الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (5)
المركز والأقاليم: أزمة المشاركة وإعادة إنتاج الدولة الهشة
صفاء الزين
في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، جرى تفكيك نشأة الدولة السودانية بوصفها دولة وُلدت إداريًا دون عقد سياسي جامع، كما تم تتبُّع كيف أُعيد إنتاج الأزمة عبر المؤسسات، الدستور، القانون، الاقتصاد، النخب، والثقافة السياسية. وفي هذا الجزء ننتقل إلى العلاقة بين المركز والأقاليم باعتبارها أحد أعمدة الأزمة البنيوية، وإلى أزمة المشاركة السياسية والاقتصادية التي أسهمت في ترسيخ هشاشة الدولة عبر عقود متتالية.
ورث السودان دولة مركزية منذ الاستقلال، تركزت فيها السلطة والثروة داخل العاصمة ومؤسسات الحكم المركزي، بينما بقيت الأقاليم في موقع المتلقي. هذا النمط رسّخ الإقصاء، إذ جرى توزيع الموارد والخدمات والفرص وفق أولويات السلطة، لا وفق احتياجات المجتمعات المحلية. ومع الزمن بدأ المواطن في الأقاليم ينظر إلى الدولة ككيان بعيد عن واقعه اليومي، لا يمثل مصالحه ولا يعكس صوته. هذا الانفصال بين الدولة والمجتمع عمّق العزلة السياسية والاقتصادية، وأعاد إنتاج الأزمة بصورة متكررة.
غياب المشاركة الحقيقية للأقاليم في صياغة السياسات العامة حوّل المطالب المدنية والاقتصادية إلى توترات متصاعدة، والمؤسسات المركزية لم تفتح مسارات فعّالة للتعبير عن المطالب الإقليمية، وظلت قنوات التأثير محدودة وشكلية. وفي المقابل عجزت النخب السياسية المحلية في كثير من الأحيان عن بناء أدوات ضغط مدنية منظمة، ما أدى إلى انتقال الاحتجاج من المجال السياسي إلى أشكال أكثر حدّة، وصلت في بعض المناطق إلى العنف والصراع المسلح، وكل محاولة لتقليص المركزية واجهت مقاومة من السلطة، فتكرّست المشاركة كإجراء شكلي لا يملك تأثيراً فعلياً في القرار.
شهد السودان محاولات متكررة لإعادة توزيع السلطة والموارد عبر مشاريع تنموية أو صيغ لامركزية محدودة، غير أن هذه المحاولات بقيت جزئية ومؤقتة، ومع كل أزمة سياسية أو أمنية استعاد المركز قبضته، وعادت الأقاليم إلى موقع التلقي دون شراكة. هذا المسار يعكس نمطًا ثابتًا في تاريخ الدولة السودانية؛ فمركزية السلطة مع غياب المشاركة تنتج أزمة مستمرة، وهو نمط مستمر عبر كل المراحل ولم يتعرض لانقطاع حقيقي.
أسهمت النخب السياسية في المركز والأقاليم في تثبيت هذه العلاقة المختلة، فالنخب المركزية ركزت على الحفاظ على السيطرة على السلطة والموارد، ورأت أن أي تقليص للمركزية يمثل تهديدًا مباشرًا لنفوذها، وفي المقابل افتقرت النخب الإقليمية إلى استراتيجيات تنظيمية طويلة المدى للدفاع عن مصالح مناطقها، واعتمدت على تفاوض جزئي وتحالفات ظرفية لم تغيّر بنية العلاقة مع المركز، وكانت النتيجة تعميق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، واستمرار الإقصاء كخصيصة بنيوية لا استثناء مؤقت.
تجاوز أزمة المركز والأقاليم ظلّ بعيد المنال، إذ يستمر النمط نفسه من مركزية السلطة مع غياب المشاركة، وهذا يقود إلى استمرار فجوة الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية وتعميق الإقصاء. تُظهر التجربة السودانية أن أزمة الدولة هي نتيجة مباشرة لمركزية مفرطة، وغياب المشاركة، وإقصاء متراكم للأقاليم، وهذا النمط البنيوي يعيد إنتاج نفسه في كل مرحلة جديدة، ويستمر في تعميق هشاشة المؤسسات، فتتحول إدارة الصراع إلى معالجة احتوائية لا تتعامل مع جذوره. ومن دون تغيير كلي في علاقة المركز بالأقاليم ستبقى الدولة تدور في دائرة هشاشة مؤسسية تتجدد باستمرار، وتنتقل الأزمات السياسية والاقتصادية من مرحلة إلى أخرى، ليبقى الصراع المتكرر جزءًا من النسيج البنيوي للدولة السودانية.
في الجزء القادم من السلسلة، سنقترب أكثر من نتائج هذا الاختلال البنيوي، ونتتبع كيف تنتقل هشاشة الدولة من أزمة سياسية كامنة إلى عنف متكرر، في مسار يكشف العلاقة المباشرة بين بنية الحكم واستمرار الصراع.