(ديسمبر).. التحدي والاستجابة

أفق بعيد

فيصل محمد صالح

 

(ديسمبر).. التحدي والاستجابة

 

يقولون إن أول ضحايا الحرب هي الحقيقة، لأن سرديات الحرب لا تكتبها الأقلام والضمائر، بل تكتبها البندقية، أو تمليها على من يكتبون. ولهذا فمن الطبيعي أن تكون الصحافة الحرة من أوائل ضحايا الحرب.

 

في الحرب الحالية في بلادنا، لم تكن الصحافة ضحية الحرب بهذا المعنى الفلسفي فقط، بل بالمعنى الحقيقي الواقعي أيضاً. فبسبب العقلية المركزية التي تسيطر علينا، فإن حوالي 90% من أجهزة الإعلام السودانية موجودة في مساحة لا تتجاوز 5 كيلومترات مربعة، هي مساحة وسط الخرطوم التي تضم مؤسسات الدولة كافة: القصر، ومجلس الوزراء، والوزارات، والقيادة العامة، ورئاسة الشرطة والأمن… إلخ.

 

وكان الاستثناء الوحيد هو وجود الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في أم درمان، لكن من المعروف أيضاً أنها تظل هدفاً لأي محاولة انقلاب أو سيطرة على السلطة بأي صورة كانت.

 

وهكذا، بعد ساعات قليلة من بدء الحرب، كانت بلادنا تعيش هذه المحنة بلا إعلام وطني، وصرنا نعتمد على أجهزة الإعلام العربية والأجنبية لمعرفة ما يحدث بالضبط. واستمر هذا الوضع لفترة طويلة، حتى استطاعت الصحف والمنصات الإلكترونية أن تسد بعض النقص، وتحاول تعويض غياب الإعلام الوطني الذي لا غنى عنه في مثل هذه الظروف.

 

ثم ازداد التحرك، وظهرت فضائيات خارج السودان، وانتشرت المنصات الإلكترونية ومواقع البودكاست والبث المباشر.

 

لم يعنِ هذا أن الحقيقة لم تعد ضحية للحرب، بل استمر وضعها كضحية في ظل الإغراق الإعلامي لأبواق الحرب من كل الأطراف، والتي حولت كثيراً من هذه المنصات والأجهزة، بفعل التمويل الرخيص، إلى أبواق هدفها الدعاية الحربية والتعتيم على الحقائق، وممارسة التشهير بالخصوم المفترضين.

 

هنا ظهرت الحاجة إلى مبادرات جديدة، من بينها هذه الصحيفة، تقف ضد الحرب وتعمل من أجل السلام. وهي هنا إعلام موقف، لا يدعي الحياد بين الحرب والسلام، لكنها تعبّر عن مواقفها بمهنية وموضوعية، بعيداً عن لغة السباب والشتائم والدعاية الرخيصة، ودون الانزلاق إلى مستويات الشخصنة والتهديد والابتزاز.

 

لا تنفرد صحيفة (ديسمبر)، وهي تحتفل بعامها الأول، بهذا الموقف، بل تعتز بمبادرات أخرى سبقتها أو تلتها، تنتهج المبادئ نفسها من المهنية والموضوعية، وتحاول مناقشة القضايا والأحداث بمنهج الحوار والجدال المبني على المنطق والإقناع، على أمل أن تقود بلادنا إلى مرحلة يقتنع فيها الناس بأنه لا جدوى من الحرب، وأنه من الممكن مناقشة الخلافات والاختلافات بغير البندقية.

 

هذا ما تعاهد عليه المبادرون بإنشاء هذه الصحيفة منذ يومهم الأول، وإن كنا نكتب بأسمائنا ويعرفنا الناس، فإن هناك كثيراً من الجنود المجهولين الذين يقومون بمعظم العمل الشاق حتى تصدر الصحيفة كل أسبوع. فلهم التحية، وسيأتي يوم يعرف فيه الناس حجم تضحياتهم وإخلاصهم في هذا العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *