توقيعات على دفتر الرحيل…
في وداع الأستاذ نورالدين مدني

التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)
وداعاً الأستاذ نورالدين مدني

تنعي قيادة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بمزيد من الحزن والأسى للشعب السوداني القامة الإعلامية والصحفي المميز وصاحب القلم الرصين المغفور له بإذن الله تعالى الأستاذ/ نورالدين مدني، الذي انتقل لجوار ربه اليوم الجمعة بمدينة سيدني بأستراليا.
كان الفقيد من الملتزمين والمؤمنين بحق الشعب السوداني في السلام والحرية والعدالة ووقف الحرب والحكم المدني الديمقراطي المستدام، من خلال مواقفه النضالية وآرائه الصحفية، وتحليلاته السياسية، وظل صامداً في بلاط الصحافة والإعلام طيلة سنوات الحكم الشمولي لنظام الإنقاذ البائد، وواجه بشجاعة كل أشكال القمع والتضيق والمنع من العمل والاعتقال في بيوت الأشباح والرقابة القبلية والبعدية والاستدعاءات والسجن والتشريد والفصل من العمل ولم تزده هذه الممارسات إلا ثباتاً والتزاماً بحق السودان والسودانيين في وطن حر وديمقراطي.
وتشرفت (صمود) في أستراليا أن يكون عضواً فاعلاً ضمن مكاتبها، وعمل بدأب على دعم جهود وقف الحرب وتحقيق السلام الشامل واستعادة الحكم المدني الديمقراطي المستدام.
“إنا لله وإنا إليه راجعون”
نقابة الصحفيين السودانيين

نعي أليم
قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ • الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”. صدق الله العظيم.
بعميق الحزن والأسى، تنعى نقابة الصحفيين السودانيين إلى الصحفيين والصحفيات، الصحفي نور الدين مدني أبو الحسن، الذي وافته المنية صباح يوم الجمعة في مدينة سيدني الأسترالية، بعد معاناة مع المرض.
لقد ودّع الوسط الصحفي برحيله أحد رموزه البارزة، الذين كرسوا حياتهم لخدمة المهنة على مدى نصف قرن من الزمان. جاب الفقيد خلالها ميادين العمل الصحفي في عدة صحف، أبرزها صحيفة “الصحافة”، قبل أن يستقر به المطاف في رحلته الأخيرة بصحيفة “السوداني”، حيث ظل رفيقاً للقراء من خلال زاويته المحبوبة “كلام الناس”.
كان الفقيد مثالاً للصحفي الملتزم، الجاد في أداء رسالته، المنافح عن حرية الصحافة والنشر، الحريص على قضايا مجتمعه. لم تكن مسيرته مجرد توثيق للأحداث، بل كانت مدرسة متكاملة للأجيال. كان الفقيد محبوباً، هيناً ليناً، سبّاقاً في العمل الاجتماعي، كما ظل حلقة وصل بين أجيال مختلفة من الصحفيين والصحفيات الذين مروا بالمهنة. فقد تتلمذ على يديه العديد من الصحفيين والصحفيات، وكان لهم بمثابة الأب المعلّم، يمدهم بالنصح والمشورة، ويشجعهم على العطاء، تاركاً في قلوبهم محبة باذخة.
برحيل نور الدين مدني، تفقد الساحة الصحفية أحد أعمدة الحكمة، وينطفئ مصباح كان – ولا يزال – منارة للمعرفة والتوازن. إن خسارته ليست مجرد غياب لشخص، بل هي ثلمة في جدار الصحافة السودانية.
بهذا المصاب الجلل، تتقدم نقابة الصحفيين السودانيين بأصدق التعازي وأحر المواساة إلى أسرة الفقيد، وإلى أهله وذويه، وإلى زملائه وتلاميذه، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.
“إنا لله وإنا اليه راجعون”
شبكة الصحفيين السودانيين

نعي أليم
أي فارس قد ترجل عن صهوة جواد الصحافة والثقافة والمعرفة، وأي يوم طويل حالك هذا.
مضى اليوم نور الدين مدني، الذي ننعيه في شبكة الصحفيين السودانيين بلا تعريف يسبق الاسم؛ فهو المثقف، وهو الصحفي والكاتب واسع المعارف، وهو كذلك الوطني الغيور، وهو فوق ذلك الإنسان الطيب المرهف الذي لا تراه إلا باسماً مرِّحباً حنوناً وصديقاً وأباً للجميع.
عمل الراحل في الكثير من المؤسسات الصحفية، فكان مثالاً للمهنية والقدرات والإمكانيات الكبيرة، فذاع صيته بين الناس الذين كانوا يترقبون زاويته المقروءة في الصحف التي عمل بها، ولم يزده ذلك إلا تواضعاً مما حبَّب الناس فيه. وعلى الرغم مما قد يتسلل إلى النفس من إحباطات في بلادنا التي كُتب عليها ألا تنعم بالاستقرار، كان نور الدين يرى في استلقاء الصحفي واستسلامه ترفاً، فكان يقول: “عندما يصاب الإنسان بالإحباط يعجز عن الفعل الإيجابي، ويتخذ موقفاً انكفائياً سلبياً، لكننا لا نستطيع ولا ينبغي لنا ذلك، لأن الكلمة مسؤولية لابد من الإفصاح عنها مهما ضاقت سبل التعبير”.
نعم، كان نور الدين مدرسة صحفية وكان قريباً من الناس، فاختار لزاويته اسم “كلام الناس”، بعد مراجعة للاسم القديم “الحق أقول”؛ لأنه أدرك أن الحقيقة نسبية ولا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، وذلك نموذج للإنسان الذي يتطور مع التجارب ويزداد تواضعاً. وكذلك كان نور الدين الذي أخذ من اسمه الكثير فكان نبراساً في عالم الصحافة.
وكان نور الدين من أكبر الداعمين لنا في شبكة الصحفيين السودانيين، وما زالت صفحة الشبكة القديمة تحمل مقالاته وزاويته التي كان يحرص على أن تكون ضمن كتابات الصفحة.
سنفتقده في شبكة الصحفيين، كما ستفتقده الصحافة الرزينة والكلمة الناضجة، وسيفتقده الوطن الذي حمل همه في كتاباته.
نسأل الله الرحمة والمغفرة لنور الدين، وأن ينير قبره بفيوض الأنوار، وأن يلهم آله وصحبه وأسرته ومعارفه وتلاميذه الصبر الجميل.
فيصل محمد صالح

رحيل “الأسطى”
العمل الصحفي يبدو سهلاً للناظر إليه من الخارج، لكنه عمل معقد يمر بمراحل متعددة، وفيه وظائف مختلفة، منها مثلاً اختلاف دور ووظيفة الكتاب من الصحفيين، وأقصد هنا المحررين. كثير من الكتاب لا علاقة لهم بالعمل الصحفي اليومي، وقد لا يدخلون مكاتب الصحيفة لأشهر، يرسلون مادتهم بالبريد الإلكتروني، وترسل مستحقاتهم إلى حساباتهم البنكية، إلا فيما ندر، وبالتالي هم بعيدون عن متاعب وأعباء العمل اليومي في الصحيفة.
ليس في هذه الإشارات تقليل من دور الكتاب من خارج الصحيفة، لكن تمييز بين الأدوار، وبعض الكتاب سبب في نجاح بعص الصحف بما لهم من جماهيرية ومتابعات.
في مصر يسمون الصحفيين الذين يرصدون الأخبار ويجرون التحقيقات والحوارات ويتابعون التغطيات وغيرها “جورنالجية”، وهم عصب العمل الصحفي، حتى لو لم يصبحوا نجوماً ولم يعرفهم القراء.
داخل طبقة “الجورنالجية” هناك تقسيمات أخرى، منها الأسطوات الذين يقومون بدور المايسترو، هم المسؤولون عن تحويل المواد المكتوبة والمستلمة من الصحفيين والكتاب إلى مادة صحفية قابلة للنشر، ويتابعون التصميم والتنفيذ حتى تخرج الصحيفة في صورة تسر الناظرين.
أستاذنا الراحل نور الدين مدني واحد من أهم الأسطوات في الصحافة السودانية من خلال وظيفة سكرتير التحرير التي شغلها لفترة طويلة في عدة صحف. ومن حسن حظنا، ومن حسن حظ أي صحفي جديد أو تحت التمرين أن يكون مرشده ودليله هو أستاذ نور الدين.
عمل أستاذ نور الدين فور تخرجه من الجامعة باحثاً اجتماعياً في السجون، لكن حب العمل الإعلامي كان يجري في دمه، فظل يكتب للصحف والإذاعة، حتى جاءت اللحظة المناسبة حين تولى الدكتور جعفر محمد علي بخيت منصب رئيس مجاس الإدارة لدار الصحافة للطباعة والنشر. قرر جعفر بخيت أن يوظف الجامعيين في الوظائف الصحفية، وفتح باب التقديم. تقدم عدد كبير مر بسلسلة من الإجراءات، امتحان ومعاينات، حتى تم اختيار 14 من المتقدمين عرفوا بعد ذلك في الأوساط الصحفية بـ”الكواكب الأربعة عشر”، كان من بينهم نور الدين مدني ومحجوب عروة ومحمد عثمان دبايوا والرشيد حميدة وعدد آخر من الذين لم يستمروا في المهنة ومنهم الشيخ درويش.
ومن مكارم الخالق أنني عملت وأنا صبي صحافة صغير تحت أمرة أستاذ نور الدين في سكرتارية التحرير. ولم يكن غريباً أن تجد صغار الصحفيين والصحفيات يتجمعون في مكتب نور الدين مدني، فهم يتعلمون هنا كيف تتم صناعة الصحافة، تحت رعاية الأب الحاني والأستاذ الحاسم والإنسان اللطيف. وبحكم احتكاكي به لفترة كنت أستمتع بتعليقاته الساخرة وهو يمر على الأوراق التي تحت يده، وهي تعليقات تخصه، يتحدث بها مع نفسه، وعليك أن تلزم الصمت تستمع وتستمتع.
كتبت مرة موقفاً لي معه، ولا بأس من الإعادة. كعادة الصحفيين الجدد الذين يحاولون إثبات أنفسهم كنت ملحقاً بقسم التحقيقات، لكني منتشر في كل صفحات الجريدة، أكتب أخباراً ومواد منوعات، وسياسة عالمية وعموداً فنياً..إلخ. ومن بين ذلك صفحة أسبوعية اسمها “شؤون عربية” أسلم موادها مساء الاثنين لتنشر في عدد الأربعاء.
داهمتني الملاريا اللعينة، وكنت حديث عهد بها، ليست لدينا ملاريا في بورتسودان، في ذلك الوقت، ببساطة لأنه ليس هناك بعوض وليست هناك مياه راكدة في الشوارع. تمددت على كنبة في مكتب الأخبار الخارجية في انتظار الترحيل ليوصلني إلى امتداد ناصر حيث كنت أقيم. دخل الأستاذ نور الدين يسأل عن الصفحة، فاعتذرت بأني مريض، وقف في المكتب وهو يصيح: “ده دلع جديد، عايزين تدخِّلوا حاجات جديدة في الصحافة.. في صحفي بيمرض؟” بين الخوف والهلع أجبته: “لا”. رد سريعاً: “أيوه.. الصحفي بيقع يموت.. نعمل ليه نعي، ما في صحفي بيمرض”.
قمت وجلست حررت صفحتي وسلمتها أنا أارتجف من الحمى. غبت اليوم الذي يليه، وحضرت بعدها، وكل من قابلني كان يقول لي إن أستاذ نور الدين يسأل عنك؟ دخلت عنده فهب واقفاً ليسأل ويطمئن علي، ثم سألني لماذا حضرت وأنت لا زلت مريضاً، وكان ردي: “إنت قلت الصحفي ما بيمرض”. تبسم وطلب مني الجلوس، وأعطاني محاضرة طويلة عن الالتزام تجاه القارئ، وكيف أن علينا أن نضغط على أنفسنا بقدر الإمكان لكي نفي بعهدنا مع القارئ، وأنه طالما أن الصفحة انتظمت وأوجدت قراءً فمن الأفضل ألّا تغيب عن موعدها. انتهى من الحديث ثم نادى على أحد السائقين وأمره أن يوصلني إلى المنزل.
عشرات القصص يمكن أن تسمعها من صغار الصحفيين والصحفيات عن تعامل أستاذ نور الدين معهم، حسه الإنساني العالي، التزامه تجاه قضايا الشعب مهما كان الثمن، وإخلاصه بلا نهاية لمهنة الصحافة.
كان أباً فاضلاً لعبد الرحمن ومحمد وهالة وهادية وهنادي، وأباً وأخاً أكبر وصديقاً لنا جميعاً ولأجيال من الصحفيين والصحفيات. رحمه الله وأحسن إليه.
عثمان فضل الله

وداعًا أبا عبد الرحمن
وداعًا أبا عبد الرحمن.. نشهد الله أنك كنت هيِّنًا ليِّنًا، قريبًا من القلوب، محبًّا ومحبوبًا. لم تحمل في صدرك غلًّا ولا ضغينة، وكنت تحترم الصغير قبل الكبير، وتُعطي لكل إنسان قدره من الكرامة والاهتمام.
نودّع اليوم الأستاذ الصحافي المخضرم نور الدين مدني، ذلك الصوت الذي ظلّ عاليًا حين خفتت أصوات كثيرة، والقلم الذي لم يعرف المساومة حين اختار كثيرون الصمت. كان رجل موقف قبل أن يكون رجل مهنة، وصاحب كلمة قبل أن يكون صاحب منصب أو شهرة.
عرفه الناس صلبًا في وجه الديكتاتوريات، لا يخشى في الحق لومة لائم. كان يؤمن أن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أثقل من القيود وأقوى من السجون. لذلك لم يكن غريبًا أن يُعتقل مرات عديدة، وأن يدفع ثمن مواقفه من حريته وراحته، لكنه لم يبدّل ولم يغيّر ولم يلن. ظلّ كما هو: ثابتًا، واضحًا، وفيًّا لمبادئه.
كان يمكن له أن يختار طريقًا أسهل، أن يساير أو يصمت، لكنه اختار الطريق الأصعب.. طريق الكرامة. كتب بضمير حيّ، وانتصر للحقيقة حين كانت الحقيقة مكلفة. ولم تكن صلابة موقفه تعني قسوة قلبه، بل على العكس؛ فقد كان إنسانًا رقيقًا في تعامله، بسيطًا في حضوره، كريم الروح مع من حوله.
في مجالس الأصدقاء كان ودودًا قريبًا، وفي ساحات الكلمة كان شامخًا لا ينحني. جمع بين التواضع والصلابة، بين دفء الإنسان وجرأة الصحافي. ولذلك لم يكن مجرد كاتب عابر في تاريخ الصحافة، بل كان مدرسة في الشجاعة والنزاهة والاستقامة.
رحل الجسد، لكن المواقف لا ترحل. ستبقى كلماتك شاهدة على زمن حاول فيه كثيرون كسر الأقلام الحرة، لكنها ظلت تكتب. وستبقى سيرتك درسًا للأجيال القادمة: أن الكلمة يمكن أن تكون موقفًا، وأن الصحافي الحقيقي لا يساوم على ضميره.
نم قرير العين يا أبا عبد الرحمن.
فقد عشت كريمًا ورحلت مرفوع الرأس، تاركًا خلفك أثرًا طيبًا وسيرةً ناصعة، ومحبة صادقة في قلوب كل من عرفوك.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وألهم أهلك ومحبيك وزملاءك الصبر والسلوان.
نزار عبد الماجد

أنا أجزم أنه ما من أحد يمكن أن يجيد وصف ما اكتنزت، واستطعت عبر أجيال الصحف السودانية، أن تجعلنا كلنا نغرف من هذا المعين.. السلاسة والبساطة.. الحنو والوسطية.. القلب الأبيض.. والضحكة العابرة للقلوب.
إنه أستاذ ومعلم أجيال الصحافة السودانية الأستاذ نور الدين مدني.
على الصعيد الشخصي، حيث كنت محظوظاً بأن أكون من تلامذته وأحبابه. ساندني ووقف بجانبي حين كنت من ضمن طاقم صحيفة “السوداني”، الذي ينوب عن رئيس تحريرها محجوب عروة وقتها، والصحافة في عهد ما بعد اتفاقية السلام.
آمن بي ورشّحني لكثير من الدورات الصحفية المهمة، وأسهم في تجوالي الصحفي في مدن سودانية عديدة. كان مشرفاً عليَّ حين كُلِّفت بتحرير صفحة تُعنى بمشاركات القراء، وساند أفكاري فيها أمام إدارة التحرير وقتها، وجملته الطنانة في رأسي: “إنت ود فقري.. وجيت الصحافة دي بصلعتك”.
كان أستاذاً وأباً وصديقاً وأخاً للكل.
عندما يأتي للإمارات نزحف إليه، فهو زاد للمحبين، للنفوس الطيبة. وهو قلم وقلب وضمير نظيف.
نسأل الله أن يتقبله في عليين، وأن يجعل الصبر في أهله الكرام، وتلامذته وأحبابه الكثر وعارفي فضله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
أستاذي الجميل.. نور الدين مدني.
آمال عباس العجب

إلى جميع زملاء المهنة الشريفة الصحافة، عشاق الكلمة النظيفة، المتفانين في درب نقل الخبر الصحيح المجرد من الشبهة، وإلى عشاق الحق المجرد.
أنا آمال عباس التي عرفت الزميل نور الدين مدني في ردهات الحق وعشاق الصدق قبل أن نمتهن هذه المهنة المقدسة، فقد زاملت الزميل نور الدين مدني في البحث الاجتماعي وفي عشق الكلمة الصادقة، واستمرت زمالتنا في هذا الدرب المحفوف دائماً بالمخاطر والمحفوف دائماً بالتآمر.
وطوال هذه المسيرة التي تنقلت مع كل الأنظمة التي مرت على مجال الصحافة في السودان طوال هذه الفترة، عرفتُ الزميل نور الدين مدني الشخص الصادق العاشق للحق والكلمة الرصينة.
أخط هذة الكلمات، وتتملكني مشاعر الحزن، وتنكسر عبارات البكاء والنحيب على رحيل الزميل نور الدين مدني، ولا أملك إلا أن أرسل التعازي الحارة لزملاء المهنة وإلى أسرته الصغيرة: زوجته وأبنائه وبناته بصورة خاصة، والتعزية موصولة لكل الصحفيين ولكل الأسرة الإعلامية.
رحم الله نور الدين مدني، فقد كان مثالاً للتواضع والتزام الكلمة الصادقة وحسن الزمالة مع زملائه وتلاميذه، وأسكنه فسيح جناته. والبركة فيكم يا صحافيين في نقابة الصحفيين واتحاد الصحفيين، البركة فيكم.
زهير السراج

رحل عن دنيانا الفانية إلى عالم الخلود أستاذي ومعلمي وصديقي ورفيق دربي في الصحافة وفي الحياة، وأحنّ وأرقّ وأصدق إنسان عاشرته في حياتي. لم أسمع أو أرَ عنه ومنه إلا كل خير، الأستاذ الصحفي الكبير والقدير (نور الدين مدني أبو الحسن)، الذي كان شعلة نشاط لا تخبو ولا تنطفئ، تجده في أي مكان وزمان ونوره يسبق خطواته، وبركته تهل على الجميع، وضحكاته تشع البهجة والسرور في النفوس حتى في أحلك اللحظات، وشجاعته في قول الحق لا تُقارَع. كان ملكاً في بلاط الملوك، وكان بسيطاً في عالم البسطاء، وكريماً في كل مكان وزمان؛ كريماً بالكلمة الطيبة، كريماً بالنصيحة الغالية، كريماً بالإحسان والقول الحسن.
منذ أن التقيته في المرة الأولى في مكتبه بجريدة (الصحافة) في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي عندما كان سكرتيراً للتحرير وكاتباً صحفياً لا يشق له غبار، وكنت حينذاك في مقتبل العمر وكاتباً صحفياً في بداية السلم، استقبلني بكل رحابة صدر، وكان سعيداً بلقائي وكأنني كنت مدير التحرير وهو الصحفي الشاب، وفتح لي كل الأبواب، ومن هنالك انطلقت إلى العالم الكبير، وظل ورائي يشجعني ويحثني على المزيد، ويدافع عني في اجتماعات التحرير عندما كان البعض ينتقد انتشاري في كل مجالات العمل الصحفي، وكان يرد عليهم “إذا كان هنالك من يمتلك موهبته وقدراته سيجد منا نفس التشجيع والتقدير”.
رغم أن بدايتي الفعلية كانت في صحيفة (الأيام) وأنا طالب في المرجلة الجامعية بجامعة الخرطوم، واختياري بواسطة الصحفي القدير المرحوم (حسن ساتي) ضمن طاقم كتاب الصفحة الأخيرة للصحيفة بدون سابق معرفة غير قراءة بعض مقالاتي التي سلمتها لسكرتيرته، وكان وقتها نائباً لرئيس التحرير، إلا أن بدايتي الحقيقية كانت في (الصحافة) بدعم من نورالدين مدني وشريف طمبل الذي كان مديراً للتحرير، ومن هنالك بدأت رحلتي الطويلة في عالم الصحافة بكل متعتها ومتاعبها ومصاعبها واعتقالاتها وسجونها ومتغيراتها. غير أننا ونور الدين ظللنا سوياً لم نفترق أبداً حتى لو لم نكن نعمل في صحيفة واحدة. وتعمقت صداقتنا إلى المستوى الاجتماعي والأسري، وكان أبناؤه بمثابة أصدقاء لي، وأبنائي مثل أحفاده وأصدقاؤه أصدقائي، وكان ابنه محمد تلميذي في المرحلة الجامعية، وكان نعم التلميذ ونعم الابن البار بأبيه، وكذلك كل أبنائه وبناته.. وليتني أجد الوقت لاحقاً لأحكي لكم عن هذا الملاك الذي كان يعيش بيننا في صورة إنسان يحبه ويحترمه الجميع.
رحل نور عن دنيانا الفانية، ولكنه سيظل خالداً في نفوسنا وقلوبنا وذاكرتنا إلى أن نلتقي به في عالم الخلود.
عزائي لأسرته الكريمة وكل أصدقائه وتلاميذه وقرائه والشعب السوداني وكل الإنسانية، فمثل نور الدين مدني فقد جلل لكل إنسان في هذا الوجود، ولا نزكيه على الله. أسأل الله أن يتقبله بين النبيين والصديقين والشهداء، ويلهمنا الصبر الجميل. “إنا لله وإنا إليه راجعون”، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ياسر عبدالله

(كلام الناس).. وانطفأ السراج
عندما كان مانويل العامل بصحيفة السوداني يداعب أستاذنا نور الدين مدني عن عنوان عموده (كلام الناس) ويقول له: “يا أستاذ إنت طوالي تكتب كلام الناس متين حتكتب كلام بتاعك؟”، فيرد أستاذنا نور الدين مدني بضحكته المجلجلة، وهكذا كان بسيطاً يحب البسطاء، نقياً مثل الثوب الأبيض الخالي من الدنس.
هو أحد كواكب الصحافة السودانية الـ(14)، وكنت أحد المحظوظين الذين عملوا معه وتعلمت منه الكثير، يحب الجميع وأكاد أجزم أنه لا عداوة له مع أحد، صوفيته جعلته بسيطاً هيناً ليناً، وهو في منفاه الاختياري بأستراليا كان مهموماً بالبلد ووجعها، وكلما تواصلت معه لا أنسى دعوته التي لا تتبدل: “ربنا يحفظكم ويستر عليكم”.
(كلام الناس) لم يكن اسم زاوية فقط، وإنما كان عهداً قطعه (نور) – كما يحلو لنا مناداته- على نفسه بأن يتناول في هذه الزاوية لأكثر من 50 عاماً هموم وأوجاع الناس. لم يسخر هذه الزاوية طيلة هذه السنوات الطويلة لشأن شخصي أو انتصار للذات، حتى حمل الناعي نبأ رحيله في أستراليا يوم الجمعة في هذا اليوم المبارك انطوت رحلة (كلام الناس).
أستاذي الحبي، خسارتنا فيك كبيرة ولا تعوض، ولكن لا نقول إلا ما يرضي الله “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وحملة عرشك أن أستأذنا نور الدين مدني كان طيباً ولم نرَ منه إلا طيباً، تقياً نقيا ورعاً محباً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، اللهم ارحمه واغفر له واجعله من أصحاب اليمين، واحشره برفقة الحبيب المصطفى وصحابته الميامين، واجعل البركة في ذريته وألزمهم الصبر الجميل. “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
عالم عباس محمد نور

“إنا لله وإنا إليه راجعون”.
بغيابه الموجع نفتقد قلماً شجاعاً نزيهاً، كان أنموذجاً للتوسط والاعتدال، ظل عصياً على الاستقطاب والانحياز، دافع بشرف وتواضع وقدرة، وكان من ذوي المواقف المشهودة مع ثورة ديسمبر وشبابها، بتاريخه الصحفي الناصع.
نفتقده في هذه الظروف الحالكة، وكم تمنينا أن تمتد به الأيام نبراساً مضيئاً، حتى ينقشع عنا هذا الليل البهيم.
وداعا نور الدين مدني، نسأل الله أن يجعل مقامك في عليين، وتعازينا الحارة للأستاذ عبد الرحمن وكل الأسرة المبدعة التي طالما رفدتنا بالفن والصحافة، والسيرة الجميلة العطرة وفاءً لهذا الوطن العريق.
“إنا لله وإنا إليه راجعون”.