خاص: (ديسمبر)
عندما قال رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إن “كل الجيوش في العالم لديها قدسيةٌ ورمزيةٌ عند شعوبها”، لم يكن يصف مكانةَ المؤسسة العسكرية فحسب، بل كان يُرسّخ حدودَ النقاش حولها. فقد جاءت عبارته ردّاً على دعواتٍ متكررةٍ من بعض القوى السياسية إلى إصلاح الجيش، قبل أن يحسم موقفه بجملةٍ قاطعةٍ: “هذا ليس شأنكم”.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بمكانة الجيش فحسب، بل يمتدّ ليطرح إشكاليةً أعمق: من يملك حقَّ مناقشة دوره داخل الدولة؟ وهل تُعدّ المؤسسة العسكرية شأناً يخصّ العسكريين وحدهم؟ أم أن شكلَها، ووظيفتَها، وعلاقتَها بالسلطة المدنية، قضايا تدخل بطبيعتها في المجال العام لأنها تتصل بطبيعة الدولة نفسها؟
هذا السؤال لا يخصّ السودان وحده، بل يمثّل أحد أقدم موضوعات العلاقات المدنية العسكرية في الفكر السياسي الحديث، وهو ما يستدعي تفكيك المصطلح ذاته قبل الخوض في سياقه المحلي.
الاحتراف العسكري
بيد أن مصطلح «قدسية الجيش» يكاد يكون غائباً عن الأدبيات الأكاديمية المتخصصة. فالباحثون لا يتحدثون عن قدسيةِ المؤسسات العسكرية، بل عن احترافٍ عسكريٍّ، ورقابةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ، وحوكمةٍ أمنيةٍ مؤسسيةٍ.
ومنذ كتابه الشهير «الجندي والدولة: نظرية وسياسة العلاقات المدنية – العسكرية»، رأى الباحث الأمريكي صموئيل هنتنغتون أن احترافَ المؤسسةِ العسكريةِ لا يتحقق بخروجها عن الدولة، وإنما بخضوعها للسلطة المدنية الشرعية، مع ضمان استقلالها المهني في أداء مهامها القتالية.
وفي السياق السوداني تحديداً، يقدّم الباحث مهدي رابح برير أداةً تحليليةً موازيةً تفكّك خطاب «القدسية» من جذوره: مفهوم «استغلال النخبة» أي توظيفُ نخبةٍ معينةٍ للقوات الحاملة للسلاح، رسميةٍ كانت أو شبه رسميةٍ، لتحقيق أهدافٍ سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ خاصةٍ لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة العامة. من هذه الزاوية، لا تكون «القدسية» صفةً متأصلةً في المؤسسة العسكرية بقدر ما هي أداةٌ خطابيةٌ تستخدمها نخبةٌ بعينها لتحصينِ نفسِها من المساءلة، لا لحماية الجيش كمؤسسةٍ وطنيةٍ.
وتذهب الأدبيات اللاحقة إلى أبعد من ذلك، إذ تعتبر أن الجيوشَ المحترفةَ تُقاس بقدرتها على أداء وظائفها داخل إطارٍ دستوريٍّ واضحٍ يحدّد علاقتَها بالسلطة السياسية، ويمنع تحولَها إلى فاعلٍ سياسيٍّ ينافس المؤسسات المدنية على إدارة الدولة.
وبذلك، لا تُبنى مكانةُ الجيوشِ على ابتعادها عن النقاش العام، بل على وضوحِ حدودِها الدستوريةِ واحترافيّتِها المؤسسيةِ. كما أن القوةَ العسكريةَ لا تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة وحدهما، وإنما أيضاً بطبيعةِ قيادتِها والقيمِ المهنيةِ التي تحكم أداءَ أفرادِها. فالمؤسسة العسكرية تكتسب احترامَها من قدرتها على العمل وفق القانون، لا من تحصينِها ضدّ النقاش العام أو الرقابة الدستورية.
ضوابط مؤسسية
وهذا الفصل بين الإصلاح والتفكيك لا يبقى نظرياً فحسب، بل يتجسّد في ضوابطَ مؤسسيةٍ واضحةٍ، تبدأ من المساءلة ولا تنتهي عند الرقابة.
تاريخياً، كثيراً ما يُلبَّسُ الحديثُ عن إصلاح المؤسسة العسكرية في السودان بدعوةٍ صريحةٍ إلى تفكيكها، وهو خلطٌ مفاهيميٌّ تفككه أدبياتُ إصلاح القطاع الأمني بدقةٍ.
ففي ورقته حول الإصلاح الأمني والعسكري، يرى الباحث مهدي رابح أن إصلاحَ المؤسسةِ العسكريةِ لا يستهدف إضعافَها أو تقويضَها، وإنما إعادة تعريفِ دورِها داخل الدولة، بحيث تصبح مؤسسةً مهنيةً تحتكر استخدامَ القوةِ دفاعاً عن الوطن، لا فاعلاً سياسياً يشارك في إدارة السلطة أو رسم مستقبل النظام السياسي.
ويؤكّد أن الرقابةَ المدنيةَ ليست نقيضاً للاحتراف العسكري، بل أحدَ شروطِها الأساسيةِ، لأنها تفصل بين الوظيفة العسكرية والقرار السياسي، وتحمي المؤسسةَ نفسها من التسييس.
ومن هذا المنظور، يصبح الإصلاح مشروعاً لبناء جيشٍ أكثر مهنيةً، لا مشروعاً موجّهاً ضدّ الجيش.
ولا يقتصر هذا الإصلاح على إعادة هيكلة القوات المسلحة، بل يشمل إعادةَ تنظيمِ القطاع الأمني بأكمله. فالأدبيات المتخصصة تربط الإصلاحَ بنزعِ أيّ طابعٍ حزبيٍّ عن المؤسسات العسكرية والأمنية، وبناء جيشٍ وطنيٍّ موحدٍ تكون عقيدتُه حمايةَ الشعب وحدودِ البلاد ومواردِها والدستور، مع حصر استخدام القوة في المؤسسات النظامية وتجريد التشكيلات المسلحة الأخرى من السلاح. كما يشمل الإصلاحُ تعزيزَ المساءلةِ عبر مراجعةِ الحصاناتِ والإصلاح المؤسسي، وإبعادَ الأجهزة الأمنية عن النشاط الاقتصادي، وترسيخَ مبادئِ الديمقراطيةِ والقانون الإنساني الدولي في التدريب والتأهيل العسكري.
ويذهب رابح إلى تفصيلٍ عمليٍّ لافتٍ: يقترح تحديدَ مدةٍ زمنيةٍ لا تقلّ عن عشر سنواتٍ بين تسريحِ الضابطِ من المؤسسة النظامية، أو تقاعده، وبين حقِّه في الانخراط في الحياة السياسية المدنية ـ وهو شرطٌ يترجم مبدأ «إخراج الجيش من السياسة» إلى إجراءٍ قابلٍ للتطبيق، لا مجرّد شعارٍ عامٍّ.
ضمانات أساسية
غير أن هذه الضوابط المؤسسية تصطدم، في الممارسة السودانية، بخطابٍ يخلط بين الاحترام الوطني والحصانة السياسية.
ففي الديمقراطيات المستقرة، تحظى الجيوشُ بمكانةٍ رمزيةٍ لا خلاف عليها. لكن هذه المكانةَ لا تعني أنها خارجَ المساءلةِ.
فالبرلماناتُ تناقش ميزانياتِ الدفاعِ، وتستدعي القيادات العسكرية، وتراجع لجانٌ مستقلةٌ أداءَ المؤسسات الأمنية، كما تخضع سياساتُ الدفاع والإصلاح العسكري للنقاش العام كلّما اقتضت الحاجةُ.
ولا يُنظر إلى هذه الرقابة باعتبارها انتقاصاً من مكانة الجيش، بل باعتبارها إحدى الضماناتِ الأساسيةِ التي تحافظ على احترافيّته وحيادِه السياسيِّ.
وهنا تظهر المفارقةُ الجوهرةُ في الخطاب الرسمي: فالبرهان يستند إلى رمزيةِ الجيشِ ليصلَ إلى نتيجةٍ سياسيةٍ مفادها أن إصلاحَ المؤسسةِ «ليس شأنَ» السياسيين، بينما تؤكّد التجارب المقارنة أن المؤسسة العسكرية، مهما بلغت مكانتُها الوطنيةُ، تظلّ جزءاً من هيكل الدولة، لا سلطةً قائمةً فوقها.
إصلاح مؤجّل
ولفهم جذور هذه المفارقة، لا بدّ من العودة إلى المسار التاريخي الذي شكّل علاقة الجيش بالسلطة في السودان.
لم يظهر الحديثُ عن إصلاح المؤسسة العسكرية مع الحرب الحالية، بل هو نقاشٌ سودانيٌّ ممتدٌّ لأكثر من ستة عقودٍ. يتتبّع الباحث مهدي رابح جذورَ هذا التسييس المتصاعد إلى محطةٍ تأسيسيةٍ في 17 نوفمبر 1958، حين سلّم رئيس الوزراء عبدالله خليل السلطةَ لقائد الجيش الفريق إبراهيم عبود، في محاولةٍ لحسم صراعٍ سياسيٍّ خارج أروقة البرلمان بأدواتٍ غير ديمقراطيةٍ. منذ تلك اللحظةِ، تتالت محطاتُ توسّعِ الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية: انقلاب مايو 1969 الذي دشّن، عبر التأميم والتخطيط المركزي، أولى صورِ تغوّل الجيش في الاقتصاد؛ ثم انقلاب يونيو 1989 الذي أسّس بحسب وصف رابح لنظامٍ «كليبتوقراطيٍّ» شارك فيه لاحقاً جهاز الأمن الوطني وقوات الدعم السريع كفاعلين اقتصاديين موازيين؛ وصولاً إلى ما يعتبره رابح اللحظةَ الحرجةَ في ديسمبر 1999، حين مالت كفةُ موازين السلطةِ نهائياً لصالح العسكريين.
وهذا الإرثُ من التسييس والتوسّع يفسّر أيضاً، من منظورٍ مقارنٍ، منطقَ عبارة البرهان نفسها. فالباحث لوكهام، الذي يستشهد به رابح، يرى أن الذهنيةَ العسكريةَ في أفريقيا ما بعد الاستعمار تنطلق من قناعةٍ راسخةٍ بأن أيّ حكومةٍ مدنيةٍ منتخبةٍ ستكون عرضةً للفساد وسوء الإدارة والمراهقة السياسية، مقارنةً بانضباطِ المؤسسة العسكرية وخبرتِها. بهذا المعنى، لا يمثّل موقفُ البرهان استثناءً سودانياً، بل صدىً لمنطقٍ أوسع ساد تجاربَ حكمٍ عسكريٍّ أفريقيةٍ عديدةٍ.
فمنذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، ظلّ إصلاحُ القطاع الأمني بنداً ثابتاً في الوثيقة الدستورية، واتفاق جوبا للسلام، والاتفاق الإطاري، كما شكّل محوراً رئيسياً في معظم المبادرات الدولية الخاصة بالانتقال السياسي.
ولم يكن الهدفُ المعلنُ من هذه الطروحات تفكيكَ القوات المسلحة، وإنما إعادةَ تنظيمِ العلاقةِ بين المؤسسات العسكرية والمدنية، وتوحيدَ مراكز استخدام القوة، وتعزيزَ احترافيةِ الجيش داخل إطارٍ دستوريٍّ.
كما تؤكّد الأدبياتُ الدوليةُ الخاصة بحوكمة القطاع الأمني أن الإصلاحَ لا يستهدف تقليصَ دور الجيش، بل بناءَ مؤسسةٍ أكثر كفاءةً وخضوعاً للقانون، باعتبار ذلك أحد الشروط الأساسية لاستقرار الدولة.
اختبار الإصلاح
غير أن هذا الإرث التاريخي يصطدم اليوم بواقعٍ جديدٍ يكشف هشاشةَ نموذجِ القوةِ المتعددةِ.
فالمفارقة أن الحربَ الحاليةَ لا تُضعف حجةَ الإصلاح العسكري، بل تجعلها أكثر إلحاحاً.
فإذا كانت أكبرُ حربٍ شهدها السودان الحديث قد اندلعت بين قوتين تحملان السلاح داخل الدولة، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان الإصلاح ضرورياً، بل لماذا ظلّ مؤجّلاً كل هذه السنوات.
فالقضية لم تعد تتعلق بمؤسسةٍ عسكريةٍ واحدةٍ، وإنما بمشهدٍ أمنيٍّ تعدّدت فيه الجيوش والتشكيلات المسلحة، وأصبح فيه احتكارُ الدولةِ لاستخدام القوة موضعَ نزاعٍ. ويقدّم رابح تفسيراً بنيوياً لهذا النزاع لا يكتفي بوصفه: فتعدّدُ القواتِ الحاملةِ للسلاحِ، وامتلاكُ بعضها درجةً عاليةً من الاستقلاليةِ عن الدولةِ وعن المؤسسة العسكرية ذاتِها، يشكّل في تقديره أخطرَ عقبةٍ أمام أيّ إصلاحٍ مستدامٍ. فهذه القواتُ، لطبيعتِها الربحيةِ وغيرِ القوميةِ القريبةِ من سماتِ الشركاتِ الأمنيةِ الخاصةِ، وكونِها في جوهرِها كياناتٍ قائمةٍ على تراتبيةٍ إثنيةٍ وقبليةٍ، لا تملك خياراً استراتيجياً سوى التوسّع المستمر في نفوذها السياسي والاقتصادي لضمان بقائها ـ وهو ما يضعها حتماً في صراعٍ تنافسيٍّ مع الدولةِ ومع كياناتٍ مسلحةٍ أخرى مشابهةٍ. بهذا المعنى، لا يكون تعدّد القوات ظاهرةً عابرةً يمكن احتواؤُها، بل نمطاً غيرَ قابلٍ للاستقرارِ بطبيعتِه، محكوماً عليه إما بالتمدد أو بالفناءِ.
ومن هذا المنظور البنيوي، يتّضح أن إصلاحَ الجيشِ لا ينفصل عن إعادةِ بناءِ الدولةِ نفسها. فالمطلوب ليس مجرّد إعادة هيكلة مؤسسة عسكرية، بل استعادةُ أحد المبادئ المؤسسة للدولة الحديثة: أن يكون السلاحُ خاضعاً للدستور، لا للتوازنات السياسية أو العسكرية.
حدود النقاش
وهكذا يعود النقاش إلى نقطة البداية، لكن بأدواتٍ مفاهيميةٍ جديدة؛ فالسودانيون قد لا يختلفون على ضرورة وجود جيشٍ وطنيٍّ قويٍّ في بلدٍ مزّقته الحرب وتعدّدت فيه التشكيلات المسلحة، غير أن الخلاف يبدأ عندما يتحوّل الحديث من ضرورة وجود الجيش إلى حق المجتمع في مناقشة شكل هذه المؤسسة ومستقبلها، وهل يُنظر إلى هذا النقاش بوصفه جزءاً من السياسة العامة أم يُعامل باعتباره تجاوزاً لحدودٍ لا يجوز الاقتراب منها. وعندما يقول البرهان إن إصلاح الجيش “ليس شأنكم”، فإنه لا يعبّر عن موقفٍ من الإصلاح فحسب، بل يضع حدوداً ضيّقةً لما يُسمح للمجتمع والقوى السياسية بتداوله، وبذلك ينتقل الجدل من مسألة إصلاح الجيش إلى سؤالٍ أوسع يتعلق بطبيعة الدولة نفسها وعلاقتها بمجال السياسة والمجتمع.
في المحصّلة، لا يدور الجدل حول ما إذا كانت الجيوش تستحقّ الاحترامَ، فهذا أمرٌ لا يكاد يكون محلَّ خلافٍ. السؤالُ هو: كيف تُصان هذه المكانة؟.
فالأدبياتُ الأكاديميةُ وتجاربُ التحول الديمقراطي لا تربط احترافَ الجيوشِ بخروجها من دائرة النقاش العام، بل بخضوعِها لقواعدَ دستوريةٍ تحدّد علاقتَها بالسلطة المدنية، وتفصل بين القوة والسياسة، وتضمن سيادةَ القانون.
ولهذا لا تبدو عبارة “قدسية الجيش” مجرّد توصيفٍ رمزيٍّ، بل مدخلاً إلى سؤالٍ أوسعَ: من يملك رسمَ الحدودِ بين المؤسسة العسكرية والدولة؟.
وكما يخلص وزير الدفاع السابق في أسبانيا، والباحث نارسيس سيرا، فإن العلاقةَ بين الديمقراطيةِ وإصلاحِ الجيوشِ علاقةٌ تبادليةٌ لا تسير في اتجاهٍ واحدٍ: فبقدر ما يتوقف نجاحُ الديمقرطةِ على تقدّمٍ عامٍّ في العملية الديمقراطية ذاتِها، فإن استمرارَ تعطّلِ تلك العمليةِ يبقي بدوره إصلاحَ الجيوشِ رهينةَ الإرجاءِ.
فالإجابة عن هذا السؤال ستُعيدُ رسمَ شكلِ الدولة السودانية، وحدودِ السلطةِ داخلها، وما إذا كانت المؤسسة العسكرية ستبقى جزءاً من كيانِها الدستوريِّ، أم المرجعَ الذي يقرّر أين تنتهي صلاحياتُها، وأين تبدأ صلاحياتُ الآخرين.