وحده المسار القائم على الحماية والعدالة والحكم المدني الشامل يمكن أن يرسّخ أسس سلام دائم في السودان
بانجول: (ديسمبر)
اختتمت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقي أعمال دورتها العادية السابعة والثمانين في 20 مايو 2026 ببانجول، بحزمة واسعة من القرارات والتوصيات تعكس تشعب مهام اللجنة بين الأزمات السياسية والملفات الحقوقية والتنظيمية، في إشارة واضحة إلى أن الحقوق الأساسية لم تعد موضوعاً هامشياً، بل صارت جزءاً من معادلة الاستقرار السياسي والشرعية الحاكمة ومستقبل الحكم الرشيد في القارة.
استمرت هذه الدورة لمدة خمسة أسابيع – وشارك فيها حوالي تسعمائة مندوب بينهم ممثلون عن اثنتين وثلاثين دولة أفريقية ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، كما شارك في الدورة 345 ممثلاً لمنظمات أفريقية ودولية غير حكومية، وهو رقم يعكس الوزن المتزايد للمجتمع المدني في منظومة حقوق الإنسان الأفريقية.
قررت اللجنة في هذه الدورة منح صفة المراقب لثماني منظمات غير حكومية جديدة، ليرتفع عدد المنظمات الحاصلة على هذه الصفة إلى 600 منظمة. هذا الحضور الكثيف لا يحمل بعداً بروتوكولياً فقط، بل يرسخ شرعية اللجنة باعتبارها فضاءً مفتوحاً للنقاش وتبادل المعلومات وتقديم الشهادات حول الانتهاكات.
وخلال الدورة، نُظمت عدة حلقات نقاشية حول مواضيع متنوعة بهدف تعزيز الترويج وحماية حقوق الإنسان في القارة، منها:
- حلقة نقاش حول الانخراط في الامتثال: ورفع التحفظات لتحقيق الإمكانات الكاملة لبروتوكول مابوتو؛
- حلقة نقاش مشتركة بين اللجنة الأفريقية وبعثات تقصي الحقائق المستقلة للأمم المتحدة بشأن السودان، تلاها صدور إعلان بانجول المشترك بشأن السودان؛
- حلقة نقاش حول ضمان الحصول المستدام على المياه وأنظمة الصرف الصحي الآمنة في أفريقيا لتحقيق أهداف أجندة 2063؛
- حلقة نقاش حول تعزيز وحماية الأشخاص المنتمين إلى أقليات وطنية أو إثنية أو دينية أو لغوية في أفريقيا: مراجعة؛
- حلقة نقاش حول الإعلان الأفريقي بشأن تعزيز دور المدافعين عن حقوق الإنسان وحمايتهم في أفريقيا؛
- حلقة نقاش حول النزوح الناجم عن تغير المناخ في أفريقيا: تحديات الحماية وآفاق إطار قانوني أفريقي.
كما أطلقت اللجنة الورقة الإطارية بشأن رفع التحفظات عن بعض أحكام بروتوكول مابوتو.
بالإضافة إلى ذلك، استعرضت اللجنة حالة علاقاتها وتعاونها مع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، وقدمت تحديثاً بشأن حالة تقديم تقارير أنشطتها.
وأدلت اثنتان وستون منظمة غير حكومية -تتمتع بوضع المراقب -ببيانات حول حالة حقوق الإنسان في أفريقيا، وسمَّت دولاً محددة تستمر فيها الانتهاكات. وأدلت أربع وعشرون دولة طرف ببيانات رسمية تدافع أو تشرح سجلاتها في مجال حقوق الإنسان، في حين خاطبت الجلسة العامة أيضاً عشر مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان ومنظمتان دوليتان هما المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بقضايا الأقليات والمكتب الإقليمي لغرب أفريقيا للجنة الدولية للصليب الأحمر.
واعتمدت اللجنة أربع قرارات مواضيعية تتناول تحديات حقوق الإنسان القارية الملحة. ركز القرار الأول على حالة المدافعين عن حقوق الإنسان والشعوب في أفريقيا. ودعت اللجنة الدول الأطراف إلى التحقيق في جميع الانتهاكات ضد المدافعين، وإلغاء القوانين التي تجرم العمل الحقوقي المشروع، وتنفيذ الإعلان الأفريقي بشأن تعزيز دور المدافعين عن حقوق الإنسان. ومدد القرار الثاني الموعد النهائي لإجراء دراسة على مستوى القارة لتقييم مدى توافق التشريعات الوطنية مع المبادئ التوجيهية الأفريقية بشأن حرية تكوين الجمعيات والتجمع.
كذلك مدد القرار الثالث الجدول الزمني لوضع اللمسات النهائية على مبادئ توجيهية بشأن حقوق العاملين في الاقتصاد غير الرسمي. وشرع القرار الموضوعي الرابع والأخير في صياغة مبادئ توجيهية قارية بشأن حقوق الإنسان والشعوب في سياق تغير المناخ ليكون أول صك أفريقي يربط على وجه التحديد بين تغير المناخ والالتزامات الملزمة في مجال حقوق الإنسان.
الأوضاع في السودان
هيمنت الأوضاع في السودان على مداولات الدورة، وحظيت بمكانة مركزية خلال الدورة سواء في الجلسات الرسمية أو في النقاشات الجانبية، في إشارة واضحة إلى أن الأزمة ما تزال مفتوحة وتتطلب مزيداً من الرصد والتوثيق والضغط المؤسسي. وتبنت اللجنة قراراً خاصاً يُمدد ولاية بعثتها المشتركة لتقصي الحقائق بشأن حالة حقوق الإنسان في السودان، والتي كانت قد شُكلت للتحقيق في الانتهاكات التي وقعت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وقد وثقت البعثة -التي أجرت تحقيقاتها الميدانية من تشاد- عمليات إعدام دون محاكمة واسعة النطاق، وعنفاً جنسياً استُخدم بشكل منهجي كسلاح حرب، ونزوحاً قسرياً على أسس إثنية، واستهدافاً متعمداً للمستشفيات والمدارس والأسواق. ويمنح التمديد البعثة فرصة مواصلة عملها في جمع الأدلة وإعداد تقرير شامل للاتحاد الأفريقي.
وتناولت جلسات النقاش في اللجنة الكارثة الإنسانية المروعة في السودان. وقدم ممثلو المجتمع المدني شهادات مفجعة من ناجين من التطهير العرقي في غرب دارفور، حيث تمت تسوية قرى بأكملها بالأرض وقُتل سكانها أو اضطروا لعبور الحدود إلى تشاد. ووصف أحد المندوبين مشاهدة مقابر جماعية بالقرب من الجنينة تحتوي على مئات الجثث معظمها من مجتمع المساليت. وتحدث مندوب آخر عن معسكرات اغتصاب منهجية احتُجزت فيها نساء وفتيات لا تتجاوز أعمارهن الثانية عشرة لأشهر وتعرضن لعنف جنسي متكرر “على يد رجال مسلحين يرتدون زياً عسكرياً”.
وعززت الدورة في بانجول الرسائل حول ضرورة الالتزام بالقانون الإنساني الدولي خلال النزاع في السودان. وشددت مداخلات اللجنة والمنظمات الحكومية على أن أي استخدام مفرط للقوة، أو تعمد استهداف المدنيين أو الهياكل الأساسية يشكل انتهاكاً صارخاً للمعايير القارية والدولية. كما أُعلن عن تكثيف الاتصال بالجهات السودانية لتذكيرها بالتزاماتها تجاه حماية السكان والوصول الآمن لرجال المراقبة والموظفين الإنسانيين.
وأعربت اللجنة عن قلقها البالغ إزاء تقارير عن استمرار تدفق الطائرات المسيرة وأنظمة الأسلحة المتطورة الأجنبية إلى البلاد رغم حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، مما يطيل أمد المعاناة ويشجع القادة العسكريين على الاستمرار في القتال. وخرج بعض المفوضين عن اللغة الدبلوماسية المعتادة ووصفوا الوضع في السودان بأنه إبادة جماعية تحدث ببطء، ودعوا الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي إلى استخدام نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي لفرض إنهاء التدخل الخارجي في حرب السودان.
وأظهرت المناقشات إدراكاً متزايداً بأن استمرار الأزمة في السودان يهدد هشاشة الوضع السياسي في دول الجوار، ويخلق بيئة مواتية لانتشار السلاح غير القانوني وتهريب البشر والسلع. لذلك ذهبت اللجنة إلى ما هو أبعد من التسجيل المجرد للانتهاكات إلى المطالبة بقنوات تواصل مستمرة مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لتنسيق الضغط السياسي وربط ملف السودان بمسارات الحلول السلمية عبر الوساطة والمبادرات الإقليمية.
إعلان بانجول المشترك بشأن السودان
شهدت الدورة العادية في بانجول مستوىً لافتاً من التفاعل حول الأزمة السودانية بين أعضاء اللجنة والمنظمات الحكومية الإقليمية والدولية. وعقدت اللجنة جلسة مشتركة مع بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان (المفوضية السامية لحقوق الإنسان) لتجمع آليتي التحقيق الأفريقية والدولية لأول مرة في منتدى عام. وخلال تلك الجلسة المشتركة تبادل الممثلون بيانات مفصلة عن حجم الانتهاكات والآثار الإنسانية العميقة للنزاع، بما في ذلك النزوح الجماعي والاعتداءات على المدنيين والضغط على الخدمات الأساسية. وبرز في النقاش تأكيد أن ما يحدث في السودان لم يعد مجرد حرب داخلية، بل أزمة تهدد السلم والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والساحل.
وأظهرت المداخلات في تلك الجلسة اتجاهاً واضحاً نحو تكثيف التعاون المشترك وبناء ملف مشترك من الأدلة يمكن الاستناد إليه في مراقبة تنفيذ الالتزامات القانونية الدولية. كما لوحظ تركيزاً متزايداً على مسألة الحماية الميدانية للسكان والوصول الإنساني إلى المناطق المتأثرة إذ ترى هذه المنظمات أن تعزيز القدرات المحلية على الرصد والتوثيق يسهم في تقوية مواقفها التفاوضية مع الأطراف السودانية. وتعكس هذه المناقشات رؤية تتخطى ردود الفعل الإنسانية إلى تصور متكامل يربط حماية حقوق الإنسان بالحلول السياسية المستدامة في السودان.
هذا وقد صدر عن الجلسة المشتركة “إعلان بانجول المشترك” ليعكس توافقاً أفريقياً وأممياً متزايداً بشأن خطورة الوضع الإنساني والحقوقي في السودان، في ظل استمرار النزاع واتساع رقعة الانتهاكات بشأن السودان. وأكد الإعلان أن الحرب الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية أفرزت واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية وأزمات حقوق الإنسان في العالم، في ظل معاناة إنسانية واسعة ونزوح جماعي لملايين المدنيين وانهيار الخدمات الأساسية، إلى جانب تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتهديدات متزايدة للاستقرار الإقليمي.
وأكدت بعثتا تقصي الحقائق أن قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، إلى جانب حلفائهما، يتحملون المسؤولية عن ارتكاب انتهاكات وتجاوزات للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مع تركيز خاص على أن انتهاكات الدعم السريع كانت واسعة النطاق ومنهجية، بما في ذلك التطهير العرقي في دارفور وكردفان والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع والهجمات على المدنيين والأعيان المدنية.
وأوضح الإعلان أن هذه الانتهاكات شملت القتل والاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع والهجمات ضد المدنيين والتهجير القسري والنهب واستهداف الأعيان المدنية. وطالب الإعلان بتحقيق سريع ومستقل في هذه الجرائم، ودعم كامل للمحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آلية مساءلة بقيادة أفريقية بالتنسيق مع العدالة الدولية.
ودعا الإعلان إلى حماية فورية للمدنيين ووقف مستدام لإطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. كما شدد على ضرورة تعاون المجتمع الدولي لوقف تأجيج النزاع ومنع نقل الأسلحة للأطراف المتحاربة. وشدد البيان على أن المستقبل المستدام للسودان يتطلب عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون، تعكس مشاركة حقيقية وفاعلة للنساء والشباب والمجتمع المدني، وتعبر عن مختلف المكونات السودانية. وأكد البيان أنه لا الإفلات من العقاب ولا القوة العسكرية يمكن أن يؤمّنا مستقبل السودان. وحده المسار القائم على الحماية والعدالة والحكم المدني الشامل يمكن أن يرسّخ أسس سلام دائم.
هذا، وقد أعلن وفد السودان المشارك في الدورة رفضه لـ”إعلان بانجول المشترك”. وبرر وفد السودان موقفه بأن “الإعلان المشترك يفتقر إلى السند القانوني الذي يمنح الشرعية لهذا العمل”، موضحاً أنه في ظل غياب المسوغ القانوني فإن هذا العمل المشترك “يعد خارج نطاق الشرعية”. وانتقد الوفد السوداني تقديم بعثة التحقيق الأفريقية “تقريراً ناقصاً اكتفى فيه بزيارة مخيمات اللاجئين بالخارج وإجراء بعض المقابلات الافتراضية”، ودعا إلى ضرورة لقاء الآليات الوطنية المختصة بالتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي والوطني داخل البلاد، فضلاً عن أجهزة إنفاذ القانون والاستماع للضحايا بالداخل قبل الدخول في مثل هذا الالتزام مع جهات دولية يرفض السودان التعامل معها.
والمعروف أن الحكومة السودانية ظلت ترفض التعامل مع بعثة تقصي الحقائق التي أنشأها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أكتوبر 2023، كما رفضت السماح للبعثة بزيارة السودان لتنفيذ ولايتها المتمثلة في التحقيق في الانتهاكات.
ومن جانبه، رحب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة السودانية (صمود) بإعلان بانجول المشترك بشأن السودان، وأشاد التحالف في بيان أصدره في 14 مايو الجاري بموقف إعلان بانجول الصارم تجاه الانتهاكات المرتكبة من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، وأكد على أهمية التكامل بين آليات المساءلة الإقليمية والدولية. وثمَّن التحالف الدعوة لإنشاء آلية مساءلة بقيادة أفريقية لملاحقة الانتهاكات الجسيمة، مشدداً على ضرورة وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، مؤكداً على أن السلام المستدام يتطلب عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون. وشدد التحالف في بيانه على مواصلة جهوده من أجل تحقيق السلام العادل والمستدام في السودان، والتصدي لمخططات إطالة أمد معاناة الشعب السوداني، مؤكداً أن السودانيين يستحقون السلام والحرية والعدالة.