من الظل إلى الضوء: السينما السودانية في قائمة أعظم 100 فيلم عربي

من الظل إلى الضوء: السينما السودانية في قائمة أعظم 100 فيلم عربي

أماني أبوسليم

 

من المدهش، وربما المفاجئ، أن يدخل فيلمان سودانيان إلى قائمة أفضل مائة فيلم عربي على الإطلاق. الفيلمان هما (وداعًا جوليا) للمخرج محمد كردفاني و(ستموت في العشرين) للمخرج أمجد أبو العلا، وقد اشتركا معاً في المرتبة العشرين؛ وهي مرتبة تضم أفلامًا مفصلية في تاريخ السينما العربية لمخرجين كبار مثل يوسف شاهين.

هذه القائمة أعدّها المعهد العربي للفيلم والإعلام في ديسمبر الماضي، عبر استفتاء واسع شمل مئات النقاد السينمائيين، والأكاديميين، ومبرمجي المهرجانات، والمنتجين، إلى جانب عدد من المخرجين من داخل العالم العربي وخارجه. وقد تصدّر القائمة فيلم (باب الحديد) (1958) ليوسف شاهين، بوصفه أحد أهم الأعمال المؤسسة للسينما العربية.

اختيار الأفلام لم يكن قائمًا على النجاح التجاري، بل على قوة السرد، والابتكار الفني، والتأثير الثقافي، والقيمة التاريخية للأعمال المختارة.

تأتي الدهشة هنا من السياق قبل الإنجاز. فالسينما السودانية تُعد من أكثر التجارب العربية هشاشة من حيث الإنتاج والاستمرارية، بل إن هذا الإنتاج الخجول نفسه توقّف تقريبًا منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يعود بحذر بعد عام 2010، غالبًا عبر الأفلام القصيرة والوثائقية.

 

إنجاز خارج السياق المتوقع

 

أُنتج فيلم (ستموت في العشرين) عام 2019، وحصد عدداً من الجوائز الدولية، ليكون أول فيلم روائي طويل سوداني معاصر يصل إلى هذا المستوى من الحضور العالمي. ثم جاء (وداعاً جوليا) عام 2023، ليؤكد أن التجربة لم تكن استثناءً عابراً، بل بداية مسار جديد.

أن يشترك هذان الفيلمان في الترتيب نفسه مع أعمال لمخرجين شكّلوا الوعي السينمائي العربي، وأن يظهرا في مرتبة تتجاوز فيها أسماء مثل داوود عبدالسيد، وصلاح أبو سيف، وأعمال أخرى ليوسف شاهين هو ما يمنح هذا الإنجاز ثقله الحقيقي، ويحوّله من نجاح فردي إلى لحظة دالّة في تاريخ السينما السودانية.

 

السينما السودانية: بدايات مبكرة وتوقف طويل

 

إذا عدنا إلى تاريخ السينما السودانية، نجد أنها بدأت مبكراً نسبياً. ففي عام 1955 أنجز المخرج جادالله جبارة الفيلم الوثائقي القصير (أغنية الخرطوم)، والذي يُعد أول فيلم ملوّن في إفريقيا، في إشارة مبكرة إلى طموح سينمائي لم يكتمل.

وفي عام 1977، جاء فيلم (تاجوج) لحامد محجوب ليُسجَّل كأول فيلم روائي طويل سوداني متكامل، واضعاً حجر الأساس لسينما كان يُفترض أن تتطور، لكنها سرعان ما اصطدمت بغياب البنية التحتية، وتراجع دور العرض، وانعدام الدعم المؤسسي.

وقبل ذلك، ظهر فيلم (الزين، 1970)، عن رواية الطيب صالح، ورغم أن إنتاجه وإخراجه كانا كويتيين، إلا أنه ترك أثراً ثقافياً مهماً، وأسهم في نقل القرية السودانية والوجدان الشعبي إلى الشاشة العربية، مؤكداً العلاقة المبكرة بين الأدب والسينما في تشكيل الوعي الثقافي.

وهناك أفلام قصيرة أيضاً أنتجت في السبعينيات لمخرجين مثل شريف حسين وعبدالقادر مصطفى.

منذ الثمانينيات وحتى عام 2010، ظل الإنتاج الروائي الطويل شبه غائب، في ظل تهميش الفنون وغياب الفضاءات التي تسمح بتراكم تجربة سينمائية محلية.

 

الأفلام القصيرة والوثائقية: حضور رغم الشروط

 

بعد عام 2010، ظهرت موجة من الأفلام القصيرة والوثائقية التي استطاعت، رغم محدودية الإمكانات، أن تحجز لنفسها مكانًا في المهرجانات الدولية، من بينها:

(الست) لسوزانا ميرغني، 2021.

(نيركوك) لمحمد كردفاني، 2016.

(الحديث عن الأشجار) لصهيب قاسم الباري، 2019.

(أوف سايد الخرطوم) لمروى زين، 2019.

هذه الأعمال لم تكن ضمن مواصفات قائمة أفضل مائة فيلم عربي، إما لكونها قصيرة أو وثائقية، أو لعدم عرضها تجاريًا، لكنها أثبتت نفسها فنيًا، وحازت جوائز، وأسهمت في إعادة تعريف السينما السودانية عالميًا.

 

سودان فيلم فاكتوري: إعادة بناء ما تهدّم

 

منذ عام 2010، لعب سودان فيلم فاكتوري دوراً محورياً في إعادة تحريك المشهد السينمائي السوداني. وقد تأسس بمبادرة من سينمائيين سودانيين، أبرزهم طلال عفيفي، بهدف سدّ فراغ طويل في التدريب والبنية الثقافية، وخلق بيئة بديلة لصناعة السينما.

كمنصة مستقلة غير ربحية، ركّز على تدريب الشباب، وإنتاج الأفلام القصيرة والوثائقية، وتنظيم مهرجان السودان للسينما المستقلة، مسهمًا في بناء جيل جديد من صناع الأفلام وشبكة ثقافية كانت غائبة لعقود.

 

السينما والذاكرة المشتركة

 

تُظهر التجربة السودانية الحديثة أن السينما ليست ترفاً، بل أداة لبناء الذاكرة المشتركة. فغياب دور العرض والمنصات حرم المجتمع طويلاً من تراكم سينمائي يصنع أيقونات وذكريات جماعية.

دخول (وداعًا جوليا) و(ستموت في العشرين) قائمة أفضل مائة فيلم عربي، في مرتبة تتقاطع فيها أسماء شكلت تاريخ السينما العربية، يذكّر بأن الفنون والسينما تحديداً، ضرورة ثقافية لبناء الهوية والانتماء. وربما يكون هذا الإنجاز إشارة إلى أن الذاكرة السودانية بدأت أخيراً تجد طريقها إلى الشاشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *