ثلاث سنوات – استمرار حرب ودمار

ثلاث سنوات – استمرار حرب ودمار

عروة الصادق

 

بعد مرور نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023م، يمكن القول إن معظم الجهود التي بُذلت لوقف إطلاق النار ظلت محكومة بطابع تكتيكي قصير الأمد، أكثر من كونها جزءًا من مقاربة إستراتيجية متكاملة تؤسس لوقف دائم للعدائيات وسلام شامل. فالمسارات المطروحة انشغلت غالبًا بترتيبات إنسانية مؤقتة، أو بهُدَن محدودة زمنًا ومكانًا، لكنها لم تنجح في معالجة جذور الصراع، ولا في بناء آليات إلزام ومراقبة فعالة تمنع الانهيار المتكرر لهذه التفاهمات.

وأبرز مثال على ذلك مسار محادثات جدة التي أسهم في ابتدارها معالي السفير علي بن حسن  جعفر، سفير خادم الحرمين الشريفين بالخرطوم، فقاد بدوره ذلك المسار، الذي مثّل من حيث الشكل، أكثر المسارات إنتاجًا للاتفاقات والوثائق، بدءًا من إعلان الالتزام بحماية المدنيين في مايو 2023م، ثم اتفاقات وقف إطلاق النار القصيرة والترتيبات الإنسانية اللاحقة. غير أن المعضلة الأساسية تمثلت في أن هذه التفاهمات لم تستند إلى ميزان ردع حقيقي، ولا إلى إرادة سياسية ناضجة لدى الطرفين، خاصة جانب القوات المسلحة الذي هيمن على قراره ولا زال التيار الإخواني المتطرف الذي أشعل الحرب، ولذلك جرى خرقها بصورة متكررة خاصة من قبل سلاح الجو الذي هيمن عليه قادة التنظيم المحلول والحركة الإخوانية. وتحولت تلك الهدن في بعض المراحل إلى فترات لإعادة التموضع وتحسين المواقع الميدانية أكثر من كونها مدخلًا فعليًا للتهدئة.

أما سبب استعصاء هذه الجهود، فيعود، في تقديري، إلى تداخل عدة مستويات من العوامل، أولها عوامل داخلية بنيوية تتعلق بطبيعة الحرب نفسها، من حيث تعدد مراكز القرار الميداني، وارتباط الصراع بـاقتصاد حرب قائم على الموارد وشبكات التمويل والتهريب، إضافة إلى تفكك القوى المدنية واتساع العنف المجتمعي وتآكل سلطة الدولة المركزية. وثانيها عوامل إقليمية تتمثل في تضارب أجندات الفاعلين الخارجيين كمصر والإمارات، بحيث أصبحت بعض الوساطات متأثرة بحسابات النفوذ وموازين الاصطفاف الإقليمي، وهو ما أضعف الثقة في حيادها وفعاليتها. أما ثالثها فهو العامل الدولي، حيث بدا واضحًا أن أدوات الضغط والإلزام ظلت أضعف من مستوى الكارثة، وأن الإرادة الدولية نفسها بقيت مترددة أو منقسمة وزاد التجاهل بعد احتدام الصراع الأخير بين إسرائيل وأمريكا ضد إيران، الأمر الذي جعل أغلب التحركات أقرب إلى إدارة الأزمة إنسانيًا من فرض تسوية سياسية مُلزمة.

ومن المهم أيضًا الانتباه إلى أن الكارثة الإنسانية في السودان لم تعد مجرد نتيجة للحرب، وإنما أصبحت جزءًا من بنيتها التشغيلية والسياسية. فمع اتساع نطاق الجوع والنزوح والانهيار الصحي والخدمي، تحولت قضايا المساعدات والممرات والمعابر إلى موضوع نزاع قائم بذاته، وأصبحت أدوات الإغاثة نفسها جزءًا من معادلة السيطرة والنفوذ والابتزاز وامتهن قادة السلطة في بورتسودان عمليات الاتجار وجعل تلك المساعدات جزءاً من اقتصاديات الحرب. وهذا يعني أن حتى الهدن الإنسانية لم تعد تُقرأ بوصفها استجابة أخلاقية أو إنسانية فحسب، وإنما بوصفها أيضًا أداة تفاوض وصراع داخل ميدان الحرب.

وفي ما يتعلق بما هو متوقع خلال المرحلة المقبلة، فأرجّح أن يستمر السودان، في المدى القريب، في حالة حرب استنزاف وتشظٍّ ربما يصل إلى تقسيم البلاد، ما لم يحدث تحول جوهري في طريقة إدارة الملف داخليًا وإقليميًا ودوليًا. وهذا التحول يتطلب:

– أولًا، توحيد مسارات الوساطة ضمن إطار أكثر انضباطًا وفعالية وتأثير، ويفضل أن يكون إفريقيًا–أمميًا بصورة متكاملة تنخرط فيه الخماسية الدولية بصورة أكثر فعالية، حتى لا يظل الملف موزعًا بين منابر متنافسة وأجندات متباعدة كالتي تحكم تحرك الرباعية الدولية. ويتطلب،

– ثانيًا، بناء وقف إطلاق نار متدرج وقابل للتحقق، يبدأ بحماية المدنيين وضمان الوصول الإنساني بصوره مراقبة بضمانات وفاعلين إقليميين ودوليين، ثم ينتقل إلى ترتيبات أوسع ذات طابع أمني وسياسي.

كما يتطلب،

– ثالثًا، استهداف اقتصاد الحرب نفسه، عبر أدوات رقابية وعقابية أكثر صرامة تطال شبكات التمويل، وموارد الذهب، والتهريب، والرعاة الإقليميين والدوليين الذين يسهمون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إطالة أمد الصراع.

ويتطلب،

– رابعًا، والأهم، إعادة بناء مسار سياسي مدني سوداني حقيقي ومُمثِّل، لا شكليًا أو هامشيًا، لأن أي حديث عن السلام في غياب قوة مدنية موحدة وفاعلة سيظل أقرب إلى إدارة الحرب منه إلى إنهائها.

وفي تقديري، هناك نقطة إستراتيجية شديدة الأهمية، وهي أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد حرب بين قوتين مسلحتين، وإنما تحولت إلى أزمة بنية دولة، وأزمة شرعية سياسية، وأزمة تمثيل وطني في آن واحد. ولهذا، فإن وقف إطلاق النار، رغم ضرورته القصوى، لا يكفي وحده إذا لم يكن جزءًا من تصور أشمل لإعادة بناء الدولة السودانية، واستعادة مؤسساتها، وإخراجها من قبضة العسكرة والاقتصاد الموازي وشبكات النفوذ التي ازدهرت تحت مناخ الحرب.

كما أن أحد أوجه القصور الكبرى في الجهود السابقة يتمثل في أنها تعاملت مع الحرب بوصفها مشكلة أمنية قابلة للإدارة، أكثر من التعامل معها باعتبارها أزمة سياسية وطنية شاملة تتطلب عقدًا جديدًا للدولة السودانية. وهذا هو السبب الذي جعل كثيرًا من المبادرات تتعثر فضلاً عن تقاطع تلك المبادرات مع أجندة الحزب المحلول وتصور شيوخ الحركة الإخوانية، لأنها حاولت تجميد النار من دون أن تقترب بجدية من السؤال الأعمق: من يحكم السودان، وعلى أي أساس، وبأي شرعية، ولصالح من؟.

ومن الزاوية الأشمل فإن أي مسار جاد لإنهاء الحرب يحتاج إلى نقل مركز الثقل من منطق التفاوض بين السلاح والسلاح، إلى منطق التأسيس الوطني بين الدولة والمجتمع. بمعنى أن السلام الحقيقي في السودان لن يولد فقط من تفاهمات العسكريين، وإنما من إعادة الاعتبار للقوى المدنية، والفاعلين السياسيين، ولجان المقاومة، والنقابات، والقوى الاجتماعية الحية، باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقية في استعادة الدولة ومنع إعادة إنتاج الحرب في شكل جديد.

كما أن من الضروري إدراك أن إطالة أمد الحرب تخلق مع الوقت طبقة مستفيدة من استمرارها، سواء داخل شبكات التهريب والتمويل، أو داخل البنى العسكرية والسياسية التي راكمت نفوذها تحت غطاء المعركة. وهذه الحقيقة تفسر لماذا يصبح السلام، في بعض المراحل، مهدِّدًا لمصالح قوى قائمة أكثر من كونه فرصة وطنية مرحبًا بها. ومن هنا، فإن أي جهد جاد لوقف الحرب يجب أن يتعامل بصرامة مع البنية الاقتصادية والسياسية التي تتغذى على استمرار النزاع، خاصة تلك المجاميع التي صنفت ككيانات إرهابية، لا مع المظاهر العسكرية وحدها.

عليه أقول: إن الحرب في السودان لم تستعصِ فقط لأن الأطراف المتحاربة ترفض التسوية، وإنما أيضًا لأن البيئة السياسية والإقليمية والدولية المحيطة بها لم تنجح، حتى الآن، في تحويل كلفة استمرار الحرب إلى كلفة أعلى من كلفة وقفها. وما دامت هذه المعادلة قائمة، فإن الأرجح هو استمرار النزاع، مع مزيد من التشظي، والإنهاك الوطني، والانهيار الإنساني، وتآكل فكرة الدولة نفسها.

لذلك فإن السلام في السودان لن يكون نتيجة هدنة مؤقتة، وإنما ثمرة إرادة سياسية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين السلاح والسياسة والأيدولوجيا والعنف، وبين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والشرعية وبين التنافس النظيف والعنف والإرهاب المتطرف الذي تقوده الجماعات الإخوانية الظلامية التي أشعلت الحرب وتقتات من استمرارها. ومن دون هذا التحول، ستظل كل محاولات وقف إطلاق النار تدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الأسماء والمنابر والبيانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *