الدعارة القسرية والاستغلال الجنسي في زمن الحرب

الدعارة القسرية والاستغلال الجنسي في زمن الحرب

هل من أطر للحماية القانونية؟

شيماء تاج السر المحامية

 

في زمن الحرب، لا تُزهق الأرواح بالرصاص والقنابل فقط، بل تُدفن الكرامة تحت أنقاض الفقر واليأس. مع اندلاع الأعمال القتالية في 15 أبريل 2023، وتحولها إلى نزاع مسلح طاحن، انقلبت حياة الملايين رأسًا على عقب. وبينما كانت البنادق تُحدد خطوط المواجهة، كانت آلة أخرى أكثر خُبثًا تدور: آلة الاستغلال الجنسي والاقتصادي، مستغلةً الضغوط الاقتصادية الكارثية التي خلّفها النزاع لتجّار الأزمات. هذه القصة ليست عن حرب بعيدة، بل عن معركة يومية تخوضها نساء سودانيات، مثل “أمينة” (اسم مستعار لحماية هويتها)، ترويها بكلمات تنزف ألمًا وكرامةً مُهانة.

 

حصلت على الخبز

تشاركنا أمينة، النازحة من ولاية الخرطوم، قصتها استجابةً لمنشور عن استغلال النساء في الحصول على المساعدات الإنسانية. تقول: “ذهبتُ أبحث عن حقي في الإغاثة، عن ما يُعينني وأطفالي على الحياة. قابلتُ شخصًا أوهمني بأنه سيساعدني.. وحدد لي مكانًا.”

عند وصولها، لم تجد مخزن إغاثة، بل منزلًا خاصًا مليئًا بمواد الإغاثة المسروقة. “أغلق الباب بعد دخولي… صرختُ: أين الناس؟ ماذا تريد؟ فقال: ‘نحن ما بندي أي زول إلا الحلوين زيك’.”

واجهت أمينة التهديد والوعيد بالفضيحة. “هددني قائلًا إن الشباب في الخارج رأوني أدخل بإرادتي، وإن صرختُ فسيفضحني، ولن يصدقني أحد… كنتُ خائفة من الفضيحة، وخائفة على أطفالي. في تلك اللحظة انهارت كل قوتي”. بعد أن انتهك حرمتها، أعطاها العيش والكرتونة. “خرجتُ من المكان وأنا أشعر أن الدنيا كلها أصبحت سوداء في عيني. ما حدث معي ليس خطأً… هو جريمة كاملة، واستغلال بشع للفقر والجوع والسلطة.”

قصة أمينة ليست فردية، بل هي نموذج صارخ لما يحدث في الظل، حيث تحولت الضغوط الاقتصادية إلى وقود لأشكال من العبودية المعاصرة.

 

الضغوط الاقتصادية المحرك الأساسي للاستغلال

أدت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية في مناطق النزاع. وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، يعيش أكثر من 25 مليون سوداني، أي أكثر من نصف السكان، على حافة المجاعة. تهاوى سعر الصرف، وتضاعفت أسعار الغذاء والوقود والدواء بأكثر من 500% في بعض المناطق. أدى انهيار النظام المصرفي واختفاء فرص العمل إلى تآكل المدخرات وجفاف منابع الدخل.

في هذا السياق، أصبحت المساعدات الإنسانية شريان حياة لملايين النازحين والمتضررين. ولكن سوء إدارة هذه المساعدات، وتسلل الفساد إليها، ووجود وسطاء غير رسميين، خلق سوقًا سوداء للإغاثة. تحولت المواد التموينية إلى عملة للابتزاز والاستغلال. لم تعد المرأة تبحث عن الطعام لأطفالها فقط، بل أصبحت هي نفسها “سلعة” مقايضة في نظر المستغلين الذين يتحكمون في موارد البقاء.

هذه الضغوط الاقتصادية الهائلة، مقترنة بانعدام الأمن وانهيار مؤسسات الدولة، خلقت بيئة خصبة للدعارة القسرية بكل أشكالها من الابتزاز الجنسي للحصول على الإغاثة، إلى الاتجار بالبشر تحت مسميات التوظيف أو الزواج المؤقت، وصولًا إلى استغلال الفتيات النازحات في مراكز الإيواء.

 

نصوص حازمة في غياب للتطبيق

على الورق، يمتلك السودان تشريعات حازمة لمحاربة هذه الجرائم:

قانون القوى العاملة (1997): يجرِّم ويُعاقب على الاستغلال الجنسي في مكان العمل.

قانون مكافحة الاتجار بالبشر (2014): وهو تشريع متقدم يعرّف الاتجار بالبشر ويعاقب عليه بعقوبات تصل إلى السجن 20 عامًا، ويشمل صراحة الاستغلال الجنسي واستغلال ظروف الضعف.

قانون الجرائم ضد الإنسان (2020): والذي يجرِّم الاغتصاب والعنف الجنسي في حالات النزاع.

القانون الجنائي السوداني لسنة 1991: يحتوي على نصوص تجرم الاغتصاب (المادة 149)، الأفعال الفاحشة والمخلة بالآداب العامة (المادة 151)، الابتزاز (المادة 176).

المشكلة تكمن في التطبيق. ففي زمن الحرب، توقفت المحاكم في معظم مناطق النزاع. انهارت سلطة الشرطة القضائية، وفقدت النيابات العامة فاعليتها. حتى في المناطق المستقرة نسبيًا، أصبحت الأولوية للأمن العام، بينما تُهمش جرائم العنف الجنسي والاستغلال، خاصة إذا ارتُكبت من قبل مليشيات أو أشخاص ذوي نفوذ. الخوف من الوصمة الاجتماعية، كما تذكر أمينة، يثني الناجيات عن الإبلاغ، خوفًا من أن يُوصمن بأنهن “مُفسدات” أو “متواطئات”.

 

اتفاقيات دولية ملزمة وحماية غائبة

السودان طرف في العديد من الاتفاقيات الدولية التي تفرض عليه واجب الحماية، منها:

– اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو): صادق عليها السودان بتحفظات، لكنها تلزم الدولة بحماية المرأة من الاستغلال.

– بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، خاصة النساء والأطفال (بروتوكول باليرمو) 2000: ملحق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة.

– اتفاقية جنيف الرابعة (1949) وبروتوكولاها الإضافيان (1977): تحظر صراحة “الاعتداء على كرامة الشخص، وبخاصة المعاملة المهينة والحاطّة بالكرامة والإعدام دون محاكمة”، وتعتبر العنف الجنسي جريمة حرب.

– نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: يعتبر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي التي تُرتكب على نطاق واسع أو بشكل منهجي في حالات النزاع المسلح، جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب.

ومع ذلك، فإن آليات الرصد والمساءلة الدولية تعمل ببطء شديد في السياق السوداني. تقارير المقررين الخاصين للأمم المتحدة توثق الانتهاكات، لكن غياب آلية قضائية دولية مخصصة (مثل المحكمة الجنائية الدولية التي كانت تنظر في قضية دارفور سابقًا) وعدم تفعيل الولاية القضائية العالمية، يترك الجناة في منأى عن المحاسبة.

المجتمع الدولي منشغل بتسهيل الحوارات السياسية وإغاثة الجوعى، غالبًا ما يمرّر ملف العنف الجنسي والاستغلال كـ”تأثير ثانوي” مأساوي للحرب، وليس كجريمة مُنظمة تستدعي تحركًا عاجلاً.

 

من المأساة إلى المساءلة

قصة أمينة وصمت آلاف غيرها، ليست مجرد عواقب حرب، بل هي نتيجة لانهيار متعاقب: انهيار اقتصادي، وانهيار أمني، وانهيار لمؤسسات العدالة، وتراخٍ في تطبيق الالتزامات الدولية. لقد حوّلت الضغوط الاقتصادية الناجمة عن حرب 15 أبريل 2023 جسد المرأة السودانية إلى ساحة معركة أخرى، حيث يُستخدم الجوع سلاحًا لإخضاع الكرامة.

لا يمكن فصل معالجة هذه الجرائم عن معالجة جذورها، مع ضرورة اتخاذ خطوات عملية للتعامل مع هذه الجرائم:

– على المستوى الوطني (في المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة): تفعيل “المحاكم المتنقلة” للنظر في جرائم العنف والاستغلال الجنسي، مع ضمان السرية والحماية للناجيات. إصدار توجيهات عاجلة لجهاز الشرطة والنيابة بأولوية هذه القضايا.

– على مستوى المجتمع الدولي والأمم المتحدة: ربط تقديم المساعدات الإنسانية بآليات رقابة صارمة لمنع استغلالها، وإنشاء قنوات إبلاغ آمنة للناجيات داخل مخيمات النازحين. الضغط لإدراج بنود واضحة في أي مفاوضات سلام مستقبلية لمحاكمة مرتكبي جرائم العنف الجنسي.

– على مستوى المنظمات المحلية والإقليمية: تعزيز برامج الدعم النفسي والاقتصادي للناجيات، وتشغيل خطوط نجدة، وحملات توعية لتغيير النظرة المجتمعية وجعل الإبلاغ أسهل.

– على المستوى القانوني الطويل الأمد مراجعة القوانين الوطنية، مثل قانون الجنائي، لجعل تعريف الاغتصاب والاستغلال الجنسي أكثر شمولاً ومراعاة لظروف النزاع، وإلغاء التحفظات على اتفاقية “سيداو”.

الكلمات التي قالها الجاني لأمينة “نحن ما بندي أي زول إلا الحلوين زيك”، تختزل فلسفة الاستغلال البشعة. إنها ترجمة عملية لكيفية تحويل الحرب والجوع إلى أدوات للتحكم والسيطرة الجنسية. إن إنصاف أمينة وآلاف السودانيات لا يبدأ فقط بإعطائهن كرتونة غذاء، بل بمحاكمة من سرق طعامهن وكرامتهن معًا، وإعادة بناء نظام يحميهن من أن يُجبرن على الاختيار بين الجوع والانتهاك. الحرب ستنتهي يومًا ما، ولكن ندوب هذا الاستغلال ستبقى ما لم تُواجَه بقوة القانون والعدالة، الوطنية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *