شرق السودان بين مطرقة “الترتيبات الأمنية” البالية وسندان الارتداد لما قبل الدولة
بقلم: وليد عنبوور
يمثل الراهن الجيو-سيادي في شرق السودان، والمتجسد في إعادة انتشار الحركات الخمس المسلحة “التحالف الفيدرالي لقوى شرق السودان”* تحت غطاء “الترتيبات الأمنية” الحقل التشريحي الأخير لمعاينة صيرورة التفكك البنيوي في بنية الدولة السودانية. تلك الدولة التي ولدت كـ”جهاز غريب” صممه العقل الاستعماري لإدارة الموارد، لا لإدارة التنوع، فتتحول هذه الحركات في واقعها الراهن إلى أدوات قسرية ضمن إستراتيجية “الإضعاف المدار” التي يمارسها تحالف البرهان والإسلاميين بغرض تمزيق الكتلة التاريخية الناشئة للشرق التي بدأت تتبلور مؤخراً، بما يؤدي لتحويل الغبن الاجتماعي المتراكم منذ صدامات عام 2019 “صنيعة الدولة العميقة” إلى طاقة تدمير ذاتي تجعل من المكونات الإثنية والقبلية خزانات قتالية تتنافس على فتات السلطة والاعتراف بالهيمنة المركزية، بدلاً من الانخراط في مشروع تأسيسي ينهي هيمنة “العقل الاستعماري” المركزي.
ويتجلى ذلك بوضوح في ممارسات المركز التاريخي، الذي يعمل بوعي منهجي على ضرب أي فرصة لبروز “وحدانية في التمثيل” عبر التلاعب بالتناقضات الاجتماعية والسياسية؛ فالهيكل السلطوي لم يستهدف يوماً الاعتراف بمطالب الشرق بقدر استهدافه تفتيت صوته وتشتيت ملامح تشكله، لضمان بقائه في حالة استجداء دائم لشرعية المركز. وقد جرى استخدام الرموز التقليدية والقيادات التاريخية كـ”قُفل” إستراتيجي إبان قطع طريق الانتقال المدني الديمقراطي والتأسيس الثاني للبلاد، مما أسهم في إنجاح انقلاب 25 أكتوبر 2021.
ورغم إدراك العقل المركزي بأن بين هذه الرموز التقليدية، ومعهم آخرون، و”الحركات الخمس” توترات مشحونة تطفو على السطح، إلا أنه ما يزال يمارس التفكيك الممنهج، ويسعى حثيثاً عبر إطلاق يد الحركات الخمس لتكون بمثابة “بدائل خشنة” دون الآخرين من حركات مسلحة أخرى في الإقليم تتبع لواجهات سياسية وزعماء تقليديين، وذلك لكسر أي محاولة لتوحيد التمثيل وتشكل كتلة صلبة، مما يحوِّل الإقليم إلى غابة من البنادق المتصارعة التي يستثمر فيها المركز لضمان بقائه حكماً وحيداً وسط شظايا الهامش المفتت.
إن هذا التشابك البنيوي يفرض معاينة دقيقة لكيفية انتقال “عدوى المركزية” من الخرطوم إلى الأطراف، إذ تعيد “الحركات الخمس” إنتاج ذات الخلل الشنيع الذي عانت منه الدولة السودانية عبر احتكار “شرعية العنف” وتوظيفها لتحقيق مكاسب فئوية ونخبوية ضيقة تجعل من إنسان الهامش مجرد وقود لمعارك الوكالة التي يديرها المركز المذعور، وهو المركز الذي يدرك تماماً أن قوته لم تعد نابعة من مؤسساته المتهالكة، بالعكس نبعت من قدرته الماكرة على “تفتيت القوى الحيوية” للأقاليم ومنعها من تشكيل جبهة وطنية عريضة قادرة على فرض العقد الاجتماعي الجديد. وبذلك تتحول منطقة شرق السودان بموانئها ومواردها إلى رهينة لتوازنات أمنية هشة ومؤقتة تهدف لإطالة عمر الطغمة الحاكمة في بورتسودان عبر خلق عداوات بينية مستدامة بين المكونات الإثنية التي كانت تاريخياً تعيش في حالة من التعايش الذي مزقته سياسات “فَرِّق تَسُدْ” في نسختها الإسلاموية والعسكرية الحديثة.
ويفسر ذلك العلاقة الجدلية المعقدة مع الجار الإريتري أسياس أفورقي بمنهجه وعقله الاستخباراتي الذي فتح أراضيه ومعسكراته للتدريب والإمداد. فيجد المركز السوداني المأزوم نفسه مضطراً لممارسة لعبة “الاحتواء المزدوج” عبر استقطاب هذه الحركات، لا رغبةً في التأسيس ولكن بقصد تمزيق ارتباطها العضوي بأسمرا، وتدجين طموحها السياسي داخل ردهات البيروقراطية العسكرية التي تبتلع الروح الثورية والسياسية المختلفة عن القوالب التاريخية، وتحولها إلى وظائف إدارية خاضعة لإرادة المركز المتلاعب بمصائر الأطراف؛ حيث برز بند الترتيبات الأمنية بصيغة “تفاهمات أمر واقع”، وليس كبند دمج بالكامل في الجيش السوداني حتى الآن. وقضت تلك التفاهمات في منتصف مارس 2026 بعودة هذه القوات من الأراضي الإريترية بعد إكمال تدريب ثلاث دفعات للدخول إلى شرق السودان عقب عطلة عيد الفطر.
وتشير مصادر ميدانية وإعلامية إلى بدء هذه الحركات بالفعل في نشر وحدات في مناطق إستراتيجية بولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف، مع تسليم قائمة بمطالبها للحكومة في بورتسودان بشأن الدمج، مما يؤكد أن الترتيبات الأمنية الحالية لا تعني “الاندماج الفوري” بقدر ما تعني الاعتراف بمناطق نفوذ لهذه القوات، وهذا هو الفخ الذي يُرسم لها من قِبَل “الدولة العميقة”، بحيث إنها دمجت فعلياً ولزاماً عليها أن تكون وقوداً للحرب المستعرة.
إنّ هذا الانتقال، من مربع “الرؤية المغايرة” ونقد بنية المركز، إلى مربع الانحياز الكامل لأحد طرفي الحرب يمثل في جوهره “انقطاعاً بنيوياً” في العَقد الذي يربط القواعد بقياداتها. فقد كانت هذه القواعد تستمد دافعيتها من خطاب “التغيير” و”تفكيك الهيمنة المركزية”، فإذا تحولت هذه الحركات إلى مجرد “وحدات إلحاقية” في جهاز الدولة القديم فقدت مبرر وجودها الأخلاقي والسياسي، ويؤدي ذلك بالضرورة إلى حالة من “الاغتراب الاجتماعي” تجعل من المقاتل والقاعدة الشعبية يشعرون بأن تضحياتهم قد جرى تجييرها في سوق المساومات النخبوية، مما يقلص السند الجماهيري ويحول الحركة من “تيار اجتماعي عريض” إلى “مليشيا وظيفية” تنتهي صلاحيتها بانتهاء الغرض العسكري منها.
إنّ التوقيع على ترتيبات أمنية تتسم بالغموض والفوقية وتنحصر مكاسبها في “الرتب” و”المخصصات”، يكرس صورة “النخبة الانتهازية” التي تستثمر في “الغبن التاريخي” للشرق لتحقيق صعود شخصي داخل ذات البنية الإقصائية. ويولد هذا النمط من الاتفاقيات شعوراً بالخيانة لدى القواعد التي لا تزال تعيش وطأة التهميش والفقر. فالجماهير التي ناصرت هذه الحركات لم تستهدف تغيير وجوه النخبة في المركز بنخبة جديدة من الهامش، وقد استهدفت تغيير “قواعد اللعبة” برمتها. وحين تكتشف هذه الجماهير أن الحركات قد ذابت في “بنية المركز” وأصبحت جزءاً من أدواته، دون تغيير في جوهر السياسات، فإنها ترتد فوراً نحو “الانتماءات الأولية” الصرفة، بما يترك القيادات في حالة “عُرْي سياسي” تام أمام المركز الذي سيستغني عنهم بمجرد أن يكتشف فقدانهم السيطرة على الأرض والحشد الجماهيري.
كما أنّ الدفاع عن طرف في الحرب، وتجاوز شعارات “الموقف المستقل ومبادئ حق الحياة ورفض الحروب”، يسلب هذه الحركات صفتها كـ”طرف ثالث” كان يمكن أن يمثل “الكتلة التاريخية” الضامنة للتحول، وبدلاً من ذلك فإن انخراطها كـ”ظهير عسكري” يجعلها تتحمل وزر الفشل البنيوي للدولة القديمة، ويسقط عنها لغة “المظلومية” التي كانت تمنحها التعاطف القومي والدولي. فالمركز في بورتسودان لا يبحث عن “شركاء في التأسيس” بقدر بحثه عن “جنود للوكالة”، واستجابة الحركات لهذا المطلب تعني قبولها بـ”الانتحار الوظيفي”، إذ إنها بفعلها هذا تدمر “رأسمالها الرمزي”، وتتحول من قوى تحمل رؤية تغييرية إلى قوى تحرس “المركز المتهالك” وتطيل عمر أزمته.
وبناءً على ما تقدّم، وللخروج من هذا المأزق التاريخي، فإن الأمر يقتضي بالضرورة استبدال مفهوم “الترتيبات الأمنية الفوقية” القائمة على المحاصصة في الرتب والمناصب بمفهوم “الأمن التشاركي المستدام”، وهو المفهوم الذي يجعل من دمج المقاتلين جزءاً عضوياً من عملية إصلاح شاملة وجذرية للمؤسسة العسكرية القومية تضمن خروجها التام والنهائي من العملية السياسية والاقتصادية كشرط أساسي لا يقبل المساومة. وبدون هذا الارتباط العضوي بين الدمج والإصلاح الهيكلي للدولة تظل أي ترتيبات أمنية مجرد “هدنة مسلحة” تمنح النخب وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب صفوفها واستدراج مزيد من المقاتلين القبليين إلى حظيرة التبعية المركزية.
لذا يتحتم على القوى الحيوية في الشرق فك الارتباط مع بنية التدجين المركزية عبر استرداد “وحدانية التمثيل” في كتلة تاريخية عريضة تتجاوز الفوارق الإثنية نحو ميثاق سيادي كامل للإقليم يرفض التجيير العسكري أو الوكالة الاستخباراتية، وصولاً إلى فرض إرادة “التأسيس الثاني” التي تجعل من المواطنة التشاركية حائط الصد الأخير ضد محاولات التفتيت المنهجي التي يبرع فيها المركز التاريخي المذعور، الذي لم تتغير أدواته القمعية منذ رحيل المستعمر الأجنبي وحلول “المستعمر المحلي” مكانه، بكل ما يحمله من فشل إداري مزمن أورد البلاد موارد الهلاك والتمزق.
———–
هامش:
* التحالف الفيدرالي لقوى شرق السودان: هو مظلة سياسية-عسكرية نشأت كاستجابة لواقع التهميش البنيوي، وتتشكل من خمسة فصائل رئيسية تمثل تداخلات الخارطة الاجتماعية في الإقليم:
مؤتمر البجا: بقيادة موسى محمد أحمد
حركة تحرير شرق السودان: بقيادة القائد إبراهيم دنيا.
الحركة الوطنية لشرق السودان: بقيادة محمد طاهر سليمان بيتاي.
الجبهة الوطنية: بقيادة محمد صالح أكد.
حركة الأسود الحرة: بقيادة محمد عابد.