لـ(ديسمبر) كلمة معاً لمحاصرة العنف السياسي

 

مع دخول الحرب شهرها الثلاثين، تتزايد التوترات السياسية ويتصاعد الاستقطاب الجهوي والقبلي، ويبرز العنف كأحد أبرز التحديات التي تواجه مجتمعات السودانيين داخل وخارج البلاد.
وشهدت الأشهر الأخيرة تسجيل عدد من حوادث الاعتداء على الناشطين والفعاليات التي تنظمها القوى المدنية، وخصوصاً القوى المناهضة للحرب. وجاء الاعتداء الجسدي على المحامي مهند النور في تظاهرة في نيوكاسيل بسبب انتقاده لقيادة القوات المسلحة وعلى تظاهرة مناهضة للحرب في جنيف لتؤكد أن العنف في السياسة لم يعد مجرد حدث عابر، بل هو ظاهرة ارتبطت على مدى تاريخ السودان الحديث بحركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين بمختلف مسمياته وواجهاته.
فمنذ حادثة رقصة “العجكو” في قاعة الامتحانات في جامعة الخرطوم في نهاية ستينات القرن الماضي، ظلت هذه المجموعات تمارس العنف بكافة أشكاله. وتطورت ظاهرة العنف الذي كانوا يمارسونه في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، لتمتد إلى استخدام عنف الدولة في عهد حكمهم البعيد الذي بدأ بدق مسمار على رأس طبيب وانتهى بإدخال قضيب معدني في دبر معلم. وكانت بيوت الأشباح والتعذيب الممنهج من أساليب حكمهم “الشرعية”.
وإذا كانت الحروب تُعرَّف بأنها ممارسة السياسة بوسائل عنيفة، فإن استمرارها على فترات طويلة من تاريخ السودان بعد الاستقلال، يعكس بدوره فشل أنظمة الحكم المتعاقبة، وفي مقدمتها نظام الإنقاذ وانقلاب 25 أكتوبر في تحقيق قيم الحرية والعدالة والمساواة والحكم المدني التي ناضل شعب السودان من أجلها عبر ثوراته المجيدة في أكتوبر وأبريل وديسمبر.
توسع عنف الإسلاميين في فترة حكمهم ليقضي على حياة مليون مواطن سوداني في حربهم الجهادية على جنوب البلاد الذي اختار الانفصال بحثاً عن السلام. ومن ثم مارس نظامهم الإبادة الجماعية في إقليم دارفور والتي أودت بحياة 300 ألف سوداني آخرين. ولعل حكم الإدانة الذي صدر قبل يومين في مواجهة على كوشيب يعيد تذكيرنا بأن العدالة ما تزال ناقصة إلا بمثول ثلاثة من قادة نظام الإسلاميين بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهم رأس نظامهم عمر البشير واثنان من مساعديه المقربين؛ عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون.
محاصرة ممارسة العنف في العمل السياسي يفرض على القادة السياسيين والمجتمعيين اتخاذ موقف حازم ضد هذا الظاهرة. ليس فقط بإدانة العنف بعد حدوثه، ولكن من خلال مكافحة خطاب الكراهية وتقديم مرتكبي العنف للقضاء العادل وخاصة في حالات حدوث ذلك في بلدان تحترم استقلالية القضاء.
على الجميع أن يدرك قبل فوات الأوان أن ممارسة العنف لن تؤدي إلا إلى مزيد من الألم والمعاناة، وستعيق جهود وقف الحرب وبناء السلام، وأنه من واجبنا أن نعمل على نشر قيم التسامح والتعايش كسلاح إيجابي لمواجهة دعاة العنف ومناصري الحرب.
يجب أن نستثمر في السلام، وأن نعمل على تعزيز ثقافة الحوار، ذلك أن السلام هو الخيار الأكثر حكمة والأكثر فائدة للجميع. لن نحقق استقراراً حقيقياً ما لم نضع حدًا لجميع أشكال العنف في السياسة ونعزل دعاته ونعمل على بناء مستقبل يسوده التسامح والمشاركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *