أبريل 2014.. 12 عاماً على رحيله في تفاصيل الحياة اليومية.. الفكرة الكبرى في شعر محجوب شريف

أبريل 2014.. 12 عاماً على رحيله

في تفاصيل الحياة اليومية.. الفكرة الكبرى في شعر محجوب شريف

أماني أبو سليم

 

تدفعك كلمات محجوب شريف للأمل والحلم بسلام ومحبة. تثير نفس الشعور لدى أي إنسان، أياً كانت صفته. اهتمت مفرداته بالإنسان السوداني عموماً، ثم خصص خطابه كأنه يوجهه لكل سوداني فرداً فرداً. خاطب المرأة والفتاة، الأم والأب، العامل والمزارع، الثائر، والمثقف والسياسي.

 

الحياة اليومية كلوحة شعرية

مفردات عادية من الحياة اليومية، كافتيرا، ملاية، كبابي، يشكل بها لوحة لأصل الحياة، في تناولها البسيط والمشترك بين الجميع. يجمع الكل في ذات اللوحة ليصنع تجربة مشتركة يعيشها السودانيون يومياً.

المفردة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه؛ تدعم البسيط، وتحفز الثائر، وتمتع المثقف، وتدعم ربة المنزل والمرأة العاملة والثائرة، الابنة، الأم، والأصدقاء. تستخدم مفردات بسيطة لهم، ومفردات دقيقة وقوية موجهة للطغاة والمتسلقين.

 

الفكرة تعاش في تفاصيل الحياة

هناك من يكتب عن الفكرة والشعار والمفهوم الكبير، وهناك من يكتب عن الحياة التي تحتاجها الفكرة حتى تصبح حقيقة معاشة، وهذا ما فعله محجوب شريف. خرج شعره بتفاصيل الحياة اليومية العادية معطياً الفكرة حياة؛ فتشعر بها في مسام التفاصيل. فمن يقرأ شعره لا يدافع عن أفكار بقدر ما يدافع عن حياته وحلمه.. عن شايه وخبزه وبيته، عن الأشياء الصغيرة التي تشبهه.

قال في شعره ما لا يمكن نسيانه: لم يجعل الحرية مطلباً بعيداً، بل قريبة جداً لدرجة لا تراها، لكن تشعر بغيابها فوراً. تختبئ الفكرة عنده داخل تفاصيل الحياة..

نحيا بشرف.. نغني ونبني ونحلم.. مهما طال الليل…

لم يطالب بالكرامة لإعلان موقف بطولي، بل بأفعال يومية، إنسانية صغيرة.

 

في قصيدة (أم آدم)، لا يقول الظلم والفقر أو الطبقات المسحوقة، بل يرسم صورة امرأة تواجه نارين، عرق على الجبين، أطفال، جوع.

نحن نحب شاي الصباح والمغربية.. مع الأولاد والزوجة والأم الحنون، والأصدقاء إلى اللقاء، واللمة… كلمات لا ترفع أي شعار، لكنها أخطر من ذلك، لأنها تقول ببساطة: نحن نريد أن نعيش حياة عادية، وهذا في سياق القمع مطلب ثوري.

 

القيم الكبرى في المشهد اليومي

في شعره لا تُرفع القيم كشعار، بل توضع داخل المشهد اليومي، كأنها حياة تُعاش وليس مجرد كلمات تُقال. لم يكن شاعر صوت مرتفع، بل شاعر صوت قريب، يمكن أن تسمعه  في صوت الضحكة، أو من رجل متعب لا يريد أكثر من سترة وراحة.

رغم بساطة كلماته، لم يكن يبسط اللغة؛ بل نزَع عنها الزَّيف والصَّنعة، وجعلها تتحرك بسهولة بين ربة المنزل والعامل والطالب والمثقف.

صوت الشارع لمن بدوي… كل قلاع الخونة بتهوي… كلمات لم يكتبها ليصفق له الناس ولكن ليعيشوا معه الجملة.

حتى عند ذكره للقيم الكبرى كالحرية والديمقراطية، بشكل مباشر، فإنها تسري في النص كقطرة ماء في نهر شعره… عصينا ﻋﺼﻴﻨﺎ ﻋﻠﻰ الحرية منو بوصينا… ﻧﺤﻦ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺍﻟﻤﺎ ﺑﺤﺘﺎﺭ.. ﺍﺧﺘﺎﺭ ﺍﺧﺘﺎﺭ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍطية ﺑﻼ أمية… ﻟﻠﺤرية ﺑﻼ ﺩﻭرية ﻭﻻ ﺗﻔﺘﻴﺶ.

 

عصفور الحنين ورمزية الحرية

لسه في قلبي مكان للفرح.. مهما يطول.. ولسه في صدري أمان.. رغم كل المستحيل

هذه كلمات جزء من قصيدته (عصفور الحنين)، كتبها وهو في السجن، ومع ذلك مفعمة بالأمل واليقين.

هذه القصيدة ستتردد لاحقاً بصوته ومترجمة إلى الإنجليزية في معرض فني بسجن الكاتزار الشهير بكاليفورنيا، الذي تحول إلى متحف. كان ضمن سجناء الرأي ورموز الحرية حول العالم، أسماء مثل مارتن لوثر كينج، نيلسون مانديلا، غاندي.

تم اختياره ضمنهم بمعايير كرموز عالمية للحرية، لهم رسالة وصوت وأثر. قبلها، كانت معايير الشعب قد لقبته بشاعره.

وفي المستقبل، سيأتي يوم، كما اختاره الشعب وكما اختير عالمياً، ستختاره الدولة رسمياً، رمزاً من الرموز المعرِّفة للسودان وهويته. عندما تتطابق مصالح الدولة مع مصالح الشعب، وتصبح الدولة معبرة عن أحلامه، تحيي رموزه كجزء من هويته، لن يكون الوطن مجرد مساحة جغرافية، بل تجربة يومية يعيشها كل سوداني، يلمسها في كوب الشاي، في ضحكة طفل، وفي خطوات الناس على دروب المدينة، فيجد فيها نفسه وحريته وحقه في حياة كريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *