قرارات البرهان بشأن الرفاق الثلاثة: كباشي العطا وجابر
ماذا يحدث في الجيش ولماذا؟
خاص: (ديسمبر)

هل بلغ الصراع ذروته داخل الجيش السوداني أم متجه نحو حل؟. والسؤال مطروح وفقاً للإجراءات التي أعلن عنها القائد العام للجيش الفريق الأول عبد الفتاح البرهان، والتي من الصعب أن لا ننظر إليها على أنها تحجيم لدور رفاقه في القيادة السياسية للجيش؛ الفريق أول شمس الدين الكباشي والفريق أول ياسر العطا والفريق إبراهيم جابر، على الرغم من أنه رتب لهم مناصب جديدة في قيادة الجيش ووزعهم بين مساعدين له وقيادة الأركان. وفي واقع الأمر أن القرارات فتحت باباً من الأسئلة وعديداً من التحليلات والسيناريوهات، أبرزها أن البرهان في طريقه للانفراد بالسلطة رئيساً للجمهورية، أو تحت أي مسمى، وأسوأها عليه شخصياً أنه أفلح في جمع عداوات واسعة ربما تتعاون في إزاحته كلياً من المشهد.
ومن بين الأسئلة التي لا يمكن التغاضي عنها: ماهي الضغوط التي دفعت البرهان ورفاقه إلى هذه الإجراءات؟ هل تصنيف الحركة الإسلامية جماعة إرهابية أم الحرب الأمريكية الإيرانية؟.غير أن السؤال الأكثر أهمية: ما القادم الذي سيعقب قرارات البرهان؟.

المجلس العسكري “يتحلل”
تجمع البرهان ورفاقه في اللجنة الأمنية في مجلس عسكري ادعى انحيازه للثورة المطالبة بإسقاط عمر البشير، وكان المخطط أن يستقلوا بالسيادة وإلهاء المدنيين في حكومة تنفيذية مدارة من قبلهم، إلا أن المدنيين تمسكوا بالمشاركة في المجلس، الأمر الذي دفعهم إلى إقناع رفاقهم بالتنازل عن عضوية المجلس أبرزهم اللواء صلاح عبدالخالق. وترافق البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتي وكباشي وياسر العطا وإبراهيم جابر مشكلين المكون العسكري في مجلس السيادة. وعلى الرغم من أن مجلس السيادة كان في إطار شراكة بينهم والمدنيين إلا أنها في الواقع كانت منافسة وعدم انسجام خاصة من العسكريين، وانتهت الشراكة بانقلاب صريح في 25 أكتوبر 2021. ولكن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م أخرجت بطبيعة الحال حميدتي من المجلس، لينفرد البرهان ورفاقه الثلاثة؛ كباشي والعطا وجابر بإدارة البلاد، متوزعين المهام العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتابعنا مؤخرا الأنباء المتداولة التي تشير إلى نية البرهان حل مجلس السيادة التي راجت قبل القرارات الأخيرة، ولا خلاف على أنها عززتها، وينظر إليها على أنها قرارات استباقية الغرض منها ترتيب أوضاع الرفاق في المرحلة القادمة قبل إعلان حل المجلس.
ويرى خبراء سياسيون أن بقية أعضاء المجلس من الحركات المسلحة؛ مالك عقار وصلاح الدين آدم تور وعبد الله يحيى، يمكن ترتيب أمرهم ضمن التفاهمات مع الحركات المسلحة الموقعة على سلام جوبا، مع الوضع في الاعتبار أنه أكثر الملفات تعقيداً التي يواجهها البرهان وفريقه من الاستخبارات العسكرية. أما المدنية الوحيدة في المجلس نوارة أبو محمد طاهر فأمرها سهل. وبهذه الخطوات والمنتظر اكتمالها بإعلان حل المجلس يكون المجلس العسكري قد تحلل وانتقل السودان إلى مرحلة جديدة شديدة الشبه بالفترة التي حكم فيها البشير منفرداً.
منظمة إرهابية وحرب إيران
الملاحظة الجوهرية في تعاطي البرهان مع المجتمع الدولي وخاصة “الرباعية” أنه لم يغلق الباب، ودائماً ما يتركه موارباً. وأبرز ما عرف عن البرهان المراوغة وعدم الالتزام بالتعهدات التي لا يكترث بتنفيذها عند إبرامها، وهذه المراوحة واضحة منذ لقائه الأول مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مسعد بولس، وربما تعامل الرجل بتقديرات واقعية لا تسمح له بمناطحة صريحة مع إدارة الرئيس الأمريكي أو خسارة حلفاء في المنطقة في مقدمتهم المملكة العربية السعودية.
غير أن التطور الذي لم يكن متوقعاً هو إعلان أمريكا الحركة الإسلامية منظمة إرهابية، ثم التطور المفاجئ في الصراع الأمريكي الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى. كان قرار تصنيف الحركة الإسلامية وحرب إيران لحد كبير هما الفاعل الأساسي في قرارات البرهان المتعلقة برفاقه في مجلس السيادة، إضافة إلى ضغوط قديمة متعلقة بمبادرة الرباعية. ورغم هذا وذاك من الصعب جداً النظر إلى هذه القرارات على أنها بعيدة من مراوغة جديدة ينشط فيها البرهان.
الإسلاميين إرهابيون
الحرب الدائرة في السودان حرب سياسية، من أطلق رصاصتها الأولى خطط أن يعود عبرها للسلطة، وهم جماعة الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني، الذين يرفضون إيقافها إن لم تحقق غرضهم في العودة. مع الوقت تبين أن البرهان أقرب القيادات للحركة الإسلامية، أو على الأقل ربط مصالحه بشكل كبير بمصالح الحركة الاسلامية، غير أنه في ذات الوقت كان مطلوباً منه أن يحافظ على سبب وجوده الأول في المشهد وهو مساندة الثورة التي أطاحتهم، وينفي علاقته معهم بشكل قاطع، لذلك دائماً ما ينكر وجودهم حوله، ويذكر الجميع سؤاله الدائم عن “الكيزان” “وينن الكيزان؟.. الإسلاميين وينم؟”. ومن المفترض أن تنتهي الحرب بعد أن يكون وجودهم في المشهد أمراً طبيعياً ومقبولاً، وبالمقابل شيطنة قوى الثورة واتهامهم بالخيانة والعمالة. ولكن “الإسلاميين في السودان إرهابيين” بحسب تصنيفهم من الولايات المتحدة الأمريكية، وقطعاً فإن تصنيفهم من قبل أمريكا سيعقِّد تعاملهم مع العالم، وما زاد الطين بلة إعلان الجناح العسكري الأشهر للحركة الإسلامية محظوراً من الإدارة الأمريكية نفسها. وهنا دخل البرهان في اختلال سياسي ودبلوماسي جديد، ولكن في ذات الوقت فتح له الطريق لتسيد المشهد بعد أن حتمت الظروف على الإسلاميين التراجع إلى الظل على الأقل في الوقت الحالي، وهذا يعني زيادة حظوظ البرهان في الظهور والانفراد بالقرار، لذا وجدت القرارات المتعلقة برفاقه كباشي والعطا وجابر الطريق ممهداً.
حرب إيران والخليج
ناجي عبدالله واللواء طارق كجاب وعدد من الإسلاميين وضعوا حكومة البرهان في وضع لا تحسد عليه، بعد أن أظهروا تأييداً واضحاً لإيران في حربها ضد أمريكا وإسرائيل، متجاهلين دول الخليج والعدوان الإيراني عليها وخاصة المملكة العربية السعودية وقطر، وكلتاهما داعمة للجيش، لذا أظهر البرهان غضبه أمام موقفهم فحبس من حبس وأعفى من أعفى. ولكن الأكثر أثراً وخطورة بخصوص تداعيات حرب الخليج ضد إيران هي الوحدة والتضامن الخليجي الذي أوجده العدوان الإيراني، وهذا يعني تقارباً سعودياً إماراتياً، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا أمام تطابق في رؤية الحل بالنسبة لثلاث دول من دول “الرباعية” وهي السعودية والإمارات وأمريكا. وفي الجانب الآخر من المتوقع استثمار الدعم السريع أوضاع البرهان والجيش المعقدة دبلوماسياً لإظهار نفسه بشكل جديد وتلقي مزيد من الدعم والإمداد من الدول الداعمة له.
ولا يمكن أن نغادر هذه النقطة قبل أن نضع في ثنايا هذا التحليل حدثين، وعلى الرغم من عدم ارتباطهما مع بعضهما بعضا إلا أنهما شديدا الصلة بالنقطة مثار النقاش، أولهما إنهاء فترة عمل السفير السعودي في الخرطوم علي بن جعفر والذي تولى الملف منذ 2019، والثاني لقاء مبعوث الأمين العام للسودان بيكا هافيستو مع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو. والملاحظة اللافتة أننا لم نطالع بيان احتجاج من الخارجية السودانية تجاه هذا اللقاء، وكل ذلك يوحي بأن هناك ترتيبات جديدة تسبقها دبلوماسية جديدة خطا البرهان خطواتها الأولى بالقرارات الأخيرة والتي تؤكد المصادر أنها ستتبع بأخرى.

بقاء البرهان سراً وعلناً
في حواره مع وكالة أنباء رويترز قال القيادي الإسلامي المطلوب للمحكمة الجنائية أحمد هارون إن رؤيتهم أن يتولى “عسكري” حكم البلاد لخمس سنوات بعد إيقاف الحرب. وفي تسريب انتشر بكثافة على مواقع التواصل للقيادي الإسلامي قال عثمان محمد يوسف كبر إنهم سيبقون على البرهان خمس سنوات بعد انتهاء الحرب، وكشف في ذلك المقطع المسرب أن البرهان كلما شتمهم ليلاً اعتذر لهم صباحاً، وعليه يبدو أن خطة الحركة الإسلامية هي الإبقاء على التنازع والفوضى مع وجود عسكري موالٍ لهم يخلص من كل ذلك إلى تقديمهم للشارع السوداني بعد رمي خصومهم بالعملاء، ومستخدماً أدوات الدولة في ذلك.
ووفقاً لهذه التطورات ستظل خطة الحركة الإسلامية ثابتة ولكن ليس بالضرورة أن يكون “العسكري” هو البرهان بعد محاولته التخفف من تركتهم الثقيلة الموسومة بالإرهاب.
اجتذاب الأعداء
معلوم أن الحركات المسلحة شاركت في انقلاب 25 أكتوبر 2021 مقابل البقاء في السلطة، وشاركت في الحرب لذات السبب وأسباب أخرى. وقد دفعت تقلبات الميدان الحركات وقادتها وبالذات مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم إلى منطقة حرجة، وكان أول جهة استثمرت في وضعهم الهش الحركة الإسلامية وعناصرها في استخبارات الجيش، إذ صوروا لهم أول الأمر أن الهدنة المعلنة من “الرباعية” ويتردد البرهان حيالها حال تم توقيعها قبل استعادة دارفور ستكون القشة التي ستقصم ظهرهم إلى الأبد. اليوم عادت الحركات المسلحة إلى ذات المربع الحرج إن لم يكن أكثر حرجاً، خاصة حال نظرنا إلى الترتيبات الجديدة على أنها خطوة نحو تعامل جديد مع المجتمع الدولي يفضي إلى “هدنة إنسانية” توقف القتال قبل تحرير دافور، يسبقها حسب ما تردد حل المجلس السيادي وتكريس السلطات والصلاحيات في قبضة رجل اسمه البرهان.. فإيقاف الحرب من قبل البرهان دون القضاء على الدعم السريع وتحقيق المكاسب السياسية من الحرب يضع الحركة الإسلامية والحركات المسلحة في وضع حرج مع الرأي العام السوداني، بعد انهيار كل الوعود التي بزةذلوها للسودانيين ودعاية الحرب، إضافة إلى أن قبول الهدنة والمضي في مسار السلام ولو جزئياً سيدخل الإسلاميين والحركات في تعقيدات غير مؤمونة العواقب، الأمر الذي يجعل فرضية إزاحة البرهان من المشهد قائمة عن طريق انقلاب داخلي أو بأي وسيلة من وسائل الإسلاميين المعروفة عنهم.
ميرغني إدريس مهندس الصفقة
كشفت مصادر لقناة زسكاي نيوز عربية عن أن صفقة تسكين أعضاء المجلس السيادي في مواقع جديدة مرتبطة بالقوات المسلحة كان وراءها الفريق ميرغني إدريس، وهو أحد الذين تم حظرهم من قبل الخزانة الأمريكية لجهة أنه أحد الذين أداروا الدعم المالي للحرب، كما أنه يدير أموالاً محظورة هي أموال منظومة الصناعات الدفاعية. ومن الواضح أن ميرغني أصبح لاعباً أساسياً جوار البرهان وبالذات لإدارته أموال المنظومة وأموالاً أخرى، وتربطه بالبرهان صلات قديمة فهما “أولاد دفعة” وقد أعاده البرهان للخدمة بعد الإطاحة بالبشير، ونجح في تمويل الحرب بشكل كبير.
وتشير المصادر، التي تحدثت لإسكاي نيوز، إلى أن ميرغني مهندس الصفقة عرض أموالاً على الضباط العظام مقابل قبولهم بالتسوية الجديدة وابتعادهم عن تعاطي الشأن السياسي اليومي، ولو قليلاً، وهذا دون شك ترتيب جديد ينفرد فيه البرهان بالقرار السياسي مدعوماً من الصناعات الدفاعية وشركاتها التجارية في دول الجوار توطيناً لسلطته حال تخاذل عنه النظام القديم الذي يرى في الخطوة تهديدا لمستقبله.
هدنة فقط
وفقاً لمصادر عديدة، خطة البرهان التي يسعى إلى تسويقها وسط الإسلاميين أنه يتجه إلى القبول بالهدنة الإنسانية والشروع في المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار، إلا أنه سوف يستمر في المراوغة السياسية، بحيث تظل العملية السياسية مكان شد وجذب إلى حين انتهاء المدة المتفق عليها (خمس سنوات)، مع التعهد بالعمل على حماية الإسلاميين وخطابهم وسط السودانيين وقمع الخطاب المعادي لهم، بعد أن يستخدم وضعهم الحرج بسبب العقوبات مقدمة لهذا السيناريو المعد في أضابير الاستخبارات العسكرية.
هل الجيش بخير؟
الملاحظة المدهشة أن الجميع لم ينظر إلى مصلحة الجيش في القرارات الأخيرة التي تضمنت تغيير رئيس هيئة الأركان واستحداث مناصب من بينها منصب الفريق أول شمس الدين كباشي (مستشار القائد العام لشؤون التخطيط والبناء)، وانصب نظر الجميع إلى المراوغة السياسية التي يسعى لها البرهان. وعندما نقول مصلحة الجيش نعني قطعاً مصلحة الحرب، وهذه الملاحظة تشير جلياً إلى أن الترتيبات والقرارات التي جرت سياسية بامتياز وينتظر أن تكتمل قريباً.