قراءة في البنية العميقة للانهيار، وحدود الإصلاح، وإمكانات التغيير التاريخي
صفاء الزين
استطاعت الثورة أن تهز شرعية النظام الآيدولويجي السياسي، غير أنها اصطدمت ببنية أعمق من السلطة التنفيذية؛ بنية تمكينية متجذرة، ولذلك فإن الأزمة لم تكن في بقاء “النظام القديم” فقط، وإنما في استمرار منطقه داخل المجال السياسي الجديد
نبدأ بالإجابة على سؤال: لماذا تفشل الثورات في حسم الصراع رغم سقوط الأنظمة؟ فأحد أكثر الأسئلة إرباكًا في التاريخ السياسي الحديث يتمثل في:
لماذا تبدو بعض الثورات، رغم قوتها الجماهيرية الهائلة، عاجزة عن إنتاج تحول نهائي ومستقر؟ ولماذا يسقط النظام، بينما تبقى البنية التي أنتجته حية وقادرة على استعادة نفسها؟ وكيف تتحول لحظة الانفجار الثوري، في كثير من التجارب، إلى مسار طويل من الفوضى والانقسام وإعادة التشكل، بدل الانتقال الواضح نحو نظام جديد.
هذه الأسئلة لا تخص السودان وحده، وإنما تكاد تمثل السمة الأكثر تكرارًا في تاريخ الثورات الحديثة، فمنذ الثورة الفرنسية وحتى تجارب ما بعد الاستعمار في أفريقيا، ظل إسقاط السلطة غير كافٍ لإنهاء النظام الاجتماعي والسياسي الذي منحها القدرة على الاستمرار. ولهذا فإن النظر إلى الثورة بوصفها “حدث إسقاط” فقط يمثل تبسيطًا يحجب طبيعتها الحقيقية باعتبارها صراعًا طويلًا حول إعادة تعريف المجتمع نفسه.
لقد فهم أنطونيو غرامشي هذه المسألة مبكرًا، حين ميّز بين السيطرة بالقوة والسيطرة عبر الهيمنة. فالسلطة، في معناها العميق، لا تقوم على الجيش أو الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما على قدرتها على إنتاج تصور للعالم يبدو طبيعيًا وبديهيًا داخل المجتمع. وحين تنجح السلطة في ذلك، تصبح حتى القوى المعارضة أسيرة للمنطق الذي صنعته، فتتمرد على النظام، بينما تعيد إنتاج افتراضاته الأساسية دون انتباه كامل.
ومن هنا يمكن فهم المعضلة المركزية التي واجهت الثورة السودانية: فقد استطاعت الثورة أن تهز شرعية النظام الآيدولويجي السياسي، غير أنها اصطدمت ببنية أعمق من السلطة التنفيذية؛ بنية تمكينية متجذرة داخل الدولة، والاقتصاد، والوعي الاجتماعي، وحتى داخل بعض القوى التي رفعت شعارات التغيير نفسها، خاصة تلك الكيانات الشبابية والنسوية الحديثة، ولذلك فإن الأزمة لم تكن في بقاء “النظام القديم” فقط، وإنما في استمرار منطقه داخل المجال السياسي الجديد.
الثورة لا تواجه النظام فقط.. وإنما تواجه شكل الدولة الذي أنتجه
القراءة السطحية للأزمة السودانية تختزلها غالبًا في صراع بين سلطة عسكرية وقوى مدنية، أو بين الثورة والثورة المضادة. غير أن هذا التوصيف، رغم وجاهته الجزئية، يظل عاجزًا عن تفسير عمق الأزمة واستمراريتها، فالدولة السودانية الحديثة لم تتشكل بوصفها دولة وطنية متوازنة، وإنما بوصفها مركزًا سياسيًا احتكر تعريف الهوية والسلطة والثروة، ثم أعاد إنتاج هذا الاحتكار عبر مؤسسات الدولة نفسها. ولذلك فإن الأزمة السودانية ليست أزمة حكم فحسب، وإنما أزمة تأسيس تاريخي؛ أي أزمة في الطريقة التي بُنيت بها الدولة منذ البداية.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: الثورات تصبح أكثر خطورة على الأنظمة القائمة عندما تنتقل من المطالبة بتغيير الحكومات إلى مساءلة الشرعية التاريخية للبنية نفسها، أي عندما تتحول من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: كيف تأسس الحكم أصلًا؟.
في هذه اللحظة تحديدًا يتحول الصراع من نزاع سياسي إلى أزمة وجود بالنسبة للنظام القديم، لأن الثورة تصبح تهديدًا لمنطق توزيع السلطة ذاته، لا لمن يشغل مواقعها فقط، ولهذا جاء رد الفعل تجاه الثورة السودانية بوصفه دفاعًا عنيفاً عن نموذج كامل من الدولة، قائم على احتكار المركز للسلطة، وإدارة الأطراف عبر التبعية أو العنف، وربط الوطنية بصورة ثقافية محددة، وتحويل الدولة إلى أداة لإعادة إنتاج الامتيازات التاريخية. ومن هنا يمكن فهم سبب ازدياد تعقيد الصراع بعد سقوط رأس النظام، فما سقط فعليًا كان الشكل السياسي الظاهر، بينما ظلت البنية الأعمق تعمل داخل المؤسسات، والتحالفات الاقتصادية، والخطاب السياسي، وحتى داخل المخيال الاجتماعي نفسه.
كيف تتحول الثورة إلى أزمة داخلية؟
من أكثر الأخطاء شيوعًا تصور أن الخطر الأكبر على الثورات يأتي دائمًا من الخارج. ففي تجارب عديدة، كان التهديد الحقيقي نابعًا من داخل الحقل الثوري نفسه، عندما تعجز القوى الثورية عن تجاوز الأفق السياسي الذي صنعه النظام القديم، وقد أشار بيير بورديو إلى أن النظم الاجتماعية لا تستمر بالقوة وحدها، وإنما لأن الناس يعيدون إنتاج قواعدها داخل ممارساتهم اليومية دون وعي كامل بذلك، وهذا ما يجعل التغيير الجذري بالغ الصعوبة، لأن الفاعلين أنفسهم قد يتحركون داخل الحدود الذهنية والسياسية التي ورثوها من النظام الذي يعارضونه.
في تجربتنا ظهرت هذه الأزمة بوضوح بعد الثورة، فقد بدا أن جزءًا من القوى المدنية تعامل مع الثورة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب مواقع السلطة داخل الدولة القديمة، لا باعتبارها لحظة لإعادة تأسيس الدولة نفسها، وهكذا تحول النقاش تدريجيًا من أسئلة العدالة التاريخية، وإعادة هيكلة الدولة، والعلاقة بين المركز والهامش، وطبيعة المؤسسة العسكرية، إلى نقاشات إجرائية حول الشراكات، والانتقال، والمحاصصة، والتوازنات السياسية. وهنا وقع التحول الأخطر: جرى اختزال الثورة من مشروع تاريخي لتغيير بنية السلطة، إلى أزمة إدارة يمكن احتواؤها عبر التسويات. وبمعنى آخر، لم تعد القضية: كيف يتم تفكيك النظام التاريخي الذي أنتج الأزمة؟، وإنما كيف يمكن جعل هذا النظام أكثر قابلية للاستمرار بأقل قدر من العنف؟.
الإصلاح كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة
ليست كل مشاريع الإصلاح تقدمية بالضرورة. ففي كثير من الأحيان يصبح الإصلاح نفسه وسيلة لحماية النظام من التغيير الجذري. وقد فهمت الأنظمة الحديثة هذه الحقيقة بذكاء، فهي لا ترفض التغيير دائمًا، وإنما تسمح أحيانًا بقدر محسوب منه، بشرط ألّا يمس البنية العميقة للسلطة. وهنا يصبح “الانتقال” إعادة توزيع للأدوار داخل النظام نفسه، لا انتقالًا نحو نظام جديد.
لقد حدث ذلك في عدد كبير من تجارب ما بعد الاستعمار، حيث ورثت نخب وطنية جهاز الدولة الاستعماري دون تغيير منطقه الأساسي. وقد وصف فرانز فانون هذه الظاهرة بدقة، حين تحدث عن “البرجوازية الوطنية” التي تستلم الدولة بعد الاستعمار، بينما تواصل أداء الوظيفة نفسها بأدوات مختلفة. وفي تجربتنا تبدّت هذه الأزمة عندما أصبح مفهوم “المدنية” لدى بعض القوى منفصلًا عن أي مشروع لإعادة بناء الدولة. فتحولت المدنية إلى صيغة لإدارة السلطة، لا إلى رؤية لتفكيك علاقات الهيمنة التاريخية داخل المجتمع والدولة. ولهذا فإن الصراع الحقيقي لم يكن بين العسكر والمدنيين فقط، وإنما بين تصورين مختلفين جذريًا: تصور يريد تحديث النظام القديم دون الاقتراب من أسسه، وآخر يرى أن الأزمة مرتبطة بجوهر الدولة نفسها، وبالتالي لا يمكن تجاوزها دون إعادة تأسيس شاملة.
الإرهاق الثوري: عندما يتحول الزمن إلى أداة مضادة للثورة
القوة وحدها لا تهزم الثورات. في أحيان كثيرة يفعل الزمن ذلك. فالأنظمة ذات الخبرة الطويلة تدرك أن المجتمعات لا تستطيع البقاء في حالة تعبئة مستمرة. ومع مرور الوقت تبدأ الضغوط الاقتصادية، والانقسامات، والتعب النفسي، وتفكك الروابط الجماعية في استنزاف الطاقة الثورية تدريجيًا.
وقد وصف هربرت ماركوز إحدى أخطر آليات الأنظمة الحديثة بأنها قدرتها على امتصاص التناقضات بدل القضاء عليها. أي أنها لا تحتاج دائمًا إلى سحق المعارضة بالكامل، وإنما يكفي أحيانًا دفعها إلى الإرهاق والتشظي وفقدان المعنى.
وفي السودان أصبح عامل الزمن نفسه جزءًا من الصراع. فكلما طال أمد الأزمة، تزايد الإنهاك الاجتماعي، وضعفت القدرة على الحشد، وتراجعت الأولويات الكبرى لصالح النجاة اليومية، وتحولت النقاشات السياسية إلى نزاعات صغيرة داخل المجال الثوري نفسه.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه المرحلة، رغم قسوتها، قد تمثل أيضًا مرحلة إعادة فرز تاريخي. لأن الثورات الطويلة تُسقط تدريجيًا الأوهام السياسية، وتكشف حدود المشاريع الإصلاحية، وتجبر المجتمع على مواجهة أسئلته الأكثر جذرية.
ختاماً: الثورة كعملية تفكيك طويلة للقديم
ربما يتمثل أكبر سوء فهم للثورات في الاعتقاد بأنها تنتصر عبر لحظة حاسمة ونهائية. فالثورات، في معناها العميق، ليست إسقاط سلطة فقط، وإنما عملية طويلة لتفكيك البنى التي تجعل تلك السلطة ممكنة أصلًا.
وفي السودان ما يزال هذا التفكيك غير مكتمل. ولذلك يبدو المشهد مرتبكًا ومفتوحًا ومليئًا بالتناقضات. غير أن هذا الارتباك نفسه قد يكون دليلًا على عمق الأزمة، لا على غيابها. لأن المجتمعات لا تدخل هذا المستوى من الصراع إلا عندما تصبح البنية القديمة عاجزة عن الاستمرار بصيغتها السابقة، بينما لم تتشكل البنية الجديدة بعد.
ولهذا فإن الثورة السودانية، رغم تعثرها، ما تزال تعبيرًا عن تحول تاريخي لم يُحسم بعد؛ تحول يتجاوز الأشخاص والحكومات، ويمس معنى الدولة والسلطة والمواطنة نفسها، ويمكن الجزم بأنها ليست معركة حول من يحكم السودان فقط، وإنما معركة حول أي سودان يمكن أن يوجد أصلًا.
وفي المستوى متناهي الدقة تبدو أزمتنا اليوم اليوم أقرب إلى صراع بين زمنين تاريخيين، أكثر من كونها مواجهة بين قوى سياسية متنافسة؛ زمن قديم يقوم على احتكار الدولة عبر الشبكات المغلقة “اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا، فكريا..إلخ”، والولاءات المسلحة، وإدارة المجتمع بالخوف والتبعية، والإرهاب بالنصوص الدينية، وزمن جديد تحاول فيه الأجيال الصاعدة إعادة تعريف السياسة بوصفها عقدًا وطنيًا قائمًا على المواطنة والعدالة والتوازن بين المركز والأطراف.
لهذا فإن تعثر الثورة لا يعني انطفاءها، لأن التحولات الكبرى في التاريخ لا تتحرك بخط مستقيم، وإنما تمر بمراحل ارتداد واضطراب وإعادة تشكل قبل أن تستقر على صورتها النهائية. يقف السودان اليوم داخل هذه المنطقة الرمادية الثقيلة، حيث تتصارع بقايا البنية القديمة مع ملامح وعي جديد. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح المعركة الحقيقية معركة على المعنى: معنى الدولة، ومعنى الشرعية، ومعنى من يملك حق تمثيل الوطن. وأي مشروع سياسي يعجز عن بناء دولة تتسع لكل السودانيين، وتعيد توزيع الفرص والاعتراف بصورة عادلة، سيظل يدور داخل الحلقة نفسها مهما تبدلت الوجوه والتحالفات والمسميات والكيانات والشعارات.