فض الاعتصام الجيش والدعم السريع: حماة أم قتلة؟

فض الاعتصام

الجيش والدعم السريع: حماة أم قتلة؟

خاص: (ديمسبر)

“الدعم السريع قام بفض الاعتصام”. هذه الإدانة الصريحة والقطعية، نطق بها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام حشد من السودانيين. لكن إدانة البرهان للدعم السريع بالجريمة جاءت بعد ثلاث سنوات من الصمت والتستر والإنكار والنفي المغلظ، وجاء بعد أن بلغ التباغض بين الشركاء حد الحرابة والقتال. لذا كان من الطبيعي أن يرد عليه سودانيون كثر: “لماذا صمتَّ طوال هذه السنوات؟” أو “إن كنت تعلم ذلك لماذا لم تحاكم قائد الدعم السريع حميدتي؟”. وبعدما أدلى به الرجل الأول في سلطة الواقع يظل السؤال الأهم قائماً: من وراء جريمة فض الاعتصام، تخطيطاً وتنفيذاً؟، ومن المستفيد من قتل الشباب الثوار؟.

 

ما لا يمكن نفيه

ما لا يمكن نفيه أو التشكيك فيه هو أن جريمة فض اعتصام القيادة وقعت أمام مرأى ومسمع الجيش السوداني، وأن قادة الجيش وجنوده عبر شاشات المراقبة أو من شرفات مبانيهم الشاهقة شاهدوا شباب السودان يُقتلون ويُسحلون بالأرض ويُحرقون في الخيام، وسمعوا صراخ البنات يغتصبن أمام بوابات القيادة وسورها العالي، ولم يحرِّكوا ساكناً، حتى ولو من باب النخوة والشهامة والإنسانية إن لم يكن من باب الواجب والمسئولية. ومما لا يمكن نفيه أن منفذي الجريمة جنود من الجيش والدعم السريع وقوات الشرطة، يقودهم ضباط على أكتافهم نياشين ونجوم ورتب، وعربات الجنود التي اقتحمت الميدان تتبع للجيش والدعم السريع والشرطة، من ألوانها المموهة وأرقام لوحاتها، وهذا يعني أن القوات النظامية في الدولة قتلت أولاد وبنات البلد ورمت جثامينهم في النيل بعد أن قيدتهم بالطوب الإسمنتي، واغتصبت بنات وأولاد البلد لأنهم هتفوا “سودان بلا كيزان” و”مدنياااااااااا”.

من يحاسب القادة على الأكاذيب؟

أثبتت الوقائع أن قادة الجيش كذبوا كذباً بواحاً لدرء جريمة فض الاعتصام عن أنفسهم قبل أي أحد وعن الجيش والشرطة وعن الدعم السريع الذي أدانه البرهان بالجريمة مؤخراً، وجميعنا يذكر المؤتمر الصحفي الشهير الذي عقد بعد فض الاعتصام، وكيف أن الرواية التي أراد الجيش تصديرها للرأي العام بأن فض الاعتصام كان عن طريق الخطأ، وقال كباشي في ذلك المؤتمر الصحفي الذي شاركه فيه الفريق ياسر العطا “ذهبنا لنظافة منطقة كولومبيا التي استغلها متعاطو ومروجو المخدرات لتدمير شبابنا”، ثم ركز كلاهما على أن نظافة منطقة كولومبيا اتخذت فيها الإجراءات القانونية الدقيقة، بمعنى أنهم استدعوا مسئولي منطقة الخرطوم العسكرية ومدير الشرطة ورئيس القضاء والنائب العام، ولكن سيتضح لاحقاَ أنها أكبر “تمثيلية”، وكانت خطوة استباقية للتغطية على تنفيذ الجريمة.

وبالعودة لكذبة الكباشي ومن معه، كشفت فيديوهات من كاميرات المراقبة أو من هواتف الثوار أن القوات لم تحضر من اتجاه شارع النيل حيث منطقة “كولومبيا” بل من اتجاه شارع عبيد ختم ومن شرق النيل ومن شارع القيادة ومن داخل القيادة العامة نفسها، وهذا أسقط رواية الكباشي بالكامل. إضافة إلى ذلك وفي المؤتمر الصحفي ورداً على رواية كباشي قال الصحفي شوقي عبد العظيم إنه ومع فريق صحفي ذهبوا إلى منطقة كولومبيا قبل يومين من جريمة فض الاعتصام لإجراء تحقيق صحفي ووجدوا انتشاراً كثيفاً لقوات مشتركة من الجيش والدعم السريع وهم يشرعون فعلياً في نظافة المنطقة ومنعوا من إجراء التحقيق من قبل القوات المشتركة. وكان سؤال الصحفي شوقي: “كيف يتم نظافتها كل يومين؟” ولم يجب كباشي على السؤال وظهر مرتبكاً، لجهة أنه لا علم له بنظافتها فبل يومين من الحادثة. كذبة المجلس العسكري وتبريره للجريمة أسقطتها أدلة دامغة وواضحة ولم يسأل أحد.

 

من المستفيد؟

السؤال الذي طرح منذ اليوم الأول للجريمة هو: من المستفيد من فض اعتصام القيادة؟ والإجابة البديهية “النظام البائد” أو الحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني الذي اطاحت به الثورة، وكذلك المجلس العسكري الذي كان يتفاوض مع المدنيين من الحرية والتغيير المسنودين من قبل الاعتصام. ومع الأيام تبين أن علاقة المجلس العسكري حينها مع الحركة الإسلامية شديدة الترابط، وأن الصلات بينهما تثير الريبة وتفسر كثيراً من الأحداث، ودونك تسريبات القيادي بالمؤتمر الوطني عثمان محمد يوسف كبر الذي قال “البرهان جبناهو عشان يسحق الثوار ويسلمها للإسلاميين”.

 

كذبة ثانية: تدابير إخفاء الجريمة

والحزن يخيم على البلد، وجثث الثوار لا تزال طافية على النيل ودماؤهم رطبة على الإسفلت صدر قرار بإعفاء النائب العام الوليد سيد أحمد محمود من منصبه، دون إبداء أسباب واضحة. غير أن التسريبات أشارت إلى أن القرار جاء بعد أيام من ظهوره في مؤتمر صحفي يتحدث فيه عن ملابسات فض الاعتصام أمام القيادة العامة وإحالة مسؤولين سابقين للمحاكمة، وأن أصابع الاتهام تشير إلى قيادات من الدعم السريع والجيش. لكن أهم ما قاله الوليد إنه حضر اجتماعاً مع القادة العسكريين لبحث الإشراف القضائي على خطة لإخلاء منطقة مجاورة للاعتصام “كولومبيا” أمام القيادة العامة للجيش، وتستخدمها العناصر المنفلتة. لكن النقاش لم يتطرق لفكرة فض اعتصام المحتجين، وهذه الرواية تؤدي في ضرب رواية المجلس العسكري وكباشي، وتؤكد أن فض الاعتصام كان مخطَّطاً ومقصوداً، وهذا يعني أن قادة الدولة وقتها المتمثلين في البرهان وحميدتي وكباشي وياسر العطا وصلاح عبد الخالق خططوا لفض الاعتصام وأمروا ضباطهم بالتنفيذ وأمروا الجزء الآخر بالفرجة وعدم التدخل في جريمة ضحاياها أبناء وبنات السودان. جريمة لم تنفذ بطلقة طائشة أو زاوية مفخخة أو قذيفة خاطئة، ولكن استخدم فيها أكثر من ألف جندي ورتل من العربات العسكرية والمدججة بالأسلحة والغاز المسيل للدموع.

البرهان بعد الجريمة

من الملاحظات المهمة، موقف المجلس العسكري الذي تمثل في خطاب البرهان عقب الفض، الذي افتتحه بتحية “السانات والراستات والواقفين قنا” في محاولة لاستمالة الثوار، ثم اتخذ قرارات بعد نجاح فض الاعتصام أولها إيقاف التفاوض مع المدنيين في تحالف الحرية والتغيير، ثم أعلن عن الإعداد لانتخابات مبكرة، ولكن الفوائد التي أراد أن يجنيها المجلس العسكري والبرهان من فض الاعتصام تبددت بعد أن “ترَّس” الثوار البلد، وبعد مواكب (30) يونيو التي أكدت رفض الشارع للمجلس العسكري، وتأكدوا أنهم من المستحيل أن يحكموا البلاد بعد هذه الجريمة.

 

اللجنة في جيب المتهمين

اللجنة هنا لجنة فض اعتصام القيادة العامة، ورئيسها المحامي نبيل أديب، وفور وقوع انقلاب 25 أكتوبر 2021 كان في مقدمة القرارات تجميد لجنة فض الاعتصام. وكان المتوقع أن يغضب القرار اللجنة أو على الأقل رئيسها نبيل أديب، المفارقة أن هذا لم يحدث، بل العكس انحاز نبيل للمتهمين ومن جمدوا اللجنة، ومع الأيام بات هناك اتهام مباشر يوجه إلى نبيل بأنه مستشار لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ما يستوجب التفكير في طريقة جديدة لمقاضاة قتلى الثوار أمام القيادة العامة في جريمة فض الاعتصام.

 

لن تسقط بالتقادم

يجمع المحامون على أن جريمة فض الاعتصام لن تسقط بالتقادم، وأن التحقيق فيها ليس مستحيلاً. ويتمسك عدد واسع من الحقوقيين بضرورة فتح ملف الجريمة مرة أخرى، واستخدام كل الأدلة المتوفرة والشهود وأهل الضحايا حتى لا تمر الجريمة الأبشع ويفلت مجرموها من العقاب.

 

في صندوق بلون مختلف

فض اعتصام القيادة العامّة

وتُعرف أكثر باسمِ “مجزرة القيادة العامة” فيما عُرفت في وسائل الإعلام الغربيّة باسمِ “مجزرة الخرطوم”، وهي مجزرة حصلت في يومِ الاثنينِ الثالث من يونيو/حزيران 2019 حينمَا اقتحمت قوات مسلحة تَتبع للمجلس العسكري وبدعمٍ كبيرٍ من قوات الدعم السريع السودانية مقرّ الاعتصام، مُستعملةً الأسلحة الثقيلة والخفيفة وكذَا الغاز المسيٌل للدموع لتفريق المتظاهرين السلميين مما تسبّبَ في مقتل حوالي 66 متظاهراً ومئات الجرحى حسب التقديرات الرسمية.

استغلت القوات التي فضّت الاعتصام الانفلات الحاصل جرّاء تدخلها العنيف فقامت برمي 40 جثة على الأقل في نهر النيل بغرض إخفاء «معالِم الجريمة».

بالإضافةِ إلى جرائم الترويع والقتل العَمد ومحاولة التخلص من الجثث؛ أفادت وسائل إعلام أخرى عن قيامِ عناصر تابعة لقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي) – وهوَ نائب رئيس المجلس العسكري – باغتصابِ حوالي 70 شخصًا من كلا الجنسين بهدفِ ترويع المتظاهرين ومنعهم من العودة مُجددًا للاحتجاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *