أفق بعيد
فيصل محمد صالح
عن التدخلات الخارجية
لا شك أنك لو سألت أي شخص سوداني، سياسي أو مسؤول كبير أو مواطن عادي، عن موضوع التدخلات الخارجية في الشأن السوداني فستكون إجابته أنه ضد التدخل الأجنبي، وأنه يفضِّل أن يكون الحل سودانياً خالصاً.
هذا حديث وموقف نظري لا غبار عليه، لكن عند إخضاع الواقع للنظر الفاحص سنجد تناقضات واختلافات كبيرة في المواقف والتطبيقات العملية.
سيكون هناك جدل ونقاش كثير حول توصيفات التدخل الأجنبي وتعريفه، وستجد من يكابر في وصف موقف معين بأنه تدخل أجنبي، ويحاول تعريفه بأنه تعامل عادي مع قوى إقليمية ودولية، لذلك هناك حاجة لتعريف دقيق لمصطلح التدخل الأجنبي ووضع معايير وتفصيلات تساعد على فهم هذا المصطلح.
ثم هناك التناقض الشديد في المواقف. فقد تقرأ مقالاً أو مكتوباً ما لأحدهم يطالب دولة جوار بالتدخل العسكري في الحرب الدائرة حالياً، وفي نفس الوقت ستجد له كتابات أخرى ضد التدخل الأجنبي. المسألة هنا، وباختصار شديد أن التدخل الخارجي مرحَّب به إن كان معنا، وهو أمر مرفوض إن كان ضدنا، أو مع خصومنا. هذا التناقض ينسف الموقف من التدخل الأجنبي من الأساس.
انظر فقط لموقف حكومة بورتسودان، وهي الأعلى صوتاً في مسألة رفض التدخل الأجنبي، لكن بمراجعة مواقفها منذ كانت جزءاً من الشراكة العسكرية المدنية بعد الثورة، ستجد أنها قامت أساساً بالاعتماد على دعم تحالف إقليمي خارجي، واستمرت في ذلك حتى الانقلاب على الحكومة المدنية والفترة الانتقالية. وحتى عندما دخلت في الحرب الحالية كان وراء ذلك هذه المحاور الإقليمية نفسها. لكن الفرق هنا أن هذا المحور الإقليمي قد انقسم بين طرفي الحرب، فصارت بعض الدول تدعم البرهان وتحالفه السياسي العسكري، ووقف البعض الآخر وراء الدعم السريع، ووفر له التمويل والسلاح والعتاد.
ثم مع تطورات الحرب فتحت بعض دول الجوار أراضيها لتدريب مجموعات مسلحة وتمويلها ومدها بالسلاح، بشكل علني. وعندما تدخل هذه القوات عبر الحدود تقام لها الاحتفالات التي تنقلها أجهزة الإعلام الرسمية. كيف يمكن لنفس هذه الجهات أن تقدم للناس محاضرات عن التدخل الأجنبي وخطورته، وتدمغ أطرافاً سياسية على خلاف معها بأنها خاضعة للدول الخارجية وتصفها بالعمالة والارتزاق؟!.
المدخل لوقف التدخل الأجنبي هو الاتساق في المواقف، إن كنت ترفضه وتراه شراً محضاً فعليك أن تطبقه على نفسك أولاً. وإن كنت ترى التعامل مع القوى الخارجية مهماً، على أساس المصالح، فإن ذلك يحتاج معايير صارمة ووضوحاً في الرؤية يحدد الفرق بين التعامل مع القوى الإقليمية والدولية وبين الارتهان لها.