من حلم “الوالد” إلى كابوس الوطن…

من حلم “الوالد” إلى كابوس الوطن…

البرهان ورهان “الحرابة” الخاسر وسط الخرابة

بقلم: نجلاء نورين

 

في مشهدٍ تراجيدي يختزل مأساة الوطن، أطل علينا الفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش ومنفذ الانقلاب على تطلعات الشعب السوداني، بخطابٍ مثقلٍ بالاستفزاز بمناسبة ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة. لم تكن الرمزية هذه المرة في الكلمات فقط كما عهدناه يمرر أجنداته، بل كانت أيضاً في “البقعة” التي اختارها؛ إذ اتخذ من “القيادة العامة” منصةً لحديثه، تلك البقعة التي استحالت ركاماً وخراباً هجره حتى الطير، بعد أن هجرها هو ومعاونوه صاغرين إلى بورتسودان، تاركين خلفهم عاصمةً لا تصلح للحياة!.

خرج البرهان ليردد خطاباً فطيراً، حاول من خلاله إعادة كتابة التاريخ بمدادٍ من التضليل، وكأنه يمنُّ على الثوار بـ”استجابة” الجيش لمطالبهم، مستدعياً ذكرى أبريل 1985 في ذات المكان. إنها “العين القوية” التي لا تخجل؛ كيف للعقلية التي انقلبت على الثورة أن تتجرأ على الاحتفال بها؟ كيف يجرؤ من اغتال حلم بلد كامل بدمٍ بارد، وخرّب مسار الانتقال الديمقراطي، ومجّد البندقية، وورَّط البلاد في حرب وجودية، أن يتحدث بلسان الثورة أو يدّعي الانحياز لقيمها؟!

منذ “انقلاب أكتوبر” المشؤوم في عام 2021، أثبت البرهان وشريكه السابق -عدوه الحالي- “حميدتي”، أن الهدف لم يكن يوماً خوف على الوطن، بل كان انقضاضاً سافراً على حلم السودانيين بسودان حر مدني ديمقراطي. لقد أطبق الانقلاب فكيه على البلاد، وعرقل مسار الحكومة الانتقالية، وفشل قائده البرهان، على مدار أعوام، في القيام بأبسط مهام الدولة؛ عاجزاً عن تعيين رئيس وزراء واحد، أو تشكيل حكومة تدير شؤون الناس. بقيت البلاد في حالة “تيه سياسي” غير مسبوق، مهدت الطريق لاحقاً لحرب مدمرة أكلت الأخضر واليابس في منتصف أبريل 2023.

لقد كان انقلاب البرهان-حميدتي انقلاباً بلا رؤية، يفتقر لأي هدف يتجاوز شهوة السلطة المطلقة. إنها التضحية بوطن كامل من أجل تحقيق “أضغاث أحلام” شخصية، استصحبها البرهان منذ أيام الثورة الأولى حين صرح علناً بأن والده رأى في منامه أنه سيصبح رئيساً على السودان. ويا له من ثمن فاجع سدده السودانيون من دمهم ليرى ذلك الحلم الضيق النور، ليتحقق حلم “الوالد”؛ حلمٌ دمر في طريقه أحلام الملايين في بناء دولة مؤسسات تشبه دول العالم المتحضر لصالح دولة فاشلة تشبه حلم “الوالد” الضيّق.

إن إصرار البرهان على تصوير خطاباته من وسط دمار القيادة العامة في 6 أبريل، أو دمار القصر الجمهوري في ذكرى الاستقلال، يبعث برسالة مرعبة ومستفزة للشعب المشرد اللاجئ والنازح. ما الذي يريد قوله هذا الرجل؟ هل يريد إخبار المواطن الذي فقد بيته ونُهبت ممتلكاته أن “هذا هو حال القيادة العامة للجيش، فما بالك ببيتك الصغير؟”.

أما بقاء القيادة العامة بهذا المنظر الجنائزي، رغم خروج قوات الدعم السريع من مساحات واسعة في الخرطوم والمدن الثلاث منذ مطلع العام الماضي، فيعكس حقيقة واحدة مؤلمة: هذا النظام لا يملك مشروعاً للإعمار، بل يقتات على صور الدمار لتكريس شرعية “الأمر الواقع”. إنها سياسة “الخرابة” التي تهدف لإحباط الناس وإقناعهم بأن البديل للاستبداد هو الفناء، وأن الثمن الذي دفعتموه للحرية لن يحصد سوى الرماد.

السؤال الذي يتردد اليوم في كل زقاق، وفي كل مخيم لجوء، وفي كل تجمع للسودانيين الفارين من الجحيم: لماذا كل هذه الخسائر؟ ولماذا ضاعت أنضر السنوات من عمر الشباب والسودانيين في الشوارع وتحت رصاص القمع والموت إذا كانت المحصلة هي استبدال دكتاتور بآخر؟! إن ثورة ديسمبر لم تخرج ليجلس البرهان مكان البشير، ولم تزهق دماء الشهداء ليتحكم في مصيرنا من لا يعي جوهر شعارات “حرية، سلام، وعدالة”.

إن البرهان، بتصرفاته وخطاباته، يثبت يوماً بعد يوم أنه يتصرف بعقلية لا تدرك عمق التحول الاجتماعي والوعي السياسي الذي تشكل في اعتصام القيادة قبل أن يفضّه هؤلاء أنفسهم. إن استحضار رمزية أبريل 1985 هو محاولة يائسة لسرقة شرعية تاريخية لم يعد لها مكان في واقع الثورة المعلوماتية التي يقودها جيل لن يقبل بـ”إعادة تدوير” النفايات السياسية للنظام القديم بوجوه عسكرية جديدة.

وخطاب البرهان ليس سوى نُواحٍ سياسي ورثاء لنظام يرفض الاعتراف بنهايته الحتمية، ويرفض التصديق بأن شمسه قد غربت إلى الأبد. فالخراب الذي وقف أمامه البرهان هو المرآة الصادقة للخراب الذي أحدثه في النسيج الوطني والسياسي والاجتماعي في البلاد، وتجسيد للفشل الذي حوّل أحلام الاستقرار إلى رماد. لكن على البرهان وعلى “جنرالات الردة” حوله ومن يزين لهم هذه المشاهد والوقوف على تلال الخراب، أن يدركوا يقيناً أن الشعوب التي توشحت بالدم من أجل الحرية لا ترهبها نيران حرابتهم، وأن الأجيال والأمم التي ولدت من رحم ديسمبر لا تموت بالاختناق في أدخنة الحروب المدبّرة، وأن 6 أبريل ليست مجرد تاريخ، وأن ديسمبر ليست مجرد ذكرى؛ إنها فكرة، والفكرة لا تموت بالانقلابات، ولا تمحوها الخطابات الهزيلة من فوق تلال الركام.

السودان سيبنيه الشباب الذين خانهم البرهان وغدر بهم طموحه الشخصي، وسيكون هذه المرة وطناً حقيقياً؛ لا مكان فيه لأحلام الآباء الشخصية المبنية على دماء الأبناء، ولا سيادة فيه إلا لإرادة الشعب الذي قال كلمته ومضى: “العسكر للثكنات.. والجنجويد ينحل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *