شرحبيل أحمد.. الفنان الذي كبرنا معه ولم يغادر الذاكرة

شرحبيل أحمد.. الفنان الذي كبرنا معه ولم يغادر الذاكرة

 

بقلم: طارق فرح

 

لم يكن شرحبيل أحمد في ذاكرة جيلٍ كامل مجرد فنان يُستمع إليه، بل جزءًا من التكوين الوجداني المبكر. بين أغنياتٍ حفظناها عن ظهر قلب، ورسوماتٍ صاحبت طفولتنا في مجلة (الصبيان)، حيث برزت شخصية (عمك تنقو) كأيقونة راسخة في الخيال، تشكّلت علاقة خاصة مع فنان جمع بين الموسيقى والصورة، قبل أن يرسّخ اسمه لاحقًا كأحد أعمدة الإبداع السوداني.

 

ليس شرحبيل أحمد مجرد اسم في ذاكرة الغناء السوداني، بل حالة إبداعية متكاملة تجاوزت حدود التصنيف التقليدي للفنان. فهو مغنٍّ وملحّن وموزّع موسيقي، عازف، فنان تشكيلي، وكاتب قصص أطفال مصوّرة، جمع بين الفنون في مشروع واحد، واستحق بجدارة لقب (ملك الجاز في السودان)، لدوره الريادي في تطوير الموسيقى السودانية.

وُلد شرحبيل أحمد عام 1935 في أم درمان، وتلقى تعليمه الأولي بين الكُتّاب والمدارس النظامية، قبل أن ينتقل إلى مدينة الأبيض، حيث تفتحت موهبته على الموسيقى والفنون البصرية. شكّلت بيئته المنزلية أساسًا مبكرًا لتكوينه الفني، الذي تعزّز لاحقًا بدراسته في كلية الفنون الجميلة بالخرطوم، بتشجيع من الفنان التشكيلي الكبير إبراهيم الصلحي.

 

في منتصف خمسينيات القرن الماضي، دخل شرحبيل الإذاعة السودانية بأم درمان، مقدّمًا لونًا موسيقيًا جديدًا على الذائقة السائدة. ومن خلال أعمال مثل (ليالي كردفان) وظهوره في برنامج (ركن الأصوات الجديدة)، ثم مشاركته في افتتاح المسرح القومي عام 1960، رسّخ أسلوبه القائم على الألحان الراقصة الهادئة والجمل الموسيقية القصيرة، مع اعتماد واضح على آلات النفخ النحاسية، في مزاوجة ذكية مع الإيقاعات السودانية .

 

لم يقتصر حضور شرحبيل أحمد على الموسيقى والغناء، بل امتد إلى الفن التشكيلي، حيث ارتبط وجدان السودانيين برسوماته التي زينت أغلفة مجلات الأطفال، وعلى رأسها مجلة (الصبيان)، التي شكّلت جزءًا أصيلًا من ذاكرة الطفولة لأجيال السبعينيات والثمانينيات. وقد ساهم هذا التداخل بين الصوت والصورة في ترسيخ مفهوم (الفنان الشامل) في الوعي الثقافي السوداني.

 

طوال مسيرته الفنية، حرص شرحبيل أحمد على إبراز الهوية الإفريقية في المظهر والمضمون، فتميّز بملابسه ذات الطابع الإفريقي، وبنكهة خاصة في موسيقى الجاز جعلت منه مدرسة فنية متفردة، ألهمت أجيالًا من الموسيقيين داخل السودان وخارجه. كما امتد تأثيره إلى محيطه الأسري والفني، حيث تعدّ زوجته؛ زكية أبوالقاسم، صاحبة الدربين الفن والحياة الطويلة، كما يسميها أحد أفراد فرقته الموسيقية ويُعد نجله (شريف) أحد أبرز أعضاء فرقة (عقد الجلاد)، التي لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الغنائي الجماعي خلال فترات سياسية واجتماعية معقّدة.

 

وفي ظل تكريمه في القاهرة شهر يناير 2026 ، يكتسب الاحتفاء بشرحبيل أحمد معنىً يتجاوز البعد الرمزي. فالتكريم يأتي في وقتٍ حُرم فيه الفنان من الوقوف على خشبات المسارح داخل وطنه بسبب الحرب، ما يحوّل المناسبة إلى لحظة تأمل في مصير الإبداع السوداني، وفي ضرورة تحويل الاحتفاء العابر إلى مشروع ثقافي مستدام.

 

كما لا بد من توجيه الشكر والتقدير لكل من ساهم في تكريم شرحبيل أحمد خارج السودان، من اللجنة المنظمة إلى المعهد الثقافي الفرنسي بالقاهرة، وصولًا إلى مسرح الجلاء التابع للقوات المسلحة المصرية، حيث سيُختتم التكريم. هذه المبادرة لم تكن مجرد احتفاء رمزي، بل تعبير عن تقدير حقيقي لمسيرة فنية ثرية امتدت لعقود، وجسدت قيمة الإبداع السوداني على الساحة الدولية، وفتحت نافذة للجمهور السوداني في مصر للتفاعل مع إرث الفنان والإسهام في الحفاظ عليه.

 

إن ما قدّمه شرحبيل أحمد، على مدى عقود، يستحق أن يُوثّق ويُخلّد عبر أفلام وكتب وأرشيف موسيقي وبصري، يربط الأجيال الجديدة بتجربة فنية ثرية، صنعت جسورًا بين السودان والعالم. فالتكريم الحقيقي لا يكتمل بالمنصات واللافتات وحدها، بل حين يتحوّل إلى إنتاج حيّ يحفظ الذاكرة، ويمنح الثقافة السودانية إرثًا دائمًا، يُقرأ ويُسمَع ويُلهِم لأجيال قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *