سبعون عاماً من السودان: لماذا صارت الرجعة للوطن سؤالاً
كتابات – ديسمبر
قبل سبعين عاماً، وعلى رصيف محطة القطار، ارتفع صوت الفنان حسن خليفة العطبراوي مردداً: “يا غريب يللا لبلدك”، في لحظة تاريخية تزامنت مع حزم المستعمرين حقائبهم ومغادرتهم بلاد النيلين، تاركين “الزول” يردد بثقة: “هذه الأرض لنا”. يومها، احتلت الراية مكانها، واستعاد الوطن موضعه بين الأمم الحرة المستقلة، وارتفع شعار: “فليعش سوداننا علماً بين الأمم”. غير أن السؤال ظل يطارد شعباً كاملاً منذ تلك اللحظة الفارقة: هل حققنا الاستقلال حقاً؟، أم أننا غادرنا حرباً واحدة فقط لندخل معركة أكبر وأطول؟.
في سياق الاستعدادات الوطنية لإحياء الذكرى السبعين لاستقلال السودان، أعلن إعلام مجلس السيادة الانتقالي اعتماد شعار رسمي للمناسبة، حمل عبارة: “الذكرى السبعون للاستقلال” و”وغداً نعود.. حتماً نعود”، إلى جانب التاريخين 1956 و2026، في إشارة رمزية إلى استمرارية الحلم الوطني رغم التحديات، وإلى أن إرادة الشعب السوداني – بحسب الخطاب الرسمي – لا تنكسر أمام المحن.
وفي كلمة مصورة بُثت يوم الثلاثاء، قال قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان إن الشعب السوداني قادر على النهوض رغم ما مر به من أزمات، مؤكداً أن السودانيين لن يُهزموا، وأنهم يمتلكون إرثاً حضارياً وتاريخياً راسخاً. وأوضح أن التجارب التي خاضها السودانيون عبر تاريخهم تمثل دليلاً على قدرتهم على تجاوز العثرات، معتبراً أن هذه القيم المتجذرة في المجتمع السوداني تعزز من فرضية “غداً نعود”.
غير أن الاحتفاء بمرور سبعين عاماً على الاستقلال تحت شعار “غداً نعود” يعيد طرح أسئلة جوهرية: ما هي دعاوى المغادرة من الأساس؟ وما هو ذلك الوطن الذي يدفع بأهله بعيداً عنه، إلى الحد الذي تصبح فيه العودة حلماً مؤجلاً؟.
في الخرطوم، المدينة التي شهدت ميلاد السودان الحر قبل سبعين عاماً بالتمام والكمال، أصدرت لجنة أمن الولاية قراراً بمنع إقامة احتفالات بداية العام الجديد داخل الصالات والأندية والمنتجعات، إلى جانب منع التظاهرات والمسيرات وعدم التصديق لها، مؤكدة التعامل معها بحسم وفقاً للقانون. هذه القرارات الأمنية، في عاصمة غادرتها الحكومة سابقاً عقب اندلاع الحرب، تمنح خلفية قاتمة لمعنى “العودة” ذاته.
لم تعد الخرطوم هي المدينة التي يعرفها أهلها، ولم تعد الحياة فيها على النحو الذي اعتادوه. صارت، بحسب توصيف أحد المواطنين “قطعة من الجحيم”. يقول الرجل إنه يرفض حتى مجرد الحديث عن “الاستقلال” وذكرى التحرر والانعتاق، إذ لا حرية – في نظره – في بلاد يستعمرها الموت، ويقتل فيها الناس بعضهم بعضاً ليصعد آخرون إلى كراسي السلطة. ويتساءل بمرارة: هل لأجل ذلك واجه أجدادنا المنون؟، وهل لمثل هذا اليوم كانوا يعملون؟، قبل أن يخلص إلى أن ما يفعله الناس اليوم ليس سوى الانتظار، انتظار صباح تشرق فيه شموس السلام، وتعالج فيه كل الإخفاقات التي جعلت من الاستقلال مجرد حدث بلا قيمة، ولحظة لاستعادة فشل النخبة السياسية في التعاطي مع الوطن وقضايا أهله.
في كلمته بمناسبة مرور سبعين عاماً على الاستقلال، يخبركم قائد الجيش – الذي يخوض حرباً مع شريكه في الانقلاب على حكومة الثورة – أن الشعب السوداني من المستحيل أن يُهزم، وأنه سينهض وسيقود مسيرة العالم. غير أن الحقيقة، كما تكشفها الوقائع، تقول إن السودان، خلال سبعين عاماً من عمره كدولة مستقلة، هُزم أكثر مما انتصر. هُزم بالعجز عن تحقيق غايات الدولة في توفير الحد الأدنى من الاستقرار، وهُزم بالانقسام في عام 2011 حين تقلصت جغرافيته عمّا تركه الأجداد، وهُزم بالعجز عن إدارة التداول السلمي للسلطة، وهزمه العسكر الذين نالوا من استقلاله أكثر مما ناله غيرهم، ويُهزم اليوم بالحرب، في انتظار أن تُحسم بدعم خارجي.
وعند لحظة الاستقلال، خاطب الزعيم إسماعيل الأزهري الشعب قائلاً: “إذا انتهى بهذا اليوم واجبنا في كفاحنا التحريري فقد بدأ واجبنا في حماية الاستقلال وصيانة الحرية، وبناء نهضتنا الشاملة التي تستهدف خير الأمة ورفعة شأنها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بنسيان الماضي وطرح المخاوف وعدم الثقة، وأن نُقبل على هذا الواجب الجسيم إخوة متعاونين وبنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً، وأن نواجه المستقبل كأبناء أمة واحدة متماسكة وقوية”.
وقبل الخوض في دلالات الشعار الرسمي للاستقلال، الذي يطالب الشعب بالعودة من سلطة أمر واقع تفصل بينها وبين عاصمة الاستقلال ألف ميل، يتمدد سؤال عميق حول تماسك الأمة وطبيعة العلاقة بين مكوناتها. والمفارقة أن يوم الاستقلال نفسه يشهد جدلاً كثيفاً حول أحقية السودانيين في الحصول على الأوراق التي تثبت سودانيتهم – الجنسية والجواز – كرد فعل على قرارات اتخذتها السلطة الحاكمة منعت بموجبها بعض السودانيين من استخراج جوازاتهم، احتجاجاً على مواقفهم السياسية الرافضة للحرب.
وفي بلدٍ تتكسر فيه الدولة على إيقاع البنادق، وتُدار فيه السياسة من غرف السلاح لا من ساحات الإرادة الشعبية، يصبح السؤال عن السودان سؤالاً عن الوجود ذاته: هل ما زال ممكناً إنقاذ وطن يتآكل من داخله؟، أم أننا نشهد لحظة الانكسار النهائي؟. وسط هذا المشهد الكابوسي، حيث لم تعد الحرب حدثاً طارئاً بل نظاماً للحكم، يبقى السؤال ليس عن العودة، بل عمّا إذا كان ثمة ما يمكن العودة إليه.
في سبعينية السودان، دعا رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف (صمود)، عبد الله حمدوك، إلى الشروع في صياغة عقد اجتماعي جديد، يعيد بناء الدولة السودانية على أسس المواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة، محذراً من خطورة إعادة إنتاج نماذج الحكم الهشة التي قادت البلاد إلى دوامات متكررة من الانقلابات والحروب. وقال حمدوك، في مقابلة مع (أفق جديد) يُنشر نصها لاحقاً، إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الانطلاق في إصلاحات دستورية واقتصادية ونُظم حكم عميقة تؤسس لدولة حديثة، أو السقوط مجدداً في مسار الاضطراب والانهيار.
واعتبر حمدوك أن استقرار السودان يظل مستحيلاً دون إعادة تعريف جذرية لدور المؤسسة العسكرية، وإنهاء تسييسها وعسكرة الحياة السياسية، مؤكداً أن الجيش يجب أن يتحول إلى مؤسسة مهنية قومية واحدة، بعقيدة وطنية واضحة، تخضع للسلطة المدنية، ضمن عملية إصلاح أمني وعسكري شامل. كما حذر من أن استمرار تدخل الجيش في السياسة، ووجود مليشيات عسكرية موازية، يقوض مفهوم الدولة ويجعل السلاح مصدراً للشرعية بدلاً عن الإرادة الشعبية.
وفي سبعينية السودان، لا يبدو الأمر في دعوة الناس إلى “العودة غداً” وتبشيرهم بالعبور والانتصار، بقدر ما يبدو مطلباً موجهاً إلى أصحاب الدعوة أنفسهم: أن يعودوا هم إلى ثكناتهم. فلولا تحوّل المدن إلى ساحات معارك، لما اضطر الناس إلى مغادرة بيوتهم وبلادهم، ولما صار حلم العودة معلقاً على نهاية حرب لم تبدأ بإرادة الشعب، ولا تُدار باسمه.