أماني أبو سليم
أصبحت الإعلانات جزءاً من متعة المناسبة العامة والجماهيرية كرمضان والأعياد.. وحالياً بكأس العالم.
تحولت إلى لوحات تمثيلية قصيرة، فيها فكرة، وضحكة، ودمعة، وأحياناً كثير من الحماس. صار الإعلان فناً لا يقل عن الدراما، يعرف كيف يدخل إلى قلب المشاهد قبل أن يطرق باب محفظته.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي هذا العام أن شركات الاتصالات، وغيرها من الشركات التي تخاطب الجمهور العريض، غادرت محطة الحديث عن الباقات والعروض، وقررت أن تشجع مع الجمهور.
في عالم التسويق، لا توجد مناسبة أثمن من مناسبة يعيش فيها ملايين الناس الشعور نفسه في اللحظة نفسها. كأس العالم أصبح حالة إنسانية نادرة؛ شوارع تكتسي بالأعلام، وعائلات تلتف حول شاشة واحدة، وقلوب تخفق مع صافرة البداية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يبحث الناس عن إعلان يخبرهم بعدد الغيغابايت، بل عن قصة تشبههم، وتشعرهم أن العلامة التجارية تعيش الحدث معهم.
لهذا لم يعد الإعلان يقول: “اشترِ منتجي”، بل أصبح يقول: “أنا معكم.”
في المغرب، بدأت الحملات قبل انطلاق البطولة، قبل أن يحقق المنتخب إنجازه التاريخي. لم يكن هناك فوز يحتفلون به، بل حلم يراهنون عليه. لذلك خاطبت الإعلانات شيئاً أكبر من كرة القدم، خاطبت الوطنية نفسها. كان العلم، والعائلة، والجمهور، والإيمان بأسود الأطلس هم أبطال الإعلان الحقيقيون. وكأن الرسالة تقول: نحن لا ننتظر الفوز حتى نصفق، نحن نؤمن بكم منذ البداية.
أما في مصر، فقد كان الطريق مختلفاً، لكنه بذات القدر من الذكاء.
اختارت فودافون أن تقول للمصريين: “هنتفرعن على الكورة”. لم تكن مجرد جملة لطيفة، بل فكرة تسويقية كاملة. فقد استعارت الشركة أحد أقوى رموز الهوية المصرية؛ الفراعنة، لتقول إن للمصريين طريقتهم الخاصة في اللعب والتشجيع والتفوق، وربطت حماس الكرة بتاريخ طويل من الحضارة التي تميز مصر.
وفي المقابل، ذهبت أورنج إلى باب آخر من أبواب الشخصية المصرية، حين خاطبت الجمهور بعبارة “لكل المشككين… المرة دي مطولين”. كانت تعرف أن المصريين يخفون خلف حماسهم شيئاً من الشك، فيضحكون منه قبل غيرهم. لذلك لم تحاول إقناعهم، بل شاركتهم هذا الشعور، ثم دعتهم إلى أن يحلموا من جديد.
وهنا بدا الفرق واضحاً بين التجربتين. فالحملات المغربية خاطبت الهوية الوطنية، بينما خاطبت الحملات المصرية الشخصية الاجتماعية للمصريين. المغرب قال: نحن وطن واحد خلف منتخب واحد. أما مصر فقالت: هذه هي شخصيتنا.. وهكذا نشجع، ونخاف، ونحلم، ونضحك.
لكن السؤال الذي ظل يرافقني وأنا أشاهد هذه الإعلانات هو: هل كانت الشركات ترفع معنويات المنتخبات حقاً، أم أنها كانت تستثمر ببراعة أكبر مناسبة جماهيرية في العالم؟
أظن أن الحقيقة تقع في منتصف الطريق.
فلا إعلان يستطيع أن يحرز هدفاً، ولا حملة إعلانية يمكنها أن تغير نتيجة مباراة. لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أن هذه الإعلانات أصبحت جزءاً من المشهد. اللاعب يرى الأعلام، ويسمع الأغاني، ويشاهد بلداً بأكمله يتحدث عنه. والإعلانات كانت جزءاً من هذه الحالة العامة التي تبث الثقة، وتغذي الحلم، وتمنح الناس شعوراً بأنهم جميعاً في المدرجات نفسها.
وفي المقابل، كانت الشركات تعرف جيداً ما تفعله.
فالفن الحقيقي في الإعلان لا يبدأ من المنتج، بل من الإنسان. يبدأ من فهم مشاعره، وما يفرحه، وما يخيفه، وما يجعله يشعر بالفخر أو الانتماء. ثم يدخل إلى ذهنه من هذا الباب. فإذا نجح في ربط العلامة التجارية بتلك المشاعر، أصبح الإنسان يستدعيها تلقائياً كلما عاش إحساساً مشابهاً.
لهذا لم تكن المنافسة على أفضل باقة أو أسرع إنترنت، بل على من يحجز مكاناً في ذاكرة الناس. فالعروض تنتهي، أما الشعور الذي رافق هدفاً تاريخياً، أو لحظة فخر، أو حلم أمة كاملة، فيبقى طويلاً.
وربما لهذا السبب، لم تعد الإعلانات مجرد استراحة بين شوطي المباراة.. بل أصبحت هي الأخرى جزءاً من متعة المونديال.