
في ظل الحرب التي يشهدها السودان وما خلّفته من آثار مدمرة على المجتمع، برزت مبادرات نسوية تحاول ترميم ما يمكن ترميمه من إنسان، ودعم من تبقّى صامدًا وسط العاصفة. من بين هذه المبادرات، جاءت “المنصة النسوية للسلام والعدالة”، التي أسستها مجموعة من الناشطات والمهتمات بقضايا المرأة، على رأسهن صفية خضر، خريجة جامعة العلوم والتقانة – كلية الهندسة الطبية، والناشطة والمدافعة عن حقوق الإنسان، المهتمة بقضايا النساء والشباب، وإحدى مؤسِّسات المنصة ورئيسة مجلس إدارتها.
تقول صفية إن الحرب نفسها كانت الشرارة التي أدت إلى تأسيس هذه المنصة في منتصف عام 2023. فقد دفعت الظروف القاسية النساء والفتيات لمواجهة واقع مليئ بالعنف والنزوح وفقدان الأمان، الأمر الذي جعل من الضروري إيجاد كيان نسوي يساندهن ويمكّن أصواتهن في هذه المرحلة العصيبة.
الرؤية: قيادة نسائية نحو سودان عادل وشامل
تحمل المنصة رؤية واضحة تتمثل في السعي نحو عالم تُمنح فيه النساء والفتيات القوة والمساحة الكافية للمشاركة الفعالة في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في إطار سودان يسوده السلام والحرية والعدالة، وتتصدر فيه النساء القيادة نحو حوكمة عادلة وشاملة تعلي من قيمة الإنسان وترسخ مبادئ المساواة والمواطنة بلا تمييز، مع مناهضة كل أشكال العنف والتمييز ضد النساء.
من تستهدف المنصة؟
ورغم أن المنصة توجه جهودها لكل فئات المجتمع، إلا أن تركيزها الأساسي ينصبُّ على النساء والفتيات والأطفال داخل السودان وخارجه، وخاصة المتأثرين والمتأثرات بالنزاعات والحرب والنزوح، بما يضمن توفير مساحات آمنة وحاضنة لهن في ظل الظروف الصعبة التي يعشنها.
أهداف المنصة النسوية
توضح صفية أن المنصة تتبنى غاية إنسانية سامية تقوم على تمكين النساء والفتيات من المشاركة في صناعة مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا في السودان، وذلك عبر ترسيخ مبادئ الحوكمة النسوية الرشيدة، وتشجيع مشاركتهن الفاعلة في عمليات صنع القرار. كما تهدف إلى بناء جسور المحبة والتضامن بين المجتمعات المتأثرة بالنزاعات، ودعم النساء والأطفال المتضررين من العنف، خصوصًا العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تتزايد مخاطره أثناء الحروب، إضافة إلى توفير مساحات آمنة ودعم نفسي يساعد النساء والفتيات على استعادة الشعور بالأمان والثقة وبناء القدرة على التكيّف والصمود.
الأنشطة والبرامج التي تقدمها المنصة
عن الأنشطة التي تنفذها المنصة، تقول صفية إنها متنوعة لكنها تلتقي جميعًا في هدف واحد هو دعم وتمكين النساء. فقد نظمت المنصة العديد من ورش وجلسات الدعم النفسي، خاصة في مناطق النزوح، مثل معسكر كرياندونقو في أغندا، إلى جانب جلسات في طويلة وقولو بشمال دارفور، وأم درمان وكسلا. كما شاركت في حملة الـ16 يومًا لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي ضمن مشروع “مرايا”، حيث عُقدت ورش توعوية تطرقت إلى أشكال العنف المختلفة، ابتداءً من العنف الأسري والمنزلي، مرورًا بالاستغلال الجنسي مقابل العمل أو المال، في محاولة لرفع وعي النساء بحقوقهن وتعزيز ثقافة الحماية والوقاية. ولم تغفل المنصة الجانب الثقافي، فأنشأت نادي قراءة عقد أربع جلسات في كمبالا، جرت خلالها مناقشة عدد من الكتب، مما أتاح للنساء الفرصة للتفكير والحوار وتبادل الخبرات. كما نفذت أنشطة موجهة للأطفال، شملت برامج دعم نفسي وأنشطة ترفيهية مثل الرسم واللعب، إدراكًا لأهمية رعاية الصحة النفسية للأطفال في هذا الظرف الحساس. ومؤخرًا نفذت حملة لتوزيع الملابس الشتوية في معسكر بيالي (أوغندا)، استفاد منها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة شخص من النساء والشباب والأطفال وكبار السن، إلى جانب توزيع حقائب الكرامة الصحية في بيالي ومعسكر كرياندونقو وأم درمان وقولو وكسلا دعمًا للنساء في بيئات النزوح.

أماكن تنفيذ الأنشطة
تعمل المنصة داخل السودان وفي دول الجوار التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين السودانيين، حيث تنفذ أنشطتها في الولايات والمناطق المتضررة، وكذلك في البلدان التي تستضيف لاجئين سودانيين، لتكون قريبة من النساء أينما وجدن وتقديم الدعم لهن في مواضع الاحتياج.
كيف تأثرت المنصة بالحرب؟
وتقول صفية إن المنصة لم تتأثر بالحرب بمعنى الضرر المباشر، لأنها في الأساس تأسست بعد الحرب كرد فعل طبيعي على آثارها، غير أنها تواجه التحديات نفسها التي تواجهها معظم المنظمات العاملة في سياق النزاع، سواء على مستوى الحركة أو التنفيذ أو ضمان الاستمرارية.
عدد البرامج المنفذة
وتشير صفية إلى أن المنصة نفذت حتى الآن ثمانية برامج رئيسية، يضم كل برنامج مجموعة من الأنشطة والورش المتخصصة، ما بين دعم نفسي وتوعية ورفع قدرات وتدخلات إنسانية مباشرة، وقد أسهم ذلك في الوصول إلى أعداد كبيرة من النساء والفتيات والأطفال في الداخل والخارج.
التحديات التي تواجه المنصة
ولا تخفي صفية حقيقة أن الطريق ليس سهلًا، إذ تواجه المنصة تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل الذي يحد من القدرة على التوسع وتنفيذ الأنشطة بصورة منتظمة، إلى جانب صعوبة العمل في بعض المناطق غير المستقرة أمنيًا، والتحديات اللوجستية والتنظيمية المرتبطة بحالة الحرب والنزوح، إلا أن الإيمان بالقضية وروح العمل التطوعي يظلان الدافع الأكبر للاستمرار.
خطط المنصة في العام الجديد
وعن تطلعات العام الجديد، تقول صفية إن الطموح الأكبر هو أن يكون للمنصة دور حقيقي في إيصال صوت النساء والشابات إلى دوائر صناعة القرار، وأن تصبح النساء جزءًا أصيلًا من عمليات السلام ومراكز القيادة. وتسعى المنصة إلى إطلاق عدد من المشاريع والبرامج التي تركز على رفع قدرات النساء والفتيات وتأهيلهن للمشاركة العامة والسياسية وتعزيز ثقتهن بأنفسهن وقدرتهن على التأثير، إلى جانب توسيع برامج الدعم النفسي والاجتماعي وبناء المهارات، ليكون للمنصة حضور أوسع داخل السودان وخارجه.

من أين يأتي الدعم؟
أما الدعم الذي تعتمد عليه المنصة، فهو في الغالب جهود تطوعية ومساهمات مجتمعية وشراكات محدودة كلما توافرت الفرصة، في ظل غياب التمويل الثابت، وهو ما يجعل العمل تحديًا مستمرًا، لكنه في الوقت نفسه يعكس روح التضامن النسوي التي قامت عليها المنصة منذ البداية.
في النهاية، تبدو “المنصة النسوية للسلام والعدالة” أكثر من مجرد مبادرة عابرة؛ فهي صوت ينبع من قلب الألم ليحوّله إلى فعل إنساني مقاوم. تقف نساء هذه المنصة في مواجهة العنف بالحياة، وفي مواجهة الحرب بالإصرار على العدالة والمساواة والكرامة، مؤمنات بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إذا ظلت النساء خارج دوائر القرار، وأن المستقبل الذي يُبنى بمشاركة النساء سيكون أكثر عدلًا وشمولًا وإنسانية.