صفاء الزين
في الوقت الذي يواصل فيه عبد الفتاح البرهان مطالبة السودانيين بالصبر والتحمل، يعيش ملايين المواطنين واقعاً اقتصادياً يزداد قسوة يوماً بعد يوم: الجنيه السوداني يواصل سقوطه الحر، والأسعار ترتفع بصورة جنونية، والدخول تتآكل بسرعة غير مسبوقة، بينما تتسع دائرة الفقر والجوع والنزوح في بلد أصبح رهينة لحرب لا تبدو لها نهاية قريبة. وبينما يطلب قادة السلطة من الناس الصبر، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط ومؤلم: إلى متى؟.

لم يعد الحديث عن الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد نقاش حول أرقام الموازنة أو مؤشرات التضخم أو سعر صرف العملات الأجنبية، إن ما يحدث اليوم تجاوز كل ذلك، وأصبح أزمة وجودية تمس حياة الناس بصورة مباشرة. فالأسر تكافح لتوفير الغذاء، والمرضى يعجزون عن شراء الدواء، والطلاب يواجهون مستقبلاً غامضاً في ظل انهيار الخدمات الأساسية، فيما تتراجع قدرة الدولة على القيام بأبسط وظائفها تجاه المواطنين.
ويبدو أن أخطر ما في المشهد الحالي أن الانهيار الاقتصادي لم يعد نتيجة جانبية للحرب، إنما أصبح جزءاً من بنيتها اليومية، فكلما طال أمد الصراع، ازداد الضغط على الاقتصاد، وتراجعت قيمة العملة الوطنية، واتسعت دائرة الفقر، وتآكلت فرص التعافي، وهذا يؤكد أن الحرب تجاوزت كونها مجرد معركة عسكرية لتتحول إلى ماكينة ضخمة تلتهم موارد السودان وإمكاناته ومستقبله.
ويكشف مسار الجنيه السوداني حجم الكارثة بصورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. ففي عام 2023 كان الدولار يدور حول 500 جنيه سوداني، بينما يقف اليوم عند حاجز 5000 جنيه في السوق، وهو ما يعني عملياً أن العملة الوطنية فقدت معظم قيمتها خلال فترة قصيرة للغاية. هذا الانهيار ليس مجرد رقم اقتصادي، ولكنه تعبير مباشر عن انهيار القوة الشرائية للمواطنين، وتراجع قيمة المدخرات، واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة.
فالموظف الذي كان راتبه يكفي بالكاد لتغطية احتياجات أسرته الأساسية قبل الحرب، أصبح عاجزاً اليوم عن تغطية جزء محدود من تلك الاحتياجات. أما العامل وصاحب الدخل المحدود فقد أصبحا في مواجهة يومية مع واقع اقتصادي قاسٍ يفرض عليهما الاختيار بين الغذاء والدواء والمواصلات، وفي الوقت ذاته، ظلت الأجور شبه ثابتة، بل إن كثيراً من العاملين لم يتلقوا مستحقاتهم بانتظام، الأمر الذي عمق الأزمة المعيشية إلى مستويات غير مسبوقة، وأكثر الشرائح تضرراً من هذا الأمر هم أصحاب الدخول الضعيفة والمعاشيون الذين تآكلت قيمة معاشهم الشهري.
ولا يمكن فصل هذا التدهور عن طبيعة السياسات التي أدارت بها سلطة بورتسودان الملف الاقتصادي خلال فترة الحرب. فالاقتصاد لا يمكن أن يعمل بصورة طبيعية في ظل غياب الشفافية وتضارب مراكز اتخاذ القرار وانعدام الرؤية الواضحة، وعندما تصبح القرارات الاقتصادية مرتبطة بالاحتياجات العسكرية والأمنية أكثر من ارتباطها بحاجات المجتمع والإنتاج، فإن النتيجة الحتمية هي المزيد من الاختلال والانهيار.
وتتحمل سلطة البرهان مسؤولية سياسية مباشرة عن هذا الواقع، فالحكومة القائمة لم تقدم حتى الآن برنامجاً اقتصادياً متكاملاً يطمئن المواطنين أو المستثمرين أو الأسواق، بل على العكس، أصبحت القرارات الاقتصادية في كثير من الأحيان تزيد من حالة الارتباك وعدم اليقين، والأسواق بطبيعتها تخشى الغموض، وعندما يغيب الوضوح تفقد العملة الوطنية المزيد من قيمتها، ويزداد الإقبال على العملات الأجنبية باعتبارها ملاذاً أكثر أمناً.
كما أن دخول جهات مرتبطة بالسلطة إلى سوق النقد الأجنبي للحصول على الدولار لتغطية احتياجات الوقود والإنفاق المختلفة ساهم في زيادة الطلب على العملات الصعبة بصورة كبيرة، وعندما تصبح الدولة نفسها لاعباً رئيسياً في السوق الموازي، فإنها تدفع الأسعار نحو الارتفاع وتعمق الأزمة التي يفترض بها أن تعالجها. والنتيجة هي مزيد من التراجع في قيمة الجنيه، ومزيد من المعاناة للمواطنين الذين لا يملكون أي وسيلة لحماية دخولهم من التآكل المستمر.
لكن أزمة الجنيه في حقيقتها أكبر من أن تكون أزمة عملة فقط، وإنما هي أزمة ثقة. فالعملات لا تستمد قوتها من الأوراق المطبوعة أو الأرقام المكتوبة عليها، وإنما من ثقة الناس في الدولة والاقتصاد والمستقبل. وعندما يفقد المواطن ثقته في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد، يبدأ في البحث عن بدائل تحفظ قيمة ما يملك. وهذا ما يحدث اليوم على نطاق واسع، حيث تتزايد عمليات التحول نحو الدولار والذهب وغيرها من الأصول التي يعتقد الناس أنها أكثر قدرة على الصمود أمام الانهيار.

وتبدو مؤسسات الدولة الاقتصادية عاجزة عن القيام بدورها الطبيعي، فبنك السودان المركزي، الذي يفترض أن يكون المؤسسة المسؤولة عن حماية العملة الوطنية وضبط السياسات النقدية، يعمل في بيئة معقدة تفتقر إلى الشفافية والمعلومات الكاملة. كما أن الرأي العام لا يعرف على وجه الدقة من يتخذ القرار الاقتصادي النهائي، ولا من يضع السياسات النقدية والمالية، ولا من يتحمل المسؤولية عندما تتفاقم الأزمات.
وتزداد خطورة الوضع عندما ننظر إلى التأثيرات الاجتماعية للانهيار الاقتصادي، فارتفاع الأسعار لا يعني فقط تراجع مستوى المعيشة، ولكنه يعني أيضاً زيادة معدلات التسرب من التعليم، وتراجع فرص العلاج، واتساع دائرة العمالة الهشة، وتفكك الكثير من شبكات الحماية الاجتماعية التي كانت تساعد الأسر على مواجهة الأزمات، ومع استمرار الحرب، يصبح الفقراء أكثر فقراً، بينما تتقلص قدرة المجتمع على التكيف مع الصدمات المتلاحقة.
أما النازحون الذين شردتهم الحرب من منازلهم ومناطقهم، فهم يدفعون الثمن الأكبر، فهؤلاء فقدوا مصادر دخلهم واستقرارهم الاجتماعي، وأصبحوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية في وقت تتراجع فيه قدرات المنظمات الدولية على تلبية الاحتياجات المتزايدة. وفي ظل الانهيار المستمر للعملة، تصبح حتى المساعدات المحدودة أقل قدرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الحرب أصبحت المشروع الاقتصادي الأكبر في السودان، فالموارد تتجه نحو الصراع، والقرارات تُتخذ تحت ضغط المعركة، والأولويات الوطنية يعاد ترتيبها وفق متطلبات المواجهة العسكرية. وفي مثل هذه الظروف لا تجد الزراعة ولا الصناعة ولا الخدمات العامة ما يكفي من الاهتمام أو التمويل، رغم أنها القطاعات القادرة على خلق فرص العمل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الحقيقي.
وليس من المبالغة القول إن السودان يواجه اليوم خطر التحول إلى اقتصاد حرب طويل الأمد. وهذا النوع من الاقتصادات لا ينتج التنمية ولا يبني المؤسسات ولا يخلق الاستقرار، بل يعتمد على استمرار الأزمات والصراعات. ومع مرور الوقت تتشكل شبكات مصالح تستفيد من استمرار الحرب، وتصبح عملية الانتقال إلى السلام أكثر صعوبة وتعقيداً.
ولا يقتصر أثر انهيار الجنيه على الأسواق والمحال التجارية أو على أرقام الاقتصاد الكلي، ولكنه يمتد إلى النسيج الاجتماعي السوداني نفسه. فمع كل ارتفاع جديد في الأسعار تتزايد الضغوط على الأسر التي أصبحت عاجزة عن الحفاظ على مستوى معيشي مقبول، وتتآكل المدخرات التي كانت تمثل خط الدفاع الأخير في مواجهة الأزمات، كما ترتفع معدلات الاعتماد على التحويلات المالية من الخارج بصورة غير مسبوقة، بينما يفكر آلاف الشباب في الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد من واقع اقتصادي يزداد انسداداً يوماً بعد يوم، وهذه الهجرة لا تعني فقط فقدان البلاد لجزء مهم من طاقاتها البشرية، وإنما تعني أيضاً استنزافاً مستمراً للكفاءات والخبرات التي يحتاجها السودان في أي مشروع مستقبلي للتعافي وإعادة الإعمار، وفي الوقت ذاته تتراجع قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع بسبب حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي، فتتقلص فرص العمل وتتزايد معدلات البطالة، ويتسع نطاق الاقتصاد الهامشي وغير المنظم، وهكذا يتحول انهيار العملة من أزمة نقدية إلى أزمة مجتمعية شاملة تعيد تشكيل أنماط الحياة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وتدفع قطاعات واسعة من المجتمع نحو مزيد من الهشاشة والفقر وعدم الاستقرار.
كما تتحمل الحركة الإسلامية والقوى الداعمة لاستمرار الحرب مسؤولية سياسية وأخلاقية عن هذا المسار. فكل خطاب يدفع نحو إطالة أمد الصراع يعني عملياً مزيداً من الانهيار الاقتصادي ومزيداً من المعاناة للمواطنين، وكل يوم إضافي من الحرب يعني ارتفاعاً جديداً في الأسعار، وضغوطاً إضافية على العملة الوطنية، وتراجعاً جديداً في مستوى المعيشة.
ومن اللافت أن الخطاب الرسمي يركز كثيراً على دعوات الصبر، لكنه يقدم القليل من الإجابات حول كيفية الخروج من الأزمة. فالصبر ليس سياسة اقتصادية، وليس بديلاً عن الإصلاحات المطلوبة، وليس حلاً لمشكلة انهيار العملة أو ارتفاع الأسعار. الناس لا تحتاج إلى المزيد من الدعوات للتحمل، بل تحتاج إلى رؤية واضحة وخطة قابلة للتنفيذ تعيد الأمل في المستقبل.
إن استمرار مطالبة المواطنين بالصبر بينما تتدهور أوضاعهم المعيشية بصورة يومية يخلق فجوة متزايدة بين السلطة والشارع. فالمواطن الذي يعجز عن شراء الخبز أو الدواء أو دفع تكاليف التعليم لا ينتظر خطابات سياسية، وإنما ينتظر حلولاً ملموسة تعيد له شيئاً من الاستقرار والأمان الاقتصادي.
ولذلك فإن إنقاذ الجنيه السوداني لا يبدأ من سوق العملات وحده، وإنما يبدأ من معالجة الأسباب السياسية التي تقف خلف الأزمة. فوقف الحرب يمثل الشرط الأول لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي. كما أن استعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وإخضاع القرارات الاقتصادية للشفافية والمساءلة، وإعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج والخدمات الأساسية، تمثل خطوات ضرورية لا يمكن تجاوزها.
فالسودان بلد يمتلك إمكانات زراعية ومعدنية وبشرية هائلة، لكنه يحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح بتحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية حقيقية. أما استمرار الحرب فلن يقود إلا إلى مزيد من التدهور واستنزاف الموارد وتآكل فرص المستقبل.
ختاماً: فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط انهيار الجنيه أو تجاوز الدولار حاجز الخمسة آلاف جنيه، وإنما تآكل الثقة في المستقبل نفسه. فعندما يفقد المواطن إيمانه بقدرة الدولة على حمايته وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، تصبح الأزمة أكبر من أزمة عملة أو أزمة أسعار. إنها أزمة وطن يُستنزف يوماً بعد يوم تحت وطأة الحرب وسوء الإدارة وغياب الأفق السياسي.
الجنيه ينهار بالفعل، لكن ما ينهار معه أيضاً هو مستوى المعيشة والأمل والاستقرار الاجتماعي. وبينما تواصل السلطة مطالبة الناس بالصبر، يواصل المواطن السوداني دفع ثمن حرب لم يخترها، وسياسات لم يشارك في صنعها، وانهيار اقتصادي بات يهدد حاضر البلاد ومستقبلها على حد سواء. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم ليس: كم سيبلغ سعر الدولار غداً؟، وإنما: كم من الوقت يستطيع المجتمع السوداني أن يتحمل هذا النزيف المفتوح قبل أن تصبح كلفة الإنقاذ أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال؟.