مجلس السلام الدولي والسودان: حين تتحوّل الشرعية إلى إجراء، والسلام إلى إدارة
بقلم: وضاح شرف الدين
لم يعد “مجلس السلام الدولي” الذي دعا إلى تأسيسه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مجرّد فكرة مثيرة للجدل أو مبادرة سياسية عابرة. فمنذ أن حظي بموافقة مجلس الأمن في نوفمبر 2025، ثم وُقّع ميثاقه التأسيسي في يناير 2026 على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، بات المجلس كياناً قائماً يتمتع بغطاء أممي أولي. لكنه في الوقت ذاته يثير أسئلة قانونية عميقة حول طبيعة الشرعية الدولية وحدودها. ومع تصاعد الحديث عن إمكان تطبيق هذا النموذج على السودان، يصبح النقاش أقل ارتباطاً بجدوى الحل، وأكثر اتصالاً بما يكشفه هذا المجلس عن مأزق النظام الدولي نفسه في التعامل مع الحروب المعاصرة.
“ما يبدو آلية سلام مبتكرة، قد يكون في جوهره إعادة هندسة لإدارة الصراع لا لإنهائه”.
من الناحية الشكلية، وُلد المجلس بقرار أممي، لكنه سرعان ما تحرّر من المنطق المؤسسي الذي يحكم عمل الأمم المتحدة. فالميثاق الذي ينظم صلاحياته لم يُقيّده بالملف الذي أُنشئ من أجله، ولم يُدرجه ضمن أجهزة المنظمة أو هيئاتها الفرعية، بل منحه استقلالاً واسعاً، وصلاحيات تنفيذية وتفسيرية مركَّزة في يد رئاسته.
هذا الانفصال بين لحظة التفويض ولحظة الصياغة القانونية خلق كياناً هجيناً: أمميّ الأصل، لكنه غير أمميّ البنية.
“الشرعية الدولية تفقد معناها حين تتحوّل من عملية مؤسسية إلى امتياز شخصي”.
تتعمق الإشكالية حين يُنظر إلى الطابع الشخصي الذي طبع المجلس منذ تأسيسه. فتركيز السلطة في يد الرئيس المؤسس، بما يشمل حق الاعتراض الفردي والتفسير النهائي لنصوص الميثاق، يتعارض مع الفلسفة التي قامت عليها الشرعية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي سعت إلى نزع الطابع الشخصي عن القرار العالمي، واستبداله بآليات جماعية متعددة الأطراف. في حالة السودان، حيث يُفترض أن تكون أي عملية سلام محاطة بأقصى درجات الحياد والتوازن، فإن ربط المسار السياسي بإرادة فردية أو دائرة ضيقة يضعف من مصداقيته قبل أن يبدأ.
ولا يقلل نموذج التمويل، المعتمَد من قِبَل المجلس، إثارة للقلق. فربط العضوية الدائمة بتقديم مساهمات مالية ضخمة لا يطرح فقط سؤال العدالة، بل يعيد تعريف النفوذ داخل المؤسسة الدولية على أساس القدرة على الدفع. هذا النموذج يضرب في الصميم مبدأ المساواة السيادية بين الدول، ويحوّل السلام إلى مجال تتنافس فيه القوى المالية على النفوذ المؤسسي. وفي سياق السودان، حيث تتقاطع أدوار بعض الدول الممولة مع مسار النزاع نفسه، يصبح هذا الترتيب أقرب إلى شرعنة التدخل منه إلى ضبطه.
يتفاقم هذا الخلل البنيوي بسبب محدودية المشاركة الدولية الواسعة في المجلس. فامتناع دول أوروبية كبرى، وعدم انضمام قوى وازنة مثل روسيا والصين، يضعف من قدرته على الادعاء بأنه يمثل الإرادة الدولية الجامعة. وبدون هذا الغطاء، تظل أدوات الإنفاذ – من عقوبات فعالة إلى نشر قوات دولية ذات تفويض قوي – محدودة، أو مشكوكاً في فعاليتها.
عند إسقاط هذا الواقع على الحالة السودانية، يتضح أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال فشل مجلس السلام، بل في سيناريو نجاحه الجزئي. فقد ينجح المجلس في فرض وقف إطلاق نار هش، أو في تنظيم تدفق المساعدات الإنسانية، أو في إدارة مرحلة انتقالية محدودة الصلاحيات. غير أن مثل هذا “النجاح” التقني قد يكرّس حالة استقرار زائف، تُجمَّد فيها خطوط القتال دون معالجة جذور الصراع العميقة.
“إدارة الحرب ليست بديلاً عن السلام، بل شكلاً آخر من أشكال تأجيله”.
في هذا السيناريو، لا ينتهي الصراع، بل يُعاد إنتاجه بصيغ أقل عنفاً وأكثر دواماً، بينما تُدار الأزمة عبر آليات دولية تُخفِّف من كلفتها الإنسانية دون أن تمسّ بنيتها السياسية. بالنسبة للسودان، فإن هذا المسار قد يعني الانتقال من حرب مفتوحة إلى نزاع مُدار، وهو انتقال لا يقل خطورة على وحدة الدولة ومستقبلها.
في المحصلة، لا يعكس “مجلس السلام الدولي” مجرد طموح لإيجاد أدوات جديدة لحل النزاعات، بل يكشف عن مأزق أعمق في النظام الدولي: عجز عن فرض سلام شامل عبر الآليات التقليدية، ورغبة في تجاوزها دون بناء بديل يحظى بإجماع واضح وقواعد مستقرة. وبين إدارة الفوضى وإنهائها، يقف السودان أمام معادلة قاسية لا تحتمل أنصاف الحلول.