضت عليها في سبيل الحرية والكرامة والعدالة.
مشهد الاعتصام أمام القيادة العامة جاء ليكمل هذه الصورة، وهناك ظهرت ملامح سودان مختلف، سودان يتسع للجميع، وتجمع فيه الناس على كلمة واحدة. المشهد عكس قوة التلاحم الشعبي، وقدرته على خلق مساحة جامعة تتجاوز الفوارق، وتعيد تعريف المجال العام بوصفه فضاءً للمشاركة، لا ساحة احتكار، وبوصفه تعبيرًا عن شعب قرر أن يستعيد صوته، وأن يعلن حضوره في قلب المعادلة الوطنية.
إن التضحيات التي قُدمت في تلك الفترة أعطت للحراك معناه الحقيقي؛ أسماء الشهداء والجرحى والمصابين والمفقودين والمغدورين والمعنَّفات أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية، وتحولت إلى رموز للفداء والإصرار. وتلك التضحيات صنعت فارقًا واضحًا، ورسّخت فكرة أن الحرية لها ثمن، وأن الشعوب، إذا دفعت هذا الثمن، تدرك قيمة ما وصلت إليه، وتفهم أن المعارك الكبرى لا تُحسم بالشعارات وحدها، وإنما بالصبر، والثبات، والقدرة على تحويل الألم إلى معنى ووعي ومسؤولية.
سقوط النظام جاء كتأكيد على قوة هذا الحراك، لأن الشارع كان حاضرًا، والإرادة كانت واضحة، والنتيجة عكست هذا التراكم الكبير من الفعل والتضحية، وتلك اللحظة شكّلت تحولًا مهمًا في مسار البلاد، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة، كان يمكن أن تؤسس لمسار مختلف لو أُتيح لها أن تكتمل على قاعدة مدنية واضحة، ومشروع وطني يحمي أهداف الثورة من الارتداد والاختطاف وإعادة إنتاج السيطرة بأدوات جديدة.
غير أن القيمة الأعمق للسادس من أبريل لا تكمن فقط في كونه يومًا أسقط نظامًا، وإنما في كونه لحظة أعادت تعريف مصدر الشرعية في السودان، فقد أثبت ذلك اليوم أن الشرعية لا تُمنح من فوهة السلاح، ولا تُستمد من ترتيبات القوة المغلقة، وإنما تنبع من الناس، من الشارع، من الإرادة العامة، ومن قدرة المجتمع على أن يفرض حضوره بوصفه صاحب الحق الأصيل في تقرير شكل الحكم وطبيعة الدولة. وهذه هي الفكرة التي جعلت السادس من أبريل أكبر من مجرد ذكرى، وأوسع من مجرد حدث.
من هذه الزاوية فإن استدعاء السادس من أبريل اليوم يكتسب بعدًا إستراتيجيًا يتجاوز التذكّر، لأن السودان يعيش واحدة من أكثر مراحله قسوة وتعقيدًا، لأن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م خلقت أوضاعًا شديدة الاضطراب، وأثرت على حياة الملايين، ووضعت المجتمع أمام اختبارات صعبة: النزوح، والفقد، والانهيار المعيشي، والضغط اليومي، أصبحت تفاصيل قاسية في حياة الناس، وأعادت إلى الواجهة سؤال الدولة نفسها، سؤال: من يحكم، ولصالح من تُدار السلطة، ومن يملك حق تقرير مصير هذا البلد؟ وأطلت برأسها من جديد أشباح التنظيمات الآيديولوجية الإخوانية ربيبة الشمولية، وأمسك عرابو التنظيم المحلول بتلابيب الثورة ليلقوا بها إلى الزوال، ولكن هيهات.
لذلك يعود السادس من أبريل باعتباره تذكيرًا بأن السودان لا يخرج من أزماته عبر منطق الغلبة المسلحة، وإنما عبر استعادة السياسة من يد السلاح، واستعادة الدولة من قبضة التحالفات المغلقة، واستعادة الشرعية من داخل المجتمع نفسه، وإحياء الوعي لا إذكاء الفتن. فالحرب الجارية ليست فقط صراعًا بين قوتين مسلحتين، وإنما هي أيضًا تعبير عن انهيار فكرة الدولة الجامعة، وعن فشل النخب المسيطرة في إنتاج نظام سياسي يستوعب التنوع، ويضمن المشاركة، ويمنع تحول العنف إلى وسيلة دائمة لإدارة الخلاف.
رغم هذا المشهد القاسي، تظل روح ديسمبر حاضرة كقوة معنوية وسياسية. تلك التجربة أثبتت أن هذا الشعب يمتلك قدرة على الثبات، وعلى إعادة تنظيم نفسه، وعلى تحويل التحديات إلى دافع للاستمرار. هذه الروح ما تزال موجودة، وقادرة على أن تعود متى توفرت الشروط، لأن الشعوب التي خبرت قدرتها على الفعل لا تفقد ذاكرتها بسهولة، ولا تستسلم نهائيًا لفكرة العجز أو الهزيمة.
غير أن استعادة المسار لا يمكن أن تقوم على الحنين وحده. فالمرحلة الحالية تحتاج إلى عمل جاد، ورؤية واضحة، وتكاتف بين مختلف القوى المدنية والسياسية والاجتماعية، حتى يتحول الإرث الثوري من طاقة رمزية إلى مشروع وطني منظم، وإعادة بناء ما تضرر تحتاج إلى جهد كبير، وإلى وعي جماعي بحجم المسؤولية، وإلى انتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة بناء البديل، لأن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إنهاء الحرب، وإنما يحتاج أيضًا إلى إعادة تأسيس معنى الدولة نفسها.
من هنا تصبح فكرة الدولة المدنية الديمقراطية أكثر من مجرد شعار سياسي، لإنها الإطار الوحيد القادر على استيعاب التعدد، وإدارة الخلاف، وضبط القوة، وحماية المجال العام من المصادرة. لأن الراسخ هو أن الدولة المدنية، في هذا المعنى، ليست مطلب نخبة، وإنما شرط لبقاء السودان نفسه، لأنها تمثل الصيغة التي تعيد السلطة إلى أصلها الشعبي، وتربط الحكم بالمحاسبة، وتضع القانون فوق إرادة الجماعات المسلحة وشبكات الهيمنة القديمة والجديدة عبر عقد اجتماعي جديد، لا يهيمن عليه أحد ولا تستحوذ عليه جهة.
وهنا تبرز ضرورة إشراك المدنيين والفاعلين السياسيين وقوى الثورة في استعادة سلطة الشعب التي أُطيح بها بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2023م، لأن أية تسوية تُبنى خارج الإرادة الشعبية لن تنتج سوى سلطة هشة قابلة للانفجار من جديد. وإشراك هذه القوى لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تمثيلًا رمزيًا تضليليا داخل ترتيبات انتقالية، وإنما باعتباره إعادة تأسيس للشرعية ذاتها، وإعادة وصل الدولة بمجتمعها، وإعادة الاعتبار للفكرة التي خرج من أجلها الناس إلى الشوارع، وهي أن السلطة حق عام، لا غنيمة تُدار من غرف مغلقة. ومن زاوية أخرى، فإن استعادة سلطة الشعب تمثل الشرط البنيوي لأي انتقال حقيقي، لأنها تنقل مركز القرار من منطق السلاح إلى منطق السياسة، ومن ترتيبات السيطرة إلى قواعد المشاركة، ومن الدولة المختطفة إلى الدولة التي تستمد معناها من مواطنيها.
لذلك فإن وقف الحرب يمثل خطوة ضرورية لفتح الطريق أمام أي تقدم حقيقي، لأن السلام يشكل المدخل الأساسي لأي عملية بناء، لأنه يوقف النزيف، ويفتح المجال أمام السياسة، ويمنح المجتمع فرصة لاستعادة أنفاسه. غير أن السلام، لكي يكون منتجًا، يحتاج أن يُبنى على أسس عادلة، وعلى تصور واضح للدولة، وعلى إرادة حقيقية تمنع إعادة تدوير الأزمة داخل مؤسسات جديدة بأسماء مختلفة أو بواجهات آيديولوجية مستنسخة عن التجربة الإسلاموية التي أورثت البلاد الخراب والدمار.
السادس من أبريل يعود كل عام ليؤكد أن ما حدث كان نقطة تحول. وهو يوم يحمل معنى مستمرًا، ويذكّر بأن هذا الشعب يمتلك القدرة على الفعل، وعلى تغيير واقعه، وعلى صناعة مستقبله بيده. وهو أيضًا تذكير بأن الأزمات، مهما اشتدت، لا تلغي قابلية النهوض، وأن الشعوب التي كتبت لحظاتها الكبرى بوعيها وتضحياتها تستطيع أن تستأنف الطريق إذا أحسنت قراءة اللحظة، وتنظيم طاقتها، وبناء أدواتها.
في الختام: ما ترسخ في ثورة ديسمبر وما تلاها في أبريل ظل حاضرًا في الوعي، يتحرك داخل المجتمع، ويمنح الأمل بأن الطريق، مهما كان صعبًا، يمكن أن يُستكمل. فالسادس من أبريل ليس ذكرى للاحتفال فقط، وإنما موعد دائم مع المعنى، ومع السؤال الكبير الذي لم يغادر السودان بعد: كيف تستعيد الأمة دولتها؟، وكيف تستعيد الدولة شعبها؟، وكيف يستنقذ الصحاة وطنهم من براثن الأيديولوجيين الظلاميين الذين استظلوا بأفواه البنادق ومدافع الدبابات؟. هذا الواجب الذي ينبغي أن يتجه نحو كافة أبناء هذه الثورة الغلابة وقواها الحية، بمختلف تكويناتهم ومؤسساتهم وجهاتهم، ليجتازوا الحاجز الأخير في طريق استعادة الوطن والسلام والحرية والعدالة والحكم المدني.