من أنقاض الدولة إلى يقظة المجتمع: نحو عقد سوداني جديد للمسؤولية المشتركة

صفاء الزين

mrs.safaazain@gmail.com

مع اقتراب نهاية عام يتجه فيه العالم نحو آفاق اقتصادية ورياضية جديدة، يجد السودانيون أنفسهم عند لحظة مغايرة تمامًا للمشهد العالمي. فبينما تتسابق الأمم نحو المستقبل، يقف هذا البلد محمّلًا بأسئلة ثقيلة: كيف يستعيد مجتمع أرهقته السنين طاقته على النهوض؟ وكيف يُصبح الغد أقرب إلى الطمأنينة منه إلى القلق؟

هذه الأسئلة ليست ابنة لحظة واحدة، إنها حصيلة مسار طويل من التعثرات التي عطّلت تشكّل مشروع وطني جامع. ورغم تراكم الخيبات، يتبدّى في وعي الناس شيء يشبه اليقظة الداخلية، تلك التي تذكّر بأن الخراب لا يستطيع إخفاء جوهر أمة تعرف جذورها واحتياطها العميق من القوة.

عند تأمل المشهد السوداني خلال السنوات الماضية، يتضح أن الأزمة لم تتولد من المواجهات الأخيرة وحدها، بل من تاريخ اجتماعي معقد صنع علاقات هشة وترك مسافات واسعة بين المكوّنات. وقد لجأ كثير من الباحثين إلى وصف هذا الوضع بـ”الأزمة البنيوية”، غير أن الواقع الراهن يتجاوز هذا التعبير، لأنه يلامس سؤال الوجود المشترك نفسه: كيف يمكن لمجتمع متعدد الثقافات والهويات أن يبتكر صيغة تعايش تحمي تنوعه وتفتح له أفقًا جديدًا؟

في هذا السياق تبدو مقولة (حنة آرنت) — المجتمع يصبح هشًّا حين يتراجع الفعل المشترك — قريبة للغاية من التجربة السودانية. فحين غابت مساحات الاتفاق، تضخّمت الأصوات المنفردة، وضعفت الإرادة الجمعية التي كانت تاريخيًا مصدر قوة المجتمع.

ومع ذلك، فإن عناصر البناء لا تزال حاضرة بقوة. فالتجربة تُظهر أن السودانيين ينهضون بسرعة حين يتشارك الناس الإحساس بالمسؤولية، وأن قوة هذا البلد لم تكن يومًا حبيسة المؤسسات الرسمية، بل كانت دائمًا في قدرة المجتمعات المحلية على خلق شبكات تضامن، وفي استعداد الناس للوقوف مع بعضهم في أقسى الظروف.

هذا الإرث هو الركيزة الأولى لأي محاولة إصلاح. فالمكوّنات الاجتماعية — من الطرق الصوفية إلى الإدارات الأهلية والروابط المهنية والمجتمعات المدنية — لها دور عميق في تشكيل المزاج العام. وكلما توسّعت المشاركة الشعبية في الحوار، اقتربت احتمالات التعافي من أن تصبح حقيقة.

التحدي الآن هو إعادة ترتيب العلاقة بين هذه المكوّنات، وبعث مفهوم “المسؤولية المشتركة” بروح جديدة. فالأدوار التقليدية لم تعد كافية، والواقع المتحوّل يتطلب رؤى تعيد بناء المجال الاجتماعي على أساس الحكمة والاتزان واحترام التنوع والقدرة على الإصغاء. وعندما تتحرك هذه المكوّنات في اتجاه واحد، يصبح من الممكن تخفيف آثار التصدعات وفتح الطريق أمام مرحلة تشبه السودان الذي يحلم به أبناؤه.

ومع اقتراب العام الجديد، تبدو اللحظة مناسبة لإطلاق تفكير جماعي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يتجاوزها نحو رؤية تمكّن المجتمع من استعادة ثقته بنفسه، وتعيد للمشروع الوطني أفقه الواسع. فالبلاد لا تحتاج معجزات، بل تحتاج إرادة اجتماعية تعرف أن المستقبل وعد لا يُمنح، وإنما بناء يبدأ بخطوة واحدة: أن تجتمع المكوّنات على هدف واحد، حفظ هذا الوطن وصون كرامة الإنسان فيه.

وإذا كانت المسؤولية المشتركة هي المدخل الأخلاقي للخلاص، فإن ترجمتها الاستراتيجية تبدأ ببناء عقد اجتماعي جديد لا يُدار من فوق، ولا يُختطف من السلاح، ولا يُرتهن للخارج، وإنما يقوم على وعي القاعدة الاجتماعية بحقها في الدولة وواجبها تجاهها.

المطلوب اليوم تهدئة تتجاوز إطفاء الحرائق العاجلة نحو إعادة تعريف لمعنى السلطة، ومعنى الشرعية، ومعنى الشراكة الوطنية على أسس: العدالة، والاعتراف المتبادل، وتوازن المركز والهامش، وحرمة الدم، وقدسية الحياة المدنية. عند هذه النقطة فقط، يتحول السودان من ساحة صراع إلى مشروع أمة، ومن جغرافيا مثقلة بالجراح إلى وطن قابل للشفاء، لأن الأمم لا تنهض عبر كثرة الشعارات، وإنما عبر وضوح البوصلة، وصلابة الإرادة، واتساع دائرة الحالمين بالمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *