برلمان الشباب – السودان يحذر من مخاطر التشظي واحتكار أطراف الحرب لمستقبل البلاد

منذر مصطفى: تحييد الخدمات الأساسية وإشراك الشباب والنساء في العملية السياسية ضرورة لإنهاء الحرب وبناء السلام

 

كمبالا: (ديسمبر)

 

يرى منذر مصطفى، الأمين العام المنتخب لبرلمان الشباب – السودان، أن مستقبل البلاد يواجه تحديات سياسية واقتصادية وإنسانية متشابكة، في ظل استمرار الحرب وتراجع العمل المدني وتعدد المسارات السياسية. ويقول إن معالجة الأزمة السودانية لا يمكن أن تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تتطلب عملية سياسية مستقلة عن منطق الحرب، تشارك فيها القوى المدنية والشباب والنساء والنقابات والمجموعات القاعدية.

ويحذر مصطفى من أن استمرار الانقسام المدني والسياسي قد يفتح المجال أمام أطراف الحرب لاحتكار رسم مستقبل السودان، في وقت تتراجع فيه قدرة المبادرات القاعدية وغرف الطوارئ على الاستمرار بسبب نقص الموارد والاستهداف والقيود المختلفة.

 

الاقتصاد والنظام المصرفي في قلب الأزمة

 

يضع مصطفى الملف الاقتصادي والمصرفي ضمن القضايا المرتبطة مباشرة بالصراع السياسي والعسكري في السودان. ويقول إن سلامة النظام المصرفي ليست شأناً فنياً فحسب، وإنما قضية سياسية تتصل بإدارة موارد الدولة ومسارات تمويل الحرب.

ويشير إلى أن مجموعة من الجهات المدنية قدمت، في نهاية مايو من العام الحالي، إحالة فنية ومذكرة قانونية واقتصادية إلى مؤسسات دولية معنية بالعقوبات والامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال، بعد ما وصفه برصد بنية نقدية ومصرفية موازية تعمل خارج المنظومة الرئيسية.

ويضيف أن فريقه حذر المؤسسات المالية الدولية من مخاطر ما وصفه بـ”الديون الكريهة”، التي قال إنها قد تُبرم في ظل غياب شرعية دستورية، كما أثار مخاوف بشأن استخدام الذهب كمصدر لتمويل النزاع عبر مسارات تهريب إقليمية.

وبحسب مصطفى، فإن الهدف من هذه التحركات هو التأكيد على أن موارد السودانيين يجب ألا تتحول إلى مصدر لتمويل حرب مفتوحة، مشدداً على أن الموقف الذي تتبناه مجموعته لا يستهدف الانحياز إلى أحد طرفي الصراع.

وفي قراءته للمستقبل، يقول مصطفى إن مجموعته درست خمسة سيناريوهات محتملة حتى عام 2028، وإن الوقائع، من وجهة نظرها، تشير إلى خطر ما سماه “التقسيم الواقعي المتصلب”. ويخشى أن يؤدي استمرار الانقسام إلى تعميق الفوارق التنموية بين المناطق، بحيث تصبح إعادة توحيد البلاد أكثر صعوبة من الناحية الاقتصادية، فضلاً عن إمكانية جذب مصالح إقليمية ودولية مرتبطة بهذا الانقسام.

 

رفض منح الشرعية لمسارات أحادية

 

سياسياً، ينتقد مصطفى ما يصفه بخلط بعض الأطراف بين الحكومات التي وصلت إلى السلطة بتفويض شعبي وبين السلطات التي جاءت عبر الانقلابات العسكرية.

ويقول إن مجموعته تعتبر سلطة الأمر الواقع سلطة تصل إلى الحكم بالإكراه ولا تستند، بحسب رؤيته، إلى أولويات المجتمعات المحلية. ويضيف أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل أوجدت واقعاً جديداً، أصبحت فيه الأطراف التي تبنت الانقلابات العسكرية في مواجهة نتائج هذا المسار.

وفي هذا السياق، يشير إلى رسالة رسمية بعثت بها مجموعته إلى مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن بمفوضية الاتحاد الأفريقي، اعترضت فيها على الترحيب بمبادرة “الحوار السوداني السوداني” التي طرحها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

ويؤكد مصطفى أن الاعتراض، وفقاً لرؤيته، لا يتعلق بمبدأ الحوار في حد ذاته، وإنما بسياق إطلاق المبادرة والجهة التي تقف وراءها، ومدى اتساق ذلك مع مبادئ الاتحاد الأفريقي المتعلقة بالتغييرات غير الدستورية للحكم.

كما يشير إلى بيان صدر قبل ذلك بثلاثة أيام، حذر من انهيار “مسار برلين”، وانتقد الترحيب العربي بمبادرة الحوار، داعياً إلى عدم مباركة أي مسارات أحادية تصدر عن سلطات الأمر الواقع، باعتبار أن مثل هذه المسارات قد تكرس الانقسام السياسي.

ويؤكد أن موقفهم يقوم على الشمول والملكية السودانية للعملية السياسية والقيادة المدنية، إلى جانب تكامل المسارات الإقليمية والدولية لمنع تحولها إلى مراكز متنافسة للشرعية أو وساطة متعددة المسارات.

 

العمل المدني في ظل غياب المساحات الآمنة

 

في ظل المخاطر الأمنية، يقول مصطفى إن العمل المدني أصبح أكثر صعوبة، لكنه يرى أن هذه الظروف جعلت الحفاظ على المساحات المدنية أكثر إلحاحاً.

ويشير إلى جهود بُذلت لإقناع أطراف سياسية بإعادة تفعيل مؤسسات الثورة، قائلاً إن هذه المساعي حظيت بقبول جزئي، لكنها لم تحقق أهدافها كاملة حتى الآن.

كما يتحدث عن إطلاق منتدى حقوق الإنسان – السودان، باعتباره إطاراً مدنياً مستقلاً للرصد والتوثيق والمناصرة، بهدف دعم مسارات المساءلة ومواجهة الإفلات من العقاب.

ويرى مصطفى أن أي حوار سياسي لا يضمن استقلال العملية السياسية عن منطق الحرب يمكن أن يتحول، بدلاً من أن يكون طريقاً لإنهاء النزاع، إلى وسيلة لإدارة الصراع وإعادة إنتاجه.

 

غرف الطوارئ.. “طوق النجاة الإنساني الأول”

 

يمنح مصطفى المجموعات القاعدية، وعلى وجه الخصوص غرف الطوارئ، أهمية كبيرة في مواجهة آثار الحرب. ويقول إن هذه المجموعات تحملت جزءاً كبيراً من العبء الإنساني خلال الأزمة، ولذلك جرى تكريمها في فعاليات الذكرى السابعة لثورة ديسمبر.

ويشير إلى أن الوثيقة الاستراتيجية التي يعملون عليها وصفت غرف الطوارئ بأنها “طوق النجاة الإنساني الأول”.

لكن مصطفى يحذر من تراجع عدد المبادرات القاعدية وقدرتها على الاستجابة للأزمة. ويقارن بين حجم المشاركة القاعدية قبل الحرب والوضع الحالي، مشيراً إلى مشاركة أكثر من 20 ألف لجنة قاعدية في “مسار الكرامة” الذي قادته لجنة المعلمين قبل الحرب، وإلى تقديرات تحدثت عن مشاركة نحو خمسة آلاف لجنة مقاومة في مواجهة انقلاب 25 أكتوبر.

في المقابل، يقول إن عدد غرف ومجموعات الطوارئ التي تستجيب لأزمة الحرب الحالية أصبح أقل من 1500 مجموعة، مع وجود تقديرات دولية تشير إلى عدد أقل من ذلك.

ويضيف أن مكتب الطوارئ الإنسانية التابع لهم رصد، في مايو، تراجعاً في الموارد أدى إلى تقليص أنشطة عدد من المبادرات، ووضع بعضها أمام خطر التوقف الكامل.

ولا تتوقف التحديات، وفق مصطفى، عند نقص التمويل، بل تشمل الاستهداف المباشر، والتضييق البيروقراطي، ومحاولات الاحتواء، والخلافات التنظيمية والانقسام المدني.

 

حماية العمل القاعدي من التسييس والاحتواء

 

يقول مصطفى إن مجموعته تعمل على منع ذوبان غرف الطوارئ داخل هياكل مرتبطة بأطراف الحرب، أو استبدال القيادات المجتمعية الفعلية بواجهات شكلية.

ويطرح في هذا السياق مجموعة من المطالب، تشمل توفير دعم مالي ولوجستي عاجل ومستدام، وحماية المتطوعين والعاملين وفق القانون الدولي الإنساني، وتعزيز الاتصالات والإمدادات الطبية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون قيود.

كما يشير إلى طرح مساعٍ حميدة بين غرف الطوارئ ومجالس التنسيق القاعدي، إلى جانب الدعوة لتشكيل لجنة تيسيرية محايدة، ووضع ميثاق حوكمة مشترك وآلية شفافة لإدارة الموارد.

وفي أبريل، بحسب مصطفى، جرى طرح “بروتوكول الوصول إلى الخدمات الأساسية”، ويتضمن مقترحات لإنشاء غرفة لشركاء العمل الإنساني، وفتح ممرات آمنة لحركة الإمدادات، ووضع آليات تمويل شفافة، وإشراك المجتمعات المحلية في مراقبة الخدمات.

ويرى أن إنهاء الانقسام المدني يمثل أحد المداخل الأساسية لحماية هذه المبادرات، محذراً من أن الخلافات السياسية والتنظيمية قد تضعف المجموعات التي تشكل إحدى أدوات الحماية المجتمعية خلال الحرب.

 

هدنة إنسانية ومسار سياسي مستقل عن الحرب

 

في ما يتعلق بإنهاء الحرب، يقول مصطفى إن العمليات العسكرية وحدها لن تكون كافية لإنهاء الأزمة، مشيراً إلى ما يراه فشلاً من طرفي الحرب في إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتهما، وانعكاسات ذلك على الخدمات والاقتصاد والأوضاع الإنسانية.

ويقترح مساراً يبدأ بهدنة إنسانية تتضمن بروتوكول الخدمات الأساسية كبند ملزم، ثم الانتقال إلى إطار سياسي متكامل يركز على وقف الحرب وحماية المدنيين وتسهيل المساعدات، وصولاً إلى انتقال مدني ديمقراطي.

ويشدد على ضرورة أن تكون العملية السياسية مستقلة عن منطق الحرب، وأن تضم المدنيين والشباب والنساء والنقابيين والشبكات القاعدية، مع ربط أي اتفاق سياسي بحقوق الضحايا في الحقيقة والمحاسبة والعدالة الانتقالية.

 

أزمة التشظي المدني والتحالفات السياسية

 

يرى مصطفى أن أحد أكبر التحديات أمام القوى المدنية يتمثل في ما يسميه “تحالف الحد الأدنى”، وما يرتبط به من تصور يركز على إسقاط النظام أو إنهاء المرحلة الحالية دون الاهتمام الكافي بما سيأتي بعدها.

ويقول إن الخلافات الآيديولوجية والحزبية أدت إلى إضعاف فكرة الجبهة المدنية الواسعة، ودفع بعض القوى إلى تفضيل التحالفات الصغيرة التي تحافظ على هويتها السياسية، لكنها قد تكون أقل تأثيراً في العملية السياسية.

ويحذر مصطفى من أن استمرار التشظي المدني قد يمنح أطراف الحرب مساحة أكبر لتحديد مستقبل البلاد، داعياً إلى بناء عملية سياسية أكثر شمولاً.

 

الشباب والنساء خارج المسارات التقليدية

 

ينتقد مصطفى اعتماد العملية السياسية على المسار الحزبي باعتباره المسار الأساسي للمشاركة، قائلاً إن الشباب غالباً ما يجدون أنفسهم خارج دوائر اتخاذ القرار، رغم أنهم من أكثر الفئات تأثراً بنتائج التسويات السياسية.

ويشير إلى ظهور محاولات لتكوين أحزاب يقودها الشباب بدعم من منظمات، لكنه يرى أن هذه التجربة لا تزال بحاجة إلى إثبات قدرتها على تجاوز التمثيل الشكلي.

ولهذا، يقول إن برلمان الشباب يتحرك مع أطراف دولية لتصميم قناة خاصة بمشاركة الشباب بالتوازي مع المسار الحزبي، بهدف ضمان مشاركة ذات أثر يمكن قياسه.

كما يؤكد أن النساء والشباب يمتلكون، وفق رؤيته، شرعية قاعدية وشبكات حماية مجتمعية لا تتوفر بالقدر نفسه في بعض المسارات السياسية التقليدية.

وتنص وثيقتهم الاستراتيجية، بحسب مصطفى، على ألا تقل نسبة تمثيل النساء والنازحين في سجل الأعضاء عن 60 في المئة.

ويشير كذلك إلى تلقي مذكرة من فتيات ونساء في معسكر كرياندنقو للاجئين في أوغندا، وتنظيم موكب تضامن مع نساء السودان، إضافة إلى مطالبات بمشاركة واسعة وذات معنى للشباب والنساء والمجتمعات المتضررة.

ويرى أن المشاركة الفاعلة تتطلب قنوات تمثيل مستقلة لا تمر حصراً عبر الأحزاب، وحضوراً في مواقع اتخاذ القرار، وربط مخرجات الاتفاقات بجداول تنفيذ ومؤشرات قابلة للقياس.

 

التعليم والتجنيد وحماية جيل الحرب

 

يلفت مصطفى إلى حجم الأثر الذي تركته الحرب على الأطفال والشباب، مشيراً إلى أن أكثر من 7 ملايين طفل كانوا خارج المدارس قبل الحرب، وأن النظام التعليمي تعطل لفترات تجاوزت في بعض المناطق 3 أعوام.

كما يتحدث عن انخراط أكثر من 4 ملايين شاب، بحسب تقديراته، في العمليات العسكرية بصورة أو بأخرى.

ويقول إن العمل مع الشركاء يتركز على ثلاثة مسارات، تشمل فرض عقوبات ودعم تنموي للحد من شرعية تجنيد الشباب، والمنع النهائي لتجنيد الأطفال، إضافة إلى الرصد والتوثيق لضمان المساءلة.

 

تحييد المدارس والمراكز الصحية ومحطات المياه

 

من أبرز المقترحات التي يطرحها مصطفى “بروتوكول الوصول إلى الخدمات الأساسية”، الذي قال إنه طُرح في 12 أبريل 2026.

ويهدف البروتوكول، وفقاً لشرحه، إلى تحييد المدارس والمراكز الصحية ومحطات المياه وغيرها من الخدمات والمنشآت الأساسية عن الصراع، ومنع استخدامها كوسيلة ضغط أو عقاب جماعي.

ويقترح أن تضطلع المحليات بدورها الفني في إدارة الخدمات، بالتعاون مع غرف الطوارئ والمبادرات الشبابية والنسوية ومنظمات المجتمع المدني، حتى في ظل تعدد مراكز السيطرة العسكرية.

كما يتضمن إنشاء “غرفة شركاء العمل الإنساني”، وربط جهود الفاعلين المحليين والدوليين بآليات للرصد والمساءلة، مع حماية العاملين والمتطوعين وضمان حرية حركة الإمدادات عبر ممرات آمنة.

ويطالب مصطفى بإدراج البروتوكول كبند ملزم في أي اتفاق هدنة، مع التزام أطراف الحرب بعدم استهداف الخدمات الأساسية.

 

الشباب كجسر لإعادة بناء الثقة

 

يقول مصطفى إن التجارب الأخيرة أثبتت قدرة المجموعات الشبابية على العمل عبر الانقسامات الجغرافية والسياسية، من خلال تقديم خدمات ملموسة للمجتمعات دون اشتراط الانتماء السياسي.

ويرى أن هذه القدرة يمكن أن تكون أساساً لإعادة بناء الثقة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الثقة لا تنفصل عن العدالة، ولذلك تربط الوثيقة الاستراتيجية التي يعملون عليها أي عملية سياسية بحق الضحايا في الحقيقة والمحاسبة.

ويعتقد أن الشباب والنساء والمجموعات القاعدية يمكن أن يشكلوا جزءاً من أدوات الحفاظ على وحدة المجتمع السوداني، في ظل التحديات التي فرضتها الحرب.

وفي رسالته للشباب، يقول مصطفى إن الإحباط من المشهد السياسي مفهوم، لكنه يحذر من أن الانسحاب الكامل من المجال العام قد يترك الساحة للجهات التي ساهمت في إنتاج الأزمة.

ويؤكد أن برلمان الشباب يعمل، وفق رؤيته، على توفير مساحات للعمل والمناصرة، والدفع نحو جدول أعمال وطني يرحب بالشباب والنساء، وتمثيل فئوي عادل، إلى جانب منصات ذات تأثير محلي ودولي.

ويختتم مصطفى حديثه بالتأكيد على أن السودان يحتاج إلى مشاركة أوسع في صناعة مستقبله، قائلاً إن الطريق إلى التعافي يتطلب حماية العمل المدني، وإنهاء الحرب، وإعادة بناء الثقة، وربط السلام بالعدالة، وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة في قيادة المجتمع والدولة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *