كمبالا: (ديسمبر)
في زمنٍ تعصف فيه الحروب بالمجتمعات وتعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، تصبح الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، وتتقدم الأصوات التي تنادي بالسلام لتتحول من مجرد دعوات أخلاقية إلى ضرورة وطنية ومجتمعية ملحّة. وفي المشهد السوداني على وجه الخصوص، تلعب النساء دورًا متقدمًا في مواجهة آثار الحرب والسعي الجاد لإيقافها. فبين أوضاع إنسانية قاسية وواقع سياسي معقد، تظل النساء في مقدمة الصفوف، يحاولن حمل الأعباء ومواجهة التحديات وبناء الأمل في آنٍ واحد.
هذا الحوار أجريناه مع نعمات كوكو محمد، الباحثة في قضايا التنمية والسياسات البديلة، والمتخصصة في النوع الاجتماعي، والناشطة السياسية والحقوقية والنسائية. كرّست نعمات سنوات طويلة من حياتها للدفاع عن حقوق المراة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة، وتسعى من خلال عملها إلى دمج قضايا النساء من مختلف مواقعهن الاجتماعية والطبقية والنوع الاجتماعي في السياسات العامة للدولة، إيمانًا منها بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة فاعلة وحقيقية للنساء في مختلف مراحل صنع القرار.
من هي نعمات كوكو محمد؟
تعرِّف نعمات نفسها بأنها باحثة مهتمة بدراسة العلاقة بين التنمية والعدالة الاجتماعية، ومنخرطة في العمل الحقوقي والسياسي والنسائي. وترى أن إدماج منظور النوع الاجتماعي في السياسات العامة ليس قضية شكلية، بل ركيزة أساسية لتحقيق مجتمع أكثر عدالة ومساواة. كما تهتم بدعم النساء في الحصول على حقوقهن السياسية والاجتماعية، وتشجيع مشاركتهن في الشأن العام على قدم المساواة مع الآخرين، إدراكًا منها بأن التغيير لا يحدث إلا عندما تُتاح للجميع فرص متكافئة في المشاركة والتأثير.
دور النساء في العمل السياسي لإيقاف الحرب
تقول نعمات إن دور النساء في المشهد السياسي السوداني اليوم محوري وكبير، لأن النساء موجودات بقوة داخل منظمات المجتمع المدني النسوية والحقوقية، وكذلك ضمن الكتل والتحالفات السياسية المختلفة. وقد شاركت النساء منذ اللحظات الأولى في قوى الحرية والتغيير، ثم واصلن حضورهن في التحالفات التي نشأت أو تطورت بعدها، مهما تغيّرت أسماؤها أو هياكلها.
وتؤكد أن النساء أصبحن جزءًا أصيلًا من الديناميكيات السياسية والمدنية الساعية إلى وقف الحرب وبناء السلام، بصرف النظر عن اختلاف اتجاهاتهن أو مرجعياتهن الفكرية والسياسية. فهناك قناعة راسخة لدى النساء بأن الحرب ألقت بثقلها الأكبر عليهن، بحكم تحمّل النساء لتبعات النزوح والفقد وتراجع الخدمات واتساع رقعة العنف. ومن هنا لم تعد مشاركة النساء مجرد حضور رمزي، بل ضرورة عملية وأخلاقية تعبّر عن إدراك عميق لخطورة المرحلة.
وتضيف نعمات أن النساء السياسيات لم يكتفين بالعمل داخل أحزابهن، بل امتد حضورهن إلى المنصات المدنية والحقوقية والنسوية، ما جعل أصواتهن مسموعة في النقاش العام داخل البلاد وخارجها، خصوصًا لدى المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان.
مساهمات النساء على أرض الواقع
تؤكد نعمات أن مساهمات النساء ليست مجرد جهود معنوية، بل لها أثر ملموس، خاصة في صياغة الخطاب الموجّه للمجتمعين الدولي والإقليمي. فقد شاركت النساء في إعداد مذكرات وتقارير حول الانتهاكات التي تتعرض لها النساء خلال الحرب، بما في ذلك العنف الجنسي واستخدام الاغتصاب كسلاح لإرهاب المجتمع. وهذا التطور في الخطاب النسائي/النسوي يعكس وعيًا فكريًا وسياسيًا متقدمًا، ويعبّر عن شجاعة كبيرة في مواجهة موضوعات حساسة ومؤلمة.
وترى نعمات أن وجود النساء في هذه المنصات خلق نوعًا من التكامل بين العمل الحزبي والعمل المدني. فالنساء السياسيات استفدن من أدوات الخطاب الحقوقي، بينما استفادت المنظمات النسوية من الخبرة السياسية والتنظيمية للحزبيات، ما جعل الخطاب النسائي/ النسوي أكثر قوة واتساقًا.
مقارنة بين مشاركة النساء عبر الأجيال
وعند سؤالها عن الاختلاف بين الأجيال، توضح نعمات أن الجيل السابق من النساء لعب دورًا تاريخيًا مهمًا في فتح الطريق أمام حضور المراة من مواقع اجتماعية متعددة في المجال العام، لكنه كان يواجه فرصًا أقل في الوصول إلى مواقع صنع القرار بحكم السياق السياسي والاجتماعي آنذاك. أما اليوم فقد توسعت دائرة الوعي، وأصبحت مطالب النساء بحقوقهن السياسية أكثر وضوحًا وجرأة، كما أن حضورهن في الإعلام والمنظمات والتحالفات السياسية أصبح أكثر انتظامًا وتأثيرًا.
وتشير نعمات إلى أن تراكُم الخبرات بين الأجيال أسهم في خلق قاعدة معرفية واسعة لدى الشابات، وجعل مشاركتهن تنطلق من فهم عميق لدور المرأة في بناء دولة المواطنة والعدالة.
نقل الخبرات بين الأجيال
ترى نعمات أن نقل التجارب لم يعد اتجاهًا واحدًا، بل أصبح عملية تبادلية قائمة على التعلم المشترك. فالنساء السياسيات يتعرفن على لغة حقوق الإنسان ومفاهيم العدالة الجندرية من خلال المنصات المدنية، بينما تستفيد هذه المنصات من خبرة النساء المنتميات للأحزاب في التنظيم والعمل السياسي. وهذا التفاعل — على حد وصفها — أسهم في تطوير الخطاب العام الحقوقي للمرأة ليشمل حق المشاركة في جميع مستويات وضع السياسات وصنع القرار.
التحديات أمام مشاركة المراة
تقول نعمات إن التحديات التي تواجه المرأة، بغض النظر عن موقعها الاجتماعي والطبقي وحتي الفكري، معقدة وثقيلة. فالحرب تخلق بيئة خطرة وغير آمنة للعمل العام، وتزيد من احتمالات تعرض جميع النساء للعنف المباشر. كما توجد محاولات لإقصاء النساء من دوائر صنع القرار، رغم أن الأعباء الاقتصادية والاجتماعية للحرب تقع عليهن بشكل مضاعف.
ومع ذلك تؤكد نعمات أن هذه الظروف لم تُضعف عزيمة النساء، بل دفعت الكثيرات إلى استمرار النضال والمطالبة بسلام عادل يضمن المساواة وحماية الحقوق.
النساء شريكات في صناعة السلام
وفي ختام حديثها، تشدد نعمات كوكو محمد على أن النساء في السودان لسن مجرد ضحايا للحرب، بل هن شريكات أساسيات في جهود إنهائها. وترى أن إدماج النساء في العملية السياسية ليس منّة أو مكافأة، بل حق أصيل يستند إلى دورهن الواقعي وتجاربهن الحياتية. وتؤمن بأن أي عملية سلام تُقصي النساء ستكون سلامًا هشًا، بينما يمر الطريق إلى السلام العادل عبر الاعتراف الكامل بدور النساء وتمكينهن من المشاركة الحرة والمتساوية في صنع مستقبل السودان، حتى يصبح الأمن والكرامة والعدالة حقوقًا مكفولة للجميع دون استثناء.