الهدنة الإنسانية والطريق إلى سلام عادل ومجتمع مدني متجدد
محمد الشابك
مع اكتمال العام الثالث من الحرب في السودان، عُقد مؤتمر دولي في برلين في 15 أبريل من هذا العام، بعد اجتماعات سابقة في باريس ولندن وعواصم أخرى لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة. لقد أكد اجتماع هذا العام على حقيقة مألوفة، وهي أنه يمكن للمجتمع الدولي تسليط الضوء على أزمة السودان، لكن ذلك لا يغني عن اتخاذ خطوات عملية للحدّ من الضرر الواقع على المدنيين وتهيئة مساحة لمسار سياسي يفضي إلى وقف الحرب.
وفي البيان الختامي، دعا الرعاة المشاركون للمؤتمر — ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي — إلى تضافر الجهود لإنهاء حرب السودان، ومعالجة الأزمة الإنسانية، وإدماج الأصوات السودانية في الحلول السياسية. كما أشار البيان إلى دور الرباعية (Quad)— إحدى مجموعات الوساطة وتضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة — في جهود وقف إطلاق النار.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن الهدنة الإنسانية تُعدّ الأساس الذي تقوم عليه خارطة طريق الرباعية نحو السلام، وطلبًا محوريًا للمجتمع المدني السوداني، فقد تعاطى البيان معها وكأنها مسألة ثانوية أمام هدف تأمين الوصول الإنساني.
ورغم أن حماية الوصول الإنساني ينبغي أن تُصان كمبدأ وألا تكون مشروطة، فإن إهمال الحاجة إلى هدنة منظمة، محددة المدة، وخاضعة للمراقبة، قد يترك المدنيين عالقين بين التزامات قانونية/نظرية على الورق، وبين واقع العنف على أرض الواقع. حيث إن الهدنة الإنسانية ربما تكون هي الجسر العملي بين الضرورات الإنسانية واستيفاء شروط مسارَي وقف الحرب والسلام.
كيف تعاظم صوت المجتمع المدني السوداني
ما ميّز اجتماع برلين لعام 2026 عن اجتماعي باريس ولندن في عامي 2025 و2024 هو المشاركة الواضحة للمجتمع المدني السوداني الداعي إلى السلام. وقد شاركوا ليس فقط في الجلسات الرسمية، بل أيضًا في الاجتماعات التحضيرية والفعاليات الجانبية، بما يشير إلى اتساع توافقٍ مدني يدفع نحو نتائج ملموسة لا مجرد بيانات.
ففي الأيام التي سبقت اجتماع برلين، تحركت موجة من مجموعات المجتمع المدني المتنوعة للدعوة إلى إنهاء الحرب في السودان. وتشمل هذه المجموعات: «منصة المجتمع المدني الديمقراطي»، و«مسارات التوافق المدني السوداني»، وحملة «Barridouha – Cool it Down بَرِّدوها»، و«المجموعة السودانية لمناصرة اللاجئين»، و«مجموعات وقادة النساء السودانيات»، وغيرها.
وتُعدّ الحملات المختلفة ورسائل المناصرة جزءًا من رصيدٍ متنامٍ من أعمال المقاومة المدنية يهدف إلى إبراز الأثر المدمّر للحرب على المدنيين، والضغط من أجل إنهاء الأعمال العدائية، وحثّ الفاعلين الإقليميين والدوليين على إعطاء أولوية للسودان في جهود السلام.
وتبرز «منصة المجتمع المدني الديمقراطي» على وجه الخصوص لما تقدمه من رؤية منظمة وموجَّهة بالسياسات. وتتمحور مناصرتها حول مطالب واضحة وعملية لهدنة إنسانية اختُزلت في اسم الحملة الحياة أولاً. ومضمونها ببساطة بضرورة إرساء هدنة إنسانية تكون مرتكزة إلى مسار سياسي بمشاركة مدنية ذات معنى، مع إعادة الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، وحماية الدورات الزراعية والاقتصادات المحلية. وفي هذا الإطار، فإن تعريف الهدنة الإنسانية في الحماية أولاً ليس مجرد توقفٍ عن القتال وترتيبات لوجستية؛ بل هي حماية تتمحور حول الحياة، صُممت لصون الأسس الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لسلامٍ مستدام.
ولا يقتصر زخم المجتمع المدني على قضايا مناصرة السلام التقليدية؛ بل يمتد أيضًا إلى مبادرات قطاعية تبدو تقنية في ظاهرها ولكنها ذات تبعات سياسية في جوهرها. ومن الأمثلة اللافتة المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، التي أُطلقت في منتصف مارس.
وقد ظهرت المبادرة في ما وصفه المنظمون بأنه لحظة مفصلية في التعليم السوداني، إذ تسعى إلى معالجة محنة نحو 280,000 طالب وطالبة، كثير منهم في دارفور وكردفان، لم يتمكنوا من الجلوس لامتحانات المرحلة الثانوية لثلاث سنوات متتالية بسبب الحرب.
ويذكر بيان المبادرة أن الفتيات يشكّلن نحو 65% من المتضررين، ما يجعل الأزمة مرتبطة بالإقصاء القائم على النوع الاجتماعي بقدر ما هي مرتبطة بالانهيار التعليمي المنهجي. ومن خلال تأطير التعليم باعتباره «المرساة الأخيرة» للوحدة الوطنية، تحذّر المبادرة من أن حرمان جيلٍ كامل من الوصول إلى التعليم قد يكرّس المظالم ذاتها التي تغذّي الصراع.
لماذا تُعدّ الهدنة الإنسانية مهمة في السودان
يسعى الحراك المتنامي للمجتمع المدني في السودان إلى إنهاء العنف واسع النطاق، وحماية المدنيين، وإحياء انتقال ديمقراطي ينسجم مع أهداف ثورة ديسمبر السودانية التي أدت إلى إزاحة الرئيس عمر البشير وإنهاء حكمه الذي دام 30 عامًا. ومنذ اندلاع الحرب الحالية، يعمل الفاعلون المدنيون في بيئة تتزايد عسكرةً، تشكّلها بقايا النظام السابق وشبكات عنيفة من داعمي ومستفيدي الحرب، وهي ظروف تقيّد عملهم وتضيّق الفضاء المدني وتُصعّب الانخراط المجتمعي السلمي.
إن هدنةً إنسانية، مدعومة بتنسيقٍ موثوق وآليات رصد واضحة والتزامات محددة، من شأنها أن تشكل بيئة صالحة وموائمة لعمل المجتمع المدني والحركات المؤيدة للسلام. كما ستجعل من الإمكان تنظيم العمل والتواصل وتمثيل المجتمعات المتضررة؛ وستساعد أيضًا على استقرار أوضاع إيصال المساعدات الإنسانية وإعادة الخدمات الأساسية.
وقد أظهر المجتمع المدني السوداني بالفعل قدرته على التعبئة حول الحقوق والحماية في سياق يتزايد عسكرةً؛ وستتيح الهدنة لهذه القدرة أن تسهم بصورة أكثر مباشرة في خفض التصعيد وفي مسار سلام قابل للحياة. ويمكن لحملات السلام أن تساعد في إعادة توازن «موازين القوى» داخل السودان وخارجه، عبر تعزيز القواعد الاجتماعية المؤيدة للتفاوض على السلام، وفي الوقت نفسه تقييد الجهات التي تعارضه.
وعمليًا، بدأت تظهر ديناميات مشابهة. فعلى سبيل المثال، حظيت حملات مثل مبادرة امتحانات الشهادة الثانوية باعتراف مبدئي بحجم المشكلة من طرفي النزاع، وفتحت مساحة للتفاوض. وهذا يبيّن أن المقاومة المدنية يمكنها، في ظل شروط معينة، دفع الأطراف إلى تقديم تنازلات عبر تغيير المشهدين الأخلاقي والسياسي. وفي نهاية المطاف، ستمنح الهدنة الإنسانية المجتمع المدني المؤيد للسلام مساحةً ومظلّةً تمكّنه من أن يكون فاعلًا. ويشمل ذلك التأثير في الرأي العام، وتهميش المعارضين لجهوده، وتمكين المواطنين من المشاركة في القرارات المتعلقة بمستقبل السودان.
العمل الجماعي ضروري
رغم العقبات الكبيرة، أظهر المجتمع المدني السوداني إبداعًا وقدرة على الصمود على المستويات المحلية والوطنية والدولية. ومن خلال العمل، تم بناء روابط قوية بين مكوناته، وعملوا على تمكين المجتمعات المحلية، وتعزيز التعاون والإبداع، وتصدّى للسرديات المضللة حول الحرب.
وتعتمد قدرة هذه الجهود على الإسهام في السلام على مدى قدرتها على التوسع، والتنسيق عبر المنصات، وردم الفجوة بين المناصرة التي تقودها النخب والانخراط القاعدي، بحيث تتحول دعوات السلام إلى مكاسب محلية ملموسة.
إن الطريق إلى الأمام شاق لكنه عملي. وتظلّ مناصرة النخب ضرورية للتواصل مع الفاعلين الدوليين وتشكيل نقاشات السياسات؛ وفي الوقت نفسه، يتطلب الأمر انخراطًا مجتمعيًا أعمق للحفاظ على الشرعية وتعزيز الضغط.
إن تعزيز الشبكات القاعدية والتنظيم حول الاحتياجات اليومية مثل السلامة والخدمات وسبل العيش والتعليم يمكن أن يجعل جهود السلام ذات صلة بالحياة اليومية. ولا يمكن للمجتمع المدني أن يولّد نفوذًا كافيًا للتأثير في أطراف القتال وإسناد مسار سلام ذي مصداقية إلا عبر ردم هذه الفجوات.
لقد انتهى مؤتمر برلين، لكن رسالة المجتمع المدني السوداني لا تزال واضحة: لن يأتي السلام من تلقاء نفسه أو في لحظة “نضوج”، بل يجب بناؤه بإصرار وبشكلٍ جماعي. وعلى الشركاء الدوليين دعم المبادرات المدنية السودانية مثل «الحياة أولاً» و«المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية»، وإعطاء أولوية لهدنة إنسانية ذات مصداقية وخاضعة للمراقبة بوصفها خطوة أولى منقذة للأرواح يمكن أن توسّع الفضاء المدني وتجعل مسارًا سياسيًا شاملًا ممكنًا.
——————————–
*نشر المقال الأصلي (كيف يمكن لهدنة إنسانية في السودان أن تمهد الطريق لسلام عادل ومجتمع مدني متجدد؟) باللغة الإنجليزية في موقع المنتدى الاقتصادي العالمي يوم 21 أبريل https://www.weforum.org/stories/2026/04/how-a-humanitarian-truce-in-sudan-could-pave-the-path-to-just-peace-and-a-revived-civil-society/