جوع السودانيين بين ارتفاع الخبز وتعطل التطبيقات البنكية.. معاناة مضاعفة في أول الشهر تهدد حياة الملايين

شيماء تاج السر، المحامية

 

مشهد يومي يتكرر..

في صباح باكر من كل شهر، ومع إشراق أول أيامه، يستيقظ الملايين من السودانيين على أمل صرف رواتبهم أو معاشاتهم التي أودعتها الجهات الرسمية في حساباتهم البنكية. لكن هذا الأمل سرعان ما يتحول إلى كابوس حين تتعطل التطبيقات البنكية وفي مقدمتها “بنكك” و”فوري” اللذين أصبحا شريان الحياة المالية لأكثر من 70% من السودانيين داخل البلاد وخارجها.

فجأة يجد المواطن السوداني نفسه عالقاً بين رغيف الخبز الذي قفز سعره إلى 400 جنيه وبين حسابه البنكي، الذي يحتوي على راتبه لكنه أصبح عصياً على السحب أو التحويل. إنها أزمة مزدوجة تضرب الطبقات الفقيرة والمتوسطة وتفضح فشلاً حكومياً متراكماً في إدارة أبسط متطلبات الحياة اليومية.

 

حين يصبح الرغيف ترفاً

 

لم يعد الخبز في السودان مجرد سلعة غذائية أساسية بل أصبح مقياساً للمعاناة اليومية. ففي غضون أشهر قليلة قفز سعر رغيف الخبز من 50 جنيهاً إلى 400 جنيه أي بزيادة قدرها 700%، في مشهد يعجز عنه المنطق الاقتصادي. ويعزو مراقبون هذا الارتفاع إلى عدة عوامل منها انهيار قيمة العملة المحلية مقابل الدولار مما رفع تكلفة استيراد القمح والوقود، وإلغاء الدعم التدريجي للخبز وفقاً لسياسات التقشف التي تنتهجها الحكومة، واحتكار المضاربين للمخزون الاستراتيجي من الدقيق، في غياب رقابة فعالة، وتكاليف النقل التي تضاعفت بسبب ارتفاع أسعار المحروقات.

الأرقام تتحدث بوضوح: الأسرة السودانية المتوسطة التي تستهلك 5 أرغفة يومياً كانت تنفق نحو 250 جنيهاً شهرياً على الخبز قبل عام أما اليوم فتنفق أكثر من 60 ألف جنيه، أي ما يعادل أكثر من نصف دخلها الشهري في كثير من الحالات. وهذا يعني أن ملايين الأسر أصبحت مضطرة للاختيار بين الخبز والدواء أو التعليم أو حتى الكهرباء.

 

تعطل التطبيقات البنكية وانهيار الخدمات الرقمية

 

في الوقت الذي كانت فيه التكنولوجيا المالية تمثل أمل السودانيين في التغلب على أزمة السيولة النقدية التي ضربت البلاد منذ سنوات وإتاحة التحويلات السريعة للأسر المغتربة إذا بهذه التطبيقات “بنكك” و”فوري” تحديداً تتحول إلى مصدر إضافي للعذاب.

ففي أول كل شهر، ومع تدفق الرواتب والمعاشات تشهد هذه التطبيقات أعطالاً متكررة تتراوح بين بطء شديد في الاستجابة يستمر لساعات وأحياناً أياماً، وانقطاع الخدمة كلياً عن بعض المناطق أو فئات المستخدمين، وأخطاء في التحويلات تؤدي إلى تجميد الأرصدة أو فقدانها مؤقتاً.

هذه الأعطال ليست عابرة أو تقنية بحتة بل إنها تصنع – حسب خبراء قطاع الاتصالات –بقصد من قبل السلطة الحاكمة التي تعزو مشكلة انهيار اقتصاد السودان في هذه التحويلات البنكية.

 

جوع يتربص بالبسطاء

 

أنا معلم متقاعد، راتبي 120 ألف جنيه وخبز اليوم يكلفني 2000 جنيه لعائلتي المكونة من 5 أفراد. منذ ثلاثة أيام وأنا أحاول سحب راتبي عبر تطبيق “بنكك” لكن الخدمة معطلة. اضطررت للاقتراض من جاري لشراء الخبز. هكذا يصف أحمد عثمان (62 عاماً) معاناته.

أما فاطمة، وهي أرملة تعول ثلاثة أبناء، فتقول: ابني المغترب في السعودية يرسل لي الدعم عبر (فوري) كل أول الشهر. هذا الشهر وبسبب التعطل لم أستطيع الاستفادة من المبلغ إلا بعد أسبوع، وفي تلك الفترة كنت أنا وأولادي ننام على وجبة واحدة من الفول الجاف. أخشى أن لا نتحمل أكثر.

وتتوالى القصص المماثلة من ولايات الخرطوم وبحري وأم درمان، ومن مدن مثل ود مدني والأبيض وبورتسودان، وكذلك من دول اللجوء، حيث يعتمد المغتربون بشكل شبه كلي على هذه التطبيقات لإرسال الدعم لعائلاتهم، وفي كثير من الحالات أدى التعطل إلى تأخير دفع الإيجارات وصرف الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة ودفع فواتير الكهرباء والمياه، بل وشراء الحليب للأطفال الرضع.

 

قراءة في الأسباب: إهمال حكومي أم تعذيب متعمد؟

 

يتساءل المواطنون بمرارة: لماذا لا توجد حلول لهذه المشكلات المتكررة؟، ولماذا لا يتم تطوير الأنظمة أو استبدالها بأنظمة أكثر استقراراً؟، ولماذا تظل الجهات الرقابية صامتة؟.

الواقع أن إهمال الحكومة لهذا القطاع الحيوي لا يمكن تفسيره إلا بغياب الإرادة السياسية أو بسياسة متعمدة لإبقاء المواطن في حالة من التبعية والضعف. ففي بلد يعاني من حرب أهلية وأزمة اقتصادية خانقة قد يكون تعطيل الخدمات المالية وسيلة لإحكام السيطرة أو للتغطية على فساد مالي في صرف الرواتب أو توزيع الدعم.

بعض المحللين يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن ما يحدث هو عقاب جماعي للسودانيين خاصة أولئك الذين يعبرون عن معارضتهم للسلطة الحاكمة، أو الذين يقطنون مناطق تشهد نزاعات مسلحة. فتعطيل التطبيقات في أول الشهر يُحدث شللاً شاملاً للحياة الاقتصادية ويزيد من الغضب الشعبي، مما يُرهق أي تحرك اجتماعي أو سياسي.

 

الموت جوعاً ليس تهديداً مجازياً

 

الأرقام الصادرة عن منظمات إنسانية محلية ودولية ترسم صورة قاتمة: نحو 15 مليون سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 3 ملايين على شفا المجاعة. ومع استمرار تعطل الخدمات المالية وارتفاع الأسعار يتحول الجوع من خطر مستقبلي إلى واقع يومي.

في الأحياء الفقيرة بالخرطوم بدأت تظهر حالات إغماء بين كبار السن والأطفال بسبب نقص التغذية. وتحدثت تقارير طبية غير رسمية عن وفيات مرتبطة مباشرة بالجوع في عدة ولايات لكن الأرقام الرسمية ما تزال غائبة، في مشهد يذكّر بأسوأ فترات المجاعات في التاريخ السوداني.

 

أرقام صادمة: الخبز والتطبيقات بالأرقام

 

سعر رغيفة الخبز الآن: 400 جنيه مقابل 50 جنيهاً قبل عام. نسبة السودانيين الذين يعتمدون على التطبيقات البنكية في صرف الرواتب: أكثر من 70% وفقاً لبنك السودان المركزي. حجم التحويلات عبر “فوري” شهرياً يتجاوز 300 مليار جنيه تغذيها تحويلات المغتربين. معدل الأعطال في أول كل شهر يصل إلى 80% من وقت الذروة حسب رصد ميداني. عدد الأسر التي اضطرت للاقتراض بسبب التعطل 6 من كل 10 أسر في مسح غير رسمي. متوسط الدخل الشهري للأسرة المتوسطة 250 ألف جنيه تنفق منه 60 ألفاً على الخبز فقط.

 

أين أنتم أيها المسؤولون؟

 

أيها القائمون على أمر هذه البلاد، أليس من واجبكم توفير لقمة العيش الآمنة لكل مواطن؟، ألم تتعلموا من دروس الماضي أن الجوع ليس سلاحاً ذا حدين بل هو قنبلة موقوتة ستنفجر في وجوه الجميع؟. نحن لا نطلب المستحيل بل نطلب فقط  تثبيت سعر الخبز وتوفير الدعم العاجل للقمح وتطوير التطبيقات البنكية ورفع كفاءتها مع إنشاء أنظمة احتياطية ومحاسبة المقصرين من مسؤولي البنوك وشركات الاتصالات، والإفصاح عن أسباب الأعطال، الوخطة العلاج دون تبريرات واهية، وتوفير بدائل نقدية في حالات التعطل كزيادة نقاط الصرف أو تفعيل الصرافات الآلية.

 

كيف نخرج من هذا المأزق؟

 

لا حل دون تغيير جذري في نهج إدارة الدولة. يجب أن تتحول الحكومة من حالة اللامبالاة إلى حالة الاستجابة الفورية. ومن المقترحات العملية إنشاء صندوق طوارئ لدعم الخبز ممول من الموارد السيادية لتخفيف العبء عن المواطنين، وإطلاق منصة بديلة للتطبيقات الحالية بالتعاون مع شركات عالمية تكون أكثر أماناً واستقراراً، وتفعيل دور البنك المركزي في الرقابة الفعلية على أداء التطبيقات، وفرض غرامات على حالات التعطل، وإشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني في مراقبة أسعار السلع الأساسية وكسر الاحتكارات، واعتماد سياسات نقدية تحمي قيمة العملة وتوقف انهيارها عبر تنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

 

صرخة لا تُسمع

 

في النهاية يبقى السؤال الأصعب: هل يسمع المسؤولون هذه الصرخة؟، أم أنهم يفضلون الاستمرار في برجهم العاجي بينما يموت السودانيون جوعاً وعجزاً؟.

ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار أخلاقي وإنساني لهذه الحكومة. فالمواطن لم يعد يقبل بالوعود، ولم يعد يثق في التصريحات الإعلامية، إنه يريد خبزاً ساخناً على مائدته، وراتباً في جيبه، وتطبيقاً يعمل دون تعطل. هذه هي أبسط حقوقه، وهذه هي واجبات الدولة.

 

فإلى متى يا حكومة الأمر الواقع ستتجاهلون أنين الجياع؟، وإلى متى ستظل التكنولوجيا أداة عذاب بدلاً من أن تكون أداة تحرر؟. حان الوقت لتتحركوا أو لتتركوا المكان لمن يستطيع.

 

مستقبل معلق على خيط رغيف

 

السودان بلد غني بالموارد والخيرات، لكنه يظل فقيراً في إدارتها. معاناة المواطنين اليوم ليست قدراً محتوماً بل نتيجة خيارات خاطئة وسياسات فاشلة، وإذا استمرت الحال على ما هي عليه فإن المستقبل سيكون أكثر قتامة، وستزداد أعداد الضحايا، وسيكون الخبز والتطبيقات مجرد عنوان لقصة أوسع من الفساد والانهيار.

صبراً يا سودان، فعلى أبواب الغد ربما يأتي من يصلح ما أفسده الدهر، ومن يعيد للخبز بركته، وللتطبيقات فائدتها، وللإنسان كرامته. أما اليوم فلنرفع صوتنا عالياً: لا للحكومة اللامبالية، ولا للجوع ولا للتعطيل.. نعم للحياة الكريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *