أفق بعيد
فيصل محمد صالج
وداعاً.. عبد القادر سالم
مثلما ينسرب من بين أيدينا المبدعون من الشعراء والفنانون والكتاب، انسرب عبد القادر سالم. فارقت روحه الطيبة الجسد بعد معاناة مع المرض، صبر وصابر عليها. أظن أنهم يرحلون احتجاجاً على الأوضاع التي يعيشونها وتعيشها بلادنا. حلموا بوطن معافى، تفاعلوا معه وكتبوا عنه وغنوا له، ثم شاهدوه يتهاوى ويمضي في طريق لم يعهدوه أو يتصورونه، فلم يستطيعوا احتمال ذلك.
مع بدايات هذه الحرب رحل الفنان الكبير محمد الأمين، ورحل عمر الشاعر ومحمد ميرغني وشادن محمد حسين والفنان الشاب محمد الجزار. وفي أيام الحرب رحل الموسيقار حافظ عبد الرحمن والعازف حذيفة، وعازف البيكلو أسامة بابكر، ورحل الشعراء هاشم صديق وعبد العزيز جمال الدين والصادق الياس، مثلما رحل كمال الجزولي ومحمد المكي إبراهيم، ونجوم الرياضة فوزي المرضي وحامد بريمة، وغيرهم كثيرون.
رحل كل هؤلاء في ظروف الحرب ولم تُتَح الفرصة لتشييعهم كما ينبغي، ولا الاحتفاء بعطائهم وإنتاجهم الإبداعي وتاريخهم المضيئ، بل لم يملك الناس الفرصة للوقوف والتأمل في ما تركوه لنا من إرث. مضى كل ذلك التاريخ في عجلة، فالبلد في حالة حرب، والناس في عجلة من أمرهم لتأمين حياتهم ومعاشهم.
عبد القادر سالم من بين هذه الأسماء الكبيرة التي تستحق الاحتفاء والتكريم. كانت له بصمة مميزة منذ جاء مع رفاقه من فرقة نجوم كردفان ووضع الأغنية الكردفانية في أعلى خارطة الغناء السوداني. حل عبد القادر وعبد الرحمن عبد الله وإبراهيم موسى أبا وصديق عباس في مكانة مميزة بما حملوه من سحر الأغنية القادمة من كردفان بهسيسها وكريرها ومردومها، مع لمسات السلم السباعي الساحرة التي تتسلل برفق من بين طبقات السلم الخماسي.
ولم يقبل عبد القادر سالم أن يكون مجرد موضة أو موجة عابرة، فأسس لنفسه مشروعاً فنياً كبيراً وطموحاً، دعمه بالدراسة الأكاديمية حتى مرحلة الدكتوراه، وصار رقماً لا يمكن تجاوزه.
هناك جانب آخر في حياة عبد القادر سالم يعرفه من احتك به في الجانب الإنساني، يفسر لِمَ تمسَّك به أعضاء اتحاد الفنانين نقيباً لهم. طوَّع عبد القادر موقعه ذلك لخدمة أعضاء الاتحاد وحمل همومهم بشكل شخصي. لا يمر يوم إلا وهو يسعى لعلاج، أو مساعدة فنان أو موسيقي مرت به ظروف لا يستطيع مواجهتها وحده. يطوف أرجاء العاصمة المترامية ليزور ذاك، ويعاود آخر مطمئناً عليه وعلى أسرته.
عايشت وشاهدت ذلك خلال الفترة الانتقالية، لم يطرق أبوابنا لشأن شخصي قط، إما شيئ يخص الاتحاد وإمكانياته، أو حاجة شخص من أعضاء الاتحاد يمر بظروف صعبة. وفَّقنا الله مرات كثيرة في أن نوفر ما طلبه، وفي الأيام السابقة للأعياد يحمل ما تيسر من مساعدات، يوزعها على المظاريف ثم يحملها ويطوف بها على زملائه أعضاء الاتحاد المحتاجين.
رحم الله عبد القادر سالم وجزاه خيراً على ما ظل يقدمه من خير، هذا بجانب عطائه الفني الكبير الذي رفد به ذاكرة الشعب السودان وجمَّل به دواخلنا.
إنه يوم حزين من أيامنا البائسة في ظل الحرب.